ذكريات الجوافة



 ذكريات الجوافة لجورج بهجوري
 عبدالله الصاوي

الدستور 18 فبراير 2017

هللت الملاكة حول "رحمة" الأم، صوت يهمس في أذنيها، كأنه يقول: "هذا هو ابنك الثالث يولد، له صيحة تشبه الديك الصغير، هو مولود جديد يحتفظ بسر كبير في العائلة".. بهذه الكلمات بدأ الفنان جورج البهجوري كتابه الذي صدر حديثًا عن دار الثقافة للطبع والنشر، تحت عنوان: "ذكريات الجوافة رسم على رسم".

يقع الكتاب في 280 صفحة من القطع المتوسط، يستعرض "بهجوري" قصة حياته، بأسلوب ساخر، على غرار أعماله الفنية التي أمتعنا بها على مدار ما يزيد عن ستين عامًا.

بدأ بهجوري الكتاب، بقصة ميلاده، ووفاة والدته أثناء ولادتها، يقول بهجوري عن وفاة والدته: ".... الأم ذاهبة إلى المستشفى كما تفعل كل مرة تلد فيها، تريد أن تطمئن على المولود ومعرفة الحمل والكشف بشكل عام، قال الأطباء بعد ذلك، إنه إلتواء في المصران الغليظ، حركة الأم المفاجئة نقلت الجنين من مكانه، أصبح ارتباطه بسرة الأم معقدًا.

أجريت عملية جراحية في الحال للأمفي المستشفى التابع للإرسالية الإنجليزية بالروضة، واختفى الأب ثلاثة أيام يتابع العملية خاصة أنها حامل مرة أخرى في الشهور الأولى.

غابت الأم ثلاثة أيام .. لم يفهم جورج وحنا بأن أمهما "رحمة" ماتت أثناء العملية، وأخفت الأسرة عن جورج خبر "وفاة والدته" وقالوا له أنها مسافرة.

السيدات الكبيرات في العائلة، يولولون ويندبن ويرحن ويجئن في هذا الممر الضيق ومعهن بنات العمة والعم، لم يفهم جورج شيئًا سوى أنه وجد نفسه يبكي مثلهن دون أن يعرف ما الخبر.

وعن قصته مع الرسم يقول بهجوري: أنا جورج البهجوري من قرية بهجورة في صعيد مصر ضاحية نجح حمادي والأقصر، أنا ابن ثورة عبد الناصر في الخمسينات، عاصرت العصر الذهبي لمصر حتى الستينات والسبعينات، وتألقت كرسام كاريكاتير في مجلة روزاليوسف 20 سنة، قدمتني السيدة روزاليوسف واحتضني ابنها إحسان عبد القدوس.

وتابع: كونت مدرسة خاصة في الرسم بعد صاروخان ورخا وعبدالسميع وزهدي وارتبطت رسومي برسوم حجازي ورجائي وجاهين وبهجت ومصطفى حسين وصلاح الليثي وإيهاب وجمعة وشريف.

واستكمل: بهجوري لم يلتقي الأدب بالرسم في مصر بالذات إلا في زمن قريب، وكان ولا يزال إلى حد ما منعزل تمامًا عن الفنون الأخرى وخاصة الرسم والموسيقى رغم اقترابه من السينما والمسرح، الرسامون في مصر لا يقرأون الأدب والأدباء في مصر لا يعرفون قراءة الرسم أو اللوحة.

والأزمة تبدأ وتطول مع عصرنا الحالي، وإن كانت قد تحسنت قليلاً، وتصبح قضية ومشكلة غير مرئية ويتحول المثقفون في مصر إلى نعامات تخفي رؤوسها في طين الأرض أو الرمل وأحيانًا تحت الماء على شاطئ وبحر. وهم لا يريدون أن يعترفوا بالمشكلة ولكنهم يتظاهرون بالتوافق والانسجام.

والقضية لها عمر طويل منذ الكلمة المقدسة الرائعة – اقرأ - .. والتوراة من قبلها – في البدء كان الكلمة – مما جعل للكلمة القدسية والكهنوت الأول في أثناء تألق رسوم عصر النهضة في إيطاليا ثم في فرنسا.

على الصعيد الشخصي، ومعاشرتي الثقافية لأدباء جيلي في مصر، الأديب هو السلطان والرسام هو الجارية التي ترقص عارية للسلطان فيعتدل مزاجه ويصفق لها.

ويطوف بهجوري بالقارئ في مجالات عده ما بين عشقه للنحت ورحلاته إلى باريس؟

وعن هزيمة 67 ووفاة عبد الناصر؛ يقول بهجوري في مذكراته: صحوت ذات صباح – وكان وقتها في باريس – كالمعتاد أعرج بعد فنجان القهوة على كشك الصحف ففوجئت بصورة عبد الناصر تملأ الصفحة الأولى من الفيجارو والفرانس سوار وأغلب الصحف ولم أصدق مثلما كل عربي ولكني تحيرت من العنوان بالخط العريض مع صورته "مصر والعرب بعد عبدالناصر"، وسألت من لهفتي بائع الصحف ما معنى هذا العنوان فأشار بيده على رقبته وقالها بنشوة شريرة بحركته فقط دون أى كلمة وهى معناها أنه انتهى.

وقرأت صفحة كاملة بقلم كاتب معروف أن عبد الناصر مات وحلمه معه .. ثم أسهب في الحديث عنه باعتدال بأنه رجل وحيد لا يملك سوى شعبه .. وأن العالم كله كان ضده.