سعيد سالم في كف مريم





بقلم: صلاح فضل
الأهرام 16-3-2003
دار ومطابع المستقبل بالفجالة وبيروت

يكمل سعيد سالم عقده السادس هذا العام كما يبلغ مجموع ما نشره من روايات ومجموعات قصصيه عشرين عملا خلال ثلاثه عقود‏.‏ وهو يصر علي غزو الحياه الثقافيه والادبيه من موقعه علي شاطئ الاسكندريه‏.‏ مع كوكبه نشيطه من المبدعين الذين يعطون للثغر الجميل مذاقه الادبي ونكهته المتوسطيه الوضاءه‏.‏ وقد استطاع بدابه ومثابرته ان يستثمر ذكاءه الابداعي وتوقه الطليعي معا وان يزحف بثقه الي الصفوف الاولي من كتاب السرد العربي في مصر‏.‏ وكنت قد تنبات له منذ مطلع الثمانينيات بمستقبل واعد في فن القص لموهبته ودهائه وقدراته التشكيليه البارزه وهاهو اليوم يقدم ما يعتبره ذروه ابداعه ودرته الفريده وهي روايه كف مريم التي تستحق التامل النقدي والقراءه الفاحصه‏.‏
وسوف نتوقف عندها من جانبين احدهما تقني فني يتصل بكيفيه الكتابه وصياغه الاحداث وتقديمها وكيفيه تمثلها في مخيله القارئ‏.‏ والثاني دلالي يرتبط بطبيعه التجربه التي يقدمها ومغزاها والرويه الشامله التي يستخلصها منها‏.‏ ونلاحظ ان جساره الكاتب وتجريبه لعوالم جديده في كلا الجانبين قد اضفي علي الروايه قدرا من العمق والاصاله التي توقظ في القارئ حس التوتر الدرامي والشفافيه الروحيه مما يعد شاهدا علي نجاح المبدع في تحريك السواكن الراكده‏.‏

تبدا الروايه علي لسان الزوج وفيق جرجس ليحكي ما حدث في ليله زفافه العاصفه من زوجته مريم عام‏1962‏ م‏.‏ ثم ينتقل الي نتائجها القريبه بعد عامين والبعيده بعد ثلاثين سنه‏.‏ ثم تقفز الي منظور شخص اخر زميل لها في الكليه يدعي سهل عامر لتكشف علي لسانه عما فعلته مريم بعد مشهد الزفاف المثير وطريقتها العجيبه في الانتقام منه قبل ان تعطي الكلمه لامها لتجسد البعد الثالث في روايه المشهد الذي لا ينسي‏.‏ وهكذا تمضي علي نسق تبادل الرواه والمواقف وصعود موشر الزمن تاره الي الفتره الراهنه وهبوطه دفعه واحده الي بطن الماضي منذ ثلاثين عاما‏.‏ مما يكاد يربك القارئ ويحفزه علي ان يتخلي عن موقف التلقي السلبي ليبني بدوره تصوره الخاص عن الاحداث ورويته الكليه لها بطريقه لا تتوافر لاي طرف منفرد من اطرافها‏.‏ وكان القارئ بهذا او المروي له يقوم بدور المتلقي العليم بكل شيء مقابل الراوي القديم في الروايات الكلاسيكيه التي اسندت له وحده هذا الدور‏.‏ لكن الارتباك الذي يحدثه هذا التنقل ناجم عن سبب طريف هو عدم التوازي في الازمنه فهناك شخوص لا يظهرون علي مسرح الاحداث سوي في الفتره الاخيره مثل حليم صادق وبالتالي فهو لا يعرف ولا يشارك في وقائع الاعوام الماضيه من حياه مريم قبل ان يغرق في عشقها المتاخر‏.‏ وهو عندما ياخذ في الحكي يجر خيوط الاحداث بعنف الي اللحظه الراهنه فتشتبك بتعثر مع وقائع الماضي نتيجه لعدم التوازي الزمني فاذا ما دخلت رويه مريم ذاتها في القديم والحديث علي فترات ظهور متفاوته تشابكت الابعاد وتعقدت المواقف وكان علينا ان نتذرع بكثير من الاناه والصبر حتي نبني تصورا ايجابيا لما يحدث وهذا ثمن التوق الطليعي الذي يجتاح سعي سعيد سالم كي يعدل عن الحكي التقليدي ويجرب بامعان ما شرع فيه نجيب محفوظ في المرايا من تعدد الرواه للحدث الواحد وسار عليه كثير من الكتاب بعد ذلك بسلاسه ملحوظه واضاف اليه مولفنا هذه الارقام الصاعده والهابطه للسنوات في بورصه الحياه وهي تصنع اقدارها ومصائرها ومفارقاتها بطريقه مدهشه‏.‏ لكن اللحظات المفعمه بالجمال والحيويه لا تلبث ان تملا فراغات العناوين فتقدم لنا لوحات ثابته واخري متحركه في مشهد الزمن لعل مطلعها هو الذي يرد علي لسان سهل عامر في وصفه لمريم حيث كان جمالها ذا طابع فريد متميز يضفي علي شخصيتها هاله من الحزن الشجي تشع من عينيها الساهمتين ووجنتيها الحمراوين وفمها الذي تجمع شفتاه بين الاكتناز والرقه وبين حمره الورد وطزاجه الفاكهه فتبدو كقديسه من عالم الملكوت تجذب من يقترب من فلكها المكهرب بسحر غامض دونه شتي المخاوف والمحاذير‏..‏اما سر ليله الزفاف المثيره التي القت بظلها علي الروايه كلها وعلي حياه ابطالها واثامهم فيصفها الزوج بانه قد اندفع في ليله العمر الهادئه وقد استبد به الحرمان بقوه عمياء ليلتهم جمال عروسه‏'‏ واذا بها تصرخ فزعه وتطلق صرخه مدويه وتندفع الي باب الغرفه تفتحه منطلقه في ارجاء الفندق الكبير حافيه القدمين في ثوب الزفاف وقد تمزق معظمه‏..(‏ هل كانت حفلات زفاف الستينيات في الفنادق مثل الان‏..)‏ تجري في الطرقات وهو يجري خلفها دون وعي بالزمان او المكان وما يشغلهما من جماد وبشر حتي انتهي بها الامر الي ان قفزت في الشارع واندفعت الي رصيف البحر الذي القت بنفسها اليه وعندما عاد بها الزوج بين يديه وجاء الطبيب ليحقنها بمهدئ كان العريس لا يزال في ثوره جنونه فاكمل افتراسها وهي مخدره وعندما افاقت لم تسارع بستر جسدها في فزع واحتقار كما توقع بل رمقته بنظره مبهمه لم يفهم مغزاها طيله عمره لكن تكمله هذه الصوره السينمائيه ترد علي لسان مريم وهي تروي لامها انها فوجئت بعريسها اسود الوجه محمر العينين اشعث الشعر طويل الانياب والحوافر وكانت نظراته الجائعه المفترسه تزلزل كياني وتصيبني بالرعب والاشمئزاز ونعرف بعد ذلك كيف انتقمت من هذا الموقف نظرا لعجزها عن الطلاق الممنوع عليها دينيا باعاده تمثيل ليله زفاف هانئه مع صديقها سهل في محاوله لترميم الجسد والروح‏.‏ وكيف ان هذه الحادثه قد صبغت حياتها كلها ووقفت حائلا حتي بعد مضي ثلاثين عاما بينها وبين صديقها الوحيد الذي احبته علي كبر وعندما اختليا في السياره واقتربت الشفاه اقتحمها هاجس غامض متوحش ليضع بيننا حاجزا عنيدا علي كف مريم تخفي به خدها الوردي الجميل لتحول دون تحقق لحظه الانتشاء‏..‏ كفها يفصل بين وجهي ووجهها كحد سيف يرتعش بقوه ويضيق فوادها بالسر فيتفجر في المسافه المتلاشيه لحن القدر بقوه رعديه تحيل العناق الي حرب قاسي‏.‏ وهكذا تلتقي لحظتان عارمتان من عدم التحقق لتمثل قوسين يضمان بداخلهما حيوات افراد ومصائر لم يستطع الزمن شفاءها ولم تترك الندوب في روحيهما مكانا لاستئناف عشق بريء يتخطي حدود المجتمع ويعلو علي معوقات الذات في ان واحد‏.‏

اصداء الفتنه
للادب طرائقه الماكره في تمثيل الحياه واستقطار الوانها المتعدده واعتصار رحيقها وسبر اغوارها في ضمير الافراد وقاع المجتمع‏.‏ وقد كتبت روايه كف مريم في اخر التسعينيات فكان لابد لها ان تمثل اصداء الاهتزازات التي هددت اتساق النسيج الاجتماعي في مصر منذ عبور اكتوبر حتي زلزال الكويت وتوابعه وهي الحرائق المحدوده والمدبره غالبا للفتنه الطائفيه واذا كان لهيبها قد خمد منذ فتره فلا يزال الرماد ساخنا ينبئ عن بصيص مختبئ‏.‏ وقد صنعت مصر تقاليدها العريقه في التعدد والتسامح والتمازج الروحي المتناغم عبر عصور طويله‏.‏ والادب الذي يصور اصداء هذه الفتن لا يبعثها من مرقدها بقدر ما يجتث بالتطهير اثارها ويجسد بالتشكيل اخطارها‏.‏
وقد استطاع سعيد سالم ان يقيم البناء الدلالي لنموذجه الواعر علي تحويل صوره مريم من مجرد امراه مصريه تدفع ثمن فتنتها الانثويه انتقاما من الزوج الذي اغتصبها الي رمز اعلي للعذراء التي تجمع بين التقديس الظاهر والتدنيس الباطن وقد احتشدت في مسيرتها ملامح التمييز في الجنس والدين والهجره والعمل والحقد الدفين المتنامي لجرائم التعصب الاعمي التي اصابت بالمصادفه اخاها دانيال حيث تنهمر تداعياتها لاحداث حياتها وهي تقول لنفسها‏:‏ ‏'‏ قتله المجرمون الملتحون داخل صيدليته ونهبوا خزانته‏..‏ كيف اذهب الي جامعه تنتمي لهولاء القوم فاحاضرهم فيها وابذل لهم العلم والمعرفه بعد ذلك مباشره كانت المكافاه ان تخطوني في ترقيتي للاستاذيه ووضعوا بيني وبينها سدا قانونيا منيعا لسنوات عديده‏..‏ قرات الفرحه العارمه والشماته الطاغيه في عيون زملائي وتساءلت اي وطن هذا الذي لا استطيع الحصول فيه علي حقي دون ان اريق ماء وجهي او ابذل ادميتي او اترك الذئاب الجائعه تمرغ رءوسها القذره علي صدري‏..‏ حطمت السد وخرقت القانون الذي وضعوه في نصف ساعه علي فراش حسن شحته الكلب الذي كان القرار بيده‏..‏ لكن زميلها المهاجرسمير زخاري الذي استقبلها في رحلاتها العديده المطوله الي الولايات المتحده واكتشف ابتذالها هناك ايضا دون ضروره مزعومه يري المشهد بمنظور مخالف حيث ينطقه المولف باعترافات موجعه‏:‏ يتمتع معظمنا نحن الاقباط بسلبيه لا نظير لها في بلادنا نتقوقع علي انفسنا دون ان ننتزع حقنا المشروع في المشاركه الايجابيه باداره شئون الحياه‏..‏ اننا موجودون فقراء واغنياء جهله ومتعلمون في مصر مع المسلمين في كل زمان ومكان‏.‏ والانف القبطي لا يختلف عن الانف المسلم‏..‏ وفي النهايه نهاجر بحثا عن المال ثم نبكي مصر في الخارج ونكتشف اننا نحبها وان روحها تسري في دمائنا بعد ان نكون قد بلغنا سن ارتقاب الموت‏.‏ هاانذا اجتر الامي علي زورق بخاري في رحله بحريه بنهر الميسيسيبي وقد تجرعت الان اكثر من ثلثي زجاجه الويسكي بعد ان علمت ان رساله صديقي المعتوه‏'‏ حليم صادق ان الارهابيين المصريين قتلوا صديقي وزميلي في الدراسه الثانويه فرج فوده ليله عيد الاضحي وانهم يواصلون حملات القتل ضد الاقباط احيانا وضد الاقباط والمسلمين احيانا اخري بلا ادني تفرقه‏.‏

وربما كانت نبره كشف المسكوت عنه في ضمائر الشخوص المقيمين والمهاجرين وتسميه الاحداث التي نود ان يطويها النسيان تصيبنا الان بشيء من التوتر والازعاج ولكن اذا تذكرنا ان الذي يجسر علي شفائنا بهذه الطريقه بتقمص مشاعر الاخر الشقيق هو مبدع يهدف الي تطهير الجرح قبل اندماله شعرنا بالارتياح‏.‏
في الجزء الختامي للروايه تخطط الدكتوره مريم علي طريقتها الحاده في الانتقام للثار لاخيها فتسعي للانتداب من الجامعه الي وزاره الثقافه لتتخصص في مرافقه وفود كبار الزوار من ملوك وروساء ومسئولين لزياره الاثار المصريه لتشرح لهم المظالم الواقعه علي الاقباط ثم تستقيل من هذا العمل لتنشئ شركه سياحيه يقتصر نشاطها علي السياحه في الاثار المسيحيه بجميع انحاء مصر حتي يعلم كل سائح غربي بكل وضوح موقف الاقباط سياسيا واجتماعيا ويستريح دانيال في قبره وعندئذ تفاجئها الاقدار بما لم يكن في حسبانها من قبل حيث تلتقي بزميل الدراسه القديم حليم صادق ليوقظ في اعماقها روح مصر بتوهجه العاطفي وسماحته النادره ونزعته الصوفيه الاسلاميه المتبتله ينفذ حبه الي قلبها ليجتث منه تلك النطفه السوداء التي زرعتها الفتنه ويكتب لها مجموعه من الرسائل التي تعد من ارقي ادبيات العشق والتلاحم العضوي بين طرفي الامه واضعا حولها هاله من القداسه النورانيه الساميه ورافعا لها الي مرتبه العذراء وبعد ان كانت كفها تفصل بين وجهيهما قبل ان تذوب ادرانها في مصهر العشق الصوفي النبيل تدعوه للقائها حتي تنصهر في روحه‏.‏ في تلك اللحظه علي وجه التحديد يصل صديقهما المشترك من مهجره ليطلع حليم صادق علي حقيقه معبودته فتصيب الرجل نوبه من هيستريا التصوف والتبتل والزهد في الحياه والتمسك بالعشق الروحي في الان ذاته‏.‏

وهكذا يرقي مستوي العلاقه بين الطرفين ليتجاوز اللقاء الجسدي المامول الي الانصهار الروحي الاسمي في تمثيل مجازي لطفره التجاوز الخلاق التي صنعها الشعب المصري في اخماده لحرائق الفتنه بين طائفتيه وعودته الي الاغتسال الرمزي في ماء النيل المقدس في طقس تلتئم به الجراح وتسكن اليه الارواح وتنغم بالتناغم الحيوي الاصيل‏.‏