ريم بسيوني وهاجس الهوية



حوار مع ريم بسيوني
المصدر الشروق الجديد يوليو 2010


التقيتها أثناء احتفالها بتوقيع روايتها الأشهر «الدكتورة هناء»، التى سيتم تحويلها إلى عمل درامى تليفزيونى، وكانت تستقبل باهتمام شديد آراء القراء الذين كانوا يناقشون معها أحداث «رائحة البحر» و«بائع الفستق»، وحدثتهم هى عن جديدها «أشياء رائعة» وهى الرواية التى صدرت قبل أيام ولم تحتفل حتى الآن بتوقيعها.

الدكتورة ريم بسيونى ليست فقط روائية مصرية وإنما هى أستاذة متخصصة فى اللغويات الحديثة وتحليل الخطاب السياسى،‏ تنتمى إلى محافظة الإسكندرية، غادرتها إلى لندن للدراسة ومنها إلى جامعة اكسفورد، ومنذ عامين تقريبا انتقلت للعمل بجامعة جورج تاون كأستاذة للأدب وللغة، وعلى الرغم من تجربة الاغتراب الطويلة تلك أن أعمال ريم بسيونى الروائية بشكل عام تطل منها ملامح غارقة فى مصريتها، وإن كانت كثيرا تائهة تبحث عن ملاذ مفقود، ربما يكون الهوية، وهو السؤال الذى يؤرق هذه الكاتبة التى تقضى الآن فترة إجازة قصيرة فى مصر قبل أن تعود من جديد إلى الولايات المتحدة. إلى نص الحوار.
ما التيمة الروائية الجديدة التى أردت التعبير عنها من خلال «أشياء رائعة»؟
رواية «أشياء رائعة» تعكس الواقع المصرى الذى نعيشه الآن بحلوه ومره، وتحاول الرواية رصد مشاعر الحب والكره والطمع والطموح وكل العواطف الإنسانية التى تطفو على سطح الحياة سواء فى مصر أو خارجها، أردت أولا أن أكتب قصة إنسانية ثم أكتب قصة واقعية عن مصر التى أعرفها.
ما الذى أردت أن تعكسيه من خلال «كتاب الموتى والأحياء» الذى قمت بتثبيته على مدار الرواية، وهل تعتبرينه نوعا من التجريب فى السرد؟
كتاب الموتى والأحياء قد يكون نوعا من التجريب، وفى الحقيقة موضوع كتاب الموتى وشهرته فى مصر القديمة يستهوينى بشدة، وأردت أن أعبر عن مصر الآن مصر الحاضر وأربطها بمصر الماضى ومصر المستقبل، فجاء هذا الاقتباس من عنوان كتاب الموتى، ولكن الجديد هو أننى أطلقت عليه كتاب الموتى والأحياء ووجهته إلى قارئ معين، وهذا القارئ هو أول من سيدخل المقبرة وهو اللص الذى سيسرقها.
«أسماء الشرقاوى» فى الرواية كانت شخصية غير عادية قمت من خلالها بالإسقاط على أوضاع سياسية واجتماعية معاصرة.. كيف استلهمت ملامحها؟
أسماء امرأة مصرية بمعنى الكلمة، أرملة وفلاحة وشخصية ترمز فى أكثر من موقف إلى مصر الحاضر والماضى، هى ليست امرأة مثالية بل ربما يراها البعض كمنافقة ومتسلقة وربما يراها البعض مثالا للطبقة الوسطى الكادحة التى تسحق كل يوم ألف مرة وتذل وتهان، ويقول عنها حازم فى سطور كتابه، كتاب الموتى والأحياء:
«ولم تزل أسماء فلاحة، ولكنها نست وهى تحارب التنين أن النار التى تخرج من فمه لا شىء بالنسبة لقوة مياه الفيضان وطمى الفيضان واشتياقنا للفيضان. لن تتغلب أسماء علىّ ولو تغلبت على كل مصر. فأنا العالم وعندى أسرار الحضارة.. وستصبح لى شاءت أم لم تشأ. ربما انتهى عصر الفلاح والكاهن يا صديقى وبدأ عصر جديد.. لا أعرف كيف أصفه.. عصر.. أتدرى؟».
يبدو من عنوان الرواية للوهلة الأولى أنه ينم عن واقع تفاؤلى مدهش، ولكن الرواية لا تعبر عن هذا، فما قصة عنوان «أشياء رائعة»؟
ربما تشى السطور الأولى فى الرواية بمعناها، فأنا أترك للقارئ أن يستشف ما هذه الأشياء الرائعة، ربما يكون العنوان عنوانا ساخرا وربما لا.
يبدو أيضا تأثرك الشديد بقصة اكتشاف كارتر لمقبرة توت عنخ آمون فى اختيار هذا العنوان.
كنت دائما أريد أن أعرف هل قصد كارتر عندما قال «أرى أشياء رائعة» الكنوز بداخل المقبرة أم حياة الناس وتاريخهم وآلامهم وسعادتهم.
أثرت مسألة حرية المرأة فى مصر فى روايتك الجديدة وكذلك فى أعمالك السابقة خاصة «الدكتورة هناء»، إلى أى مدى تجدين هذه القضية جديرة بالطرح؟
فى الرواية الجديدة حرية المرأة تشغل رشا الأستاذة الجامعية ولكنها لا تشغل البطلة أسماء، أما الدكتورة هناء فحرية المرأة تشغل الدكتورة هناء إلى حد كبير، ولكننى دائما فى أعمالى أحاول أن أكتب عن المرأة والرجل، ومعاناتهما، فمثلا القهر فى مصر له أشكال عديدة وأول أسبابه هو الفقر وقلة الموارد وهبوط مستوى التعليم، الرجل هو أول من يقهر ومن الطبيعى أن يحاول أن يقهر المرأة، وفى الحقيقة لا أدرى من المقهور أكثر، فهى سلسلة حلقاتها رجل وامرأة ومجتمع وأبناء وآباء وأمهات.
هل من جديد فى ترجمة رواياتك إلى الانجليزية بعد «بائع الفستق»؟
نعم تمت ترجمة رواية «الدكتورة هناء» الفائزة بالمركز الاول فى مسابقة ساويرس للأدب وسوف تصدر قريبا باللغة الانجليزية.
روايتك «الحب على الطريقة العربية» حملت الكثير من الشجون السياسية المتعلقة بالحال العربى، كيف وجدت هذه التجربة؟
فى «الحب على الطريقة العربية» كان الغرب أو أمريكا فى هذه الرواية ساحة صراع عربى عربى لا أكثر ومكان يحدث فيه لحظات تنوير لصفاء بطلة الرواية فتقابل العرب لأول مرة وتتساءل ماذا يجمعها بكل البلاد العربية ومن تكون، فى هذه الرواية أعتقد أننى من خلال قصة حب بين صفاء المصرية السنية ونبيل نصار الشيعى اللبنانى عبرت عن مأساة العالم العربى.
هل صحيح أنه تم الاتفاق على تحويل روايتك «الدكتورة هناء» إلى مسلسل تليفزيونى، وألا تخشين من أن يخل العمل الدرامى بالعمل الروائى؟
نعم سوف يتم تحويل الرواية لعمل تليفزيونى، وعندما كتبت الرواية كنت أنا المتحكم الوحيد ولكننى أعرف أن للمخرج رؤية ولكاتب السيناريو رؤية، ومع ذلك غير قلقة لأننى أثق فى السيناريست والمخرج.
يبدو من خلال كتاباتك أن مسألة الهوية تشغلك كثيرا، إلى أى مدى أسهمت تجربة اغترابك فى تشكيلها؟
سؤال الهوية يؤرقنى دائما ربما يؤرق كل الناس الآن فى العصر الحديث الذى تتلاشى الحدود وتقترب ثم تبتعد، وعالجت مشكلة الهوية بقوة فى كل رواياتى، وأيضا فى أعمالى العلمية.
كثيرا ما يتعرض الكتاب المقيمون خارج بلادهم إلا نقد استباقى لمجرد طرح هموم بلادهم، باعتبارهم لا يعانونها بشكل مباشر وربما يسمعون عنها من خلال وسائل الإعلام، كيف تجدين ذلك؟
هذا صحيح إلى حد كبير ولكننى لم أخرج من مصر يوما، أعرف مصريين يعيشون فى مصر ولا يعرفونها وآخرون خارجها ولم يتركوها أبدا، أراها دائما بوضوح نصب عينى، و لاأكتب عنها سوى لأننى منها ولها ولا أكتب أبدا باستعلاء، فأبطالى عاديون نراهم كل يوم فى الشارع ونعرفهم.
عادة ما يكون لكل أديب هاجس يتسرب فى كتاباته رغما عنه، فما هاجسك؟
لا أعرف، ولكننى متأكدة أن لى أكثر من هاجس فى الكتابة، ربما يعرف قرائى الإجابة أكثر منى.
سؤال الهوية يؤرقنى دائما ربما يؤرق كل الناس الآن فى العصر الحديث الذى تتلاشى الحدود وتقترب ثم تبتعد، وعالجت مشكلة الهوية بقوة فى كل رواياتى، وأيضا فى أعمالى العلمية.