أنه عام روايات روايات



بقلم: ماجدة الجندي
 الأهرام اليومي - 30 ديسمبر 2003





لم أكن أعرف شيئا عن الكاتب "محمد توفيق" حتى انتهيت من روايته "ليلة في حياة عبد التواب توتو" .. وزاد من غموض الأمر أن الرواية نفسها لم تحمل ما يشير إلى دار نشرتها أو جهة أصدرتها.. فقط إشارة على ظهر الغلاف أن ثمة مجموعة قصصية "الفراشات البيضاء" سابقة على الرواية يرى فيها الكاتب عبد التواب يوسف " تمردا " على التجارب السالفة وارتيادا لعوالم جديدة.. ومعمارا سليما له معيار دقيق لا تجده إلا لدى المتمكنين ..

لم أصل إلى ما كتب على ظهر غلاف رواية "ليلة في حياة عبد التواب توتو" أو "توتو" كما رحت أنقل إلى آخرين كيف استقطبتني .. إلا بعد الصفحة 504 التي حملت نهاية العمل .. ولم أتوقف عند " توتو" إلا كجزء من ولع الاستكشاف المصاحب الذي سرعان ما تحول إلى بهجة دونت ميلاد صوت روائي جديد.. بعدها رحت أفتش عمن يكون صاحب هذا الصوت الفريد العميق البسيط... الطويل النفس.. الرشيق، الذي يأخذك في نهره الجارف ثم سرعان ما تكتشف أنه قد أنزلك إلى مياهك أنت مستحضرا إلماما وخبرات ودراية وتمكن لكل ما يتصدى له ، فكأنما أنت والعمل في تلاحم يصعب إيقافه حتى الكلمة الأخيرة..

قلت "من يكون" محمد توفيق وكيف يكون له كل هذا الصدق الفني في البناء ولا نعرف أو نسمع أو نقرأ عنه ولم يسعفني إلا خيوط واهنة من أحد مواقع الإنترنت تشير إلى دراسة جامعية في الهندسة المدنية من جامعة القاهرة ودراسة عليا للقانون الدولي من جامعة باريس وكذلك العلاقات الدولية من معهد الإدارة العامة الفرنسية ، وأنه صدرت له بالعربية الرواية التي استقطبتني وقصة طويلة "حتى مطلع الفجر" ومجموعتان قصصيتان "الفراشات البيضاء" و"عجميست" ..

كان التأثير الذي أحدثه عمل مثل "ليلة في حياة عبد التواب توتو" محفزا للبحث عن المزيد.. ربما المزيد من الشعور بذلك الفرح الذي يحدثه عمل فني جميل.. واكتشفت اسم نفس الكاتب على رواية "طازة" من دار ميريت: "طفل شقي اسمه عنتر" .. وما بين العملين كانت المصادفة التي جمعتني بالكاتب شخصيا الأستاذ محمد توفيق - 47 عاما- ليضاف إلى اكتشاف عمل جديد جميل التعرف إلى تكوين حقيقي لكاتب يكتب بأسلوب أشبه بالنوتة الموسيقية.. كاتب يؤمن بأن التعامل مع فن يستلزم التزود بباقي الأفرع وأنه إذا كان الاستيعاب الإنساني الآن للمعلومات قد تطور إلى وسائل جديدة فإن الصورة تتصدر الرؤية وأن الأدب الذي لن يطور من نفسه ليلاحق فأنه لن يصل إلى القارئ... وعلى الكاتب أن يكتب بطريقة بصرية تلعب الصورة فيها دورا أساسيا تماما مثلما تجعل السينما المتلقي يشعر أنه جزء من " الفيلم" .. على الرواية أن تفعل نفس الشيء وتلك مسئولية الكاتب التي تضم أيضا توظيف الزمن بشكل سليم..

السطور السابقة أختزل فيها مساحات من الحوار الذي جمعني مع الكاتب يكشف المزيد من صوت روائي عفي ..

في رواية توتو وعبر الشخص ملاحقة لمجريات دفتر أحوال الوطن ، بكل ما فيه من ضعف وقوة ودون انحيازات أو إدانة بحيث تكون الفرصة للقارئ حيثما شاء..

فنحن أمام كاتب يرى أن انحياز صاحب العمل "لفكرة " يجور على فنية العمل ، وفنية الرواية لا تبتعد كثيرا عن فنية الموسيقى السيمفوني .. الصمت"هنة" من الزمن قد يكون أبلغ تأثيرا من صدح الآلات .. إنها الكتابة بالفراغات.. أو مساحات الصمت يتركها الكاتب للقارئ. يملأها كلُ كما يريد.. فتتعدد التفسيرات.. وكلما نجح الكاتب في التعرف على مواضع " الصمت" أو " القطع" علا الصوت الفني !

هذه رؤية ترى في الرواية عملا فنيا بأكثر منه عمل ذهني.. ولا تعترف بكتابة دون دراسة ، والدراسة المعنية هي " التزود " و" التكوين" و" الحرفية" بما يجعلنا أمام علاقة جدلية بين " الموهبة" و"التعلم". في كل ما كتبه محمد توفيق مذاق مصري لا يستعير تجربة آخرين ولا يكتب بالسمع، بل هو يوصل القارئ إلى ما يشبه الشم والملامسة والسمع والرؤية والتذوق .. فيصبح القارئ جزءا من عالمه المهموم والمحمل والباحث المتأمل للتركيبة المصرية وتفاعلها مع التطورات..

في عملي " توتو" و" طفل شقي اسمه عنتر" عدة مستويات للرؤية وأيضا فرز للثابت "الأساسي" و" المتغير" . والمرأة لديه أحد ركائز الثبات، وهو في كل ذلك لا يضع نفسه في مستوى يتجاوز القارئ.. هو يكتب مثلما يحب أن يقرأ.. " بمتعة وسلاسة" رافضا مبدأ قيادة القارئ أو تنويره أو أي ما يمكن أن يجعل من الكاتب معلما.. ومع ذلك فللكتابة عنده معايير تتحقق عند العديدين يفضل منهم ماركيز وجونتر جراس ومن العرب، غير الهرم محفوظ ، جيل الستينات الذي يحترمه لأنه يكتب "عن اقتناع ودراسة" أو بحسب تعبيره "ما فيش واحد منهم يقدم عملا غير مدروس" .

وبعد عزيزي القارئ.. هذه صفحة نهاية العام اخترنا أن تكون فرحا بميلاد أصوات جديدة .. بعضها تجاوز دون أن نحس مستوى الشقشقات في الفجر.. وأضاء بكتاباته الجميلة فضاءاتنا وفي المقدمة الأستاذ محمد توفيق..