التقدم التكنولوجي بين "الإمكانيات" و"الإدارة"




طارق حجـِّي

بقدر ما أثار فوزُ العالم المصري الفذ أحمد زويل بجائزة نوبل من فرحٍ غامرٍ في كل ربوع مصر بقدر ما أثار من تساؤلاتٍ عن البحث العلمي والتقدم التكنولوجي في مصرَ . ورغم أن الكثيرَ قد قيل في هذا المجال ، إلا أن الظروفَ قد سمحت لي بأن أستمع إلى وجهتي نظرٍ في يومٍ واحدٍ في هذا الشأن أعتقد أنهما يلخصان كل الآراء التي يمكن أن تقال في هذا المجال ، كما أنني (مع كل التقدير والاحترام لأصحاب هاتين النظريتين) أعتقد أن أحدهما "خطأ مطلق" والثاني "صواب بحت" . أما الرأي الأول فيقولُ أصحابُه أن كل ما ينقصنا لكي نكون في المقدمة –عالمياً- في مجالات البحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية التالية على مرحلة البحث وبهدف إقامة همزة الوصل بين (عالم الأبحاث) و(عالم التطبيقات) يكمن في أمرٍ واحد هو "الإمكانيات" . أما وجهة النظر الأخرى فقد قال صاحبُها أن المشكلة لدينا تكمن في مناخ (أو بيئة) البحث العلمي وافتقارها لروح عمل الفريق وغياب الإطار المؤسسي الذي يخدم ويدعم أدوار الباحثين .

وفي اعتقادي ، ومن خلال تجربة طويلة في عالم الإدارة ، فإن التحجج بنقص الإمكانيات هو أمر يندفع البعض إليه بسبب الشعور العاطفي (لمفهوم وإن كان غير صحيح) بأن ذلك السبب ينفي عنَّا مسئولية وضعنا الحالي في مجال البحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية .

ورغم أن هناك عشرات الأمثلة التي تستقى من الواقع تؤكد أن هناك بلدان أقل منا في متوسط دخـل الفرد وذات مشاكل اقتصادية عارمة إلاَّ أنها سبقتنا في مجال البحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية ، إلاَّ أنني سأكتفي بمثال واحد هو "الهند" وما أحرزته من تقدمٍ علميٍّ رائع في مجالين محددين هما البحوث الذرية (وهو التقدم الذي قاد الهند لكي تصبح إحدى القوى النووية في العالم) ثم في مجال الحاسبات الآلية وبالتحديد تصنيع مبرمجات الكمبيوتر وهو الذي أصبحت الهند ثالث أكبر دولة مصـدرة فيه وينتظر أن تصبح الدولة الثانية في العالم (وراء الولايات المتحدة) في نهاية السنة الحالية

نحن هنا أمام دولة تعاني من تدني مستوى دخل الفرد ومن جبالٍ من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ومن نقصٍ هائلٍ في الإمكانيات المالية ، ومع ذلك فإنها تحقق نجاحاً لا ينكر في مجالين محددين يقوما على تقدم البحث العلمي هما مجال الذرة ومجال مبرمجات الكمبيوتر.

ولا شك أن هذا المثال وحده (وإن كانت هناك أمثلة أخرى مشابهة عديدة) ينسف حجة القائلين بأن كل ما ينقصنا لكي تكون لدينا قاعدة بحث علمي متقدم وفعَّال هي الإمكانيات .

والحقيقة أن القول بأن نقص الإمكانيات هو السبب في تخلفنا عن إيجاد قاعدة بحث علمي متقدم ليس فقط "خطأ" في التحليل وإنما انسياق مع "ثقافة التبرير" وعدم الرغبة في ممارسة القدر اللازم من النقد الذاتي . فالحقيقة أن ما ينقصنا هو وجود نظم عمل عصرية في مجالات البحث العلمي في ظل نظم إدارة حديثة توفر ما يلزم من عناصر النجاح وفي مقدمتها احتضان أصحاب القدرات العالية وتنمية روح العمل في فريق واستئصال شأفة محاربة الموهوبين وتفريغ دنيا البحوث العلمية من قيم الوظيفة العمومية التي سادت فيها خلال العقود الأخيرة .

نحن إذن بصدد "مشكلة إدارة" قبل أن نكون بصدد "مشكلة إمكانيات" . وسوف يكون من اللازم أن نحلل "عناصر المشكلة الإدارية" التي قادتنا لما نحن عليه الآن من تأخرٍ في مجالات البحث العلمي ، وأن تكون لدينا شجاعة الاعتراف بأنه بدون تشخيص العلل وتغيير المناخ العام السائد في مجالات البحث العلمي ، فإنه سيكون من المستحيل تجاوز الأوضاع الحالية . ولا بد هنا أن نعهد لعيونٍ خارجيةٍ (وإن كانت مصرية) بعملية تشخيص العلل ووصف سبل العلاج ، إذ أن المنغمسين في واقع بيئة البحث العلمي المحلي سيكون من العسير عليهم وصف المشاكل وطرح الحلول لما يمكن أن يجلبه ذلك لهم من حرج لكونهم مرؤوسين (إدارياً) لمن سيكون النقد موجهاً لهم بشكلٍ أو بآخرٍ . ولا يعني ذلك أن علماء الداخل غير قادرين على وصف المشكلة وأسبابها وسبل علاجها ، وإنما أعني فقط أن الحرج بالنسبة للعلماء المصريين بالخارج سيكون أقل – وهو أمر لا يمكن تجاهله .