من رفاعة الطهطاوي إلي فرد هاليداي‏!‏





اوراق ثقافية- الأهرام اليومي 31 يناير 2002
بقلم : الســـيد يســـين



اكتشاف الآخر عملية ممتدة في الزمان وهي لا تتوقف أبدا وذلك لسبب بسيط هو التفاعل الإنساني بين الأمم والشعوب والثقافات في أوقات السلم ومعارك الحرب علي السواء‏.‏ غير أن ذلك لا ينفي أن هناك لحظات تاريخية فاصلة تشتد فيها الحاجة إلي الاكتشاف المكثف للآخر إن صح التعبير‏.‏
لقد برزت الحاجة إلي اكتشاف الغرب لدي المفكرين العرب في بداية النهضة العربية الحديثة عقب غزو نابليون لمصر في حملته المعروفة وبروز تقدم النموذج الحضاري الغربي إذا ما قورن بوضع التخلف الذي كانت ترسف فيه المجتمعات العربية في هذا الحين‏.‏ ولهذا كان سؤال النهضة الأولي لماذا التخلف وكيف نكتسب أسباب التقدم‏.‏ وهذا هو الذي يفسر التراث الخصب لأدب الرحلة في الفكر العربي الحديث‏.‏ وهو إن بدا في رحلة رفاعة رافع الطهطاوي حين أوفده محمد علي حاكم مصر إلي فرنسا إماما للبعثة العلمية التي أرسلها لاكتساب أعضائها أسرار الفنون والعلوم والصنائع الغربية إلا أنها سرعان ما أصبحت تقليدا شارك في ترسيخ قواعده أجيال من الرحالة العرب الذين ينتمون إلي المشرق والمغرب علي السواء كما سبق أن بينا في مقالاتنا الماضية استنادا إلي الدراسة الرائدة للباحثة اللبنانية نازك سابا يارد في كتابها المرجع‏(‏ الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة‏)‏ بيروت‏:‏ مؤسسة نوفل‏1979‏

كانت هذه اللحظة التاريخية التي اشتدت فيها رغبة العرب في اكتشاف الآخر لأسباب حضارية تتعلق بالبحث عن أسباب التقدم والقضاء علي جذور التخلف‏.‏
ونحن نمر في الوقت الراهن ـ علي المستوي العالمي ـ بلحظة تاريخية مثيرة نحاول ـ مسلمين وغربيين ـ أن نكتشف الآخر‏.‏ الغربيون معنيون عناية شديدة باكتشاف الإسلام كدين واستكناه طبيعة المسلمين كبشر واستطلاع ماهية الثقافة الإسلامية وسماتها البارزة وتحليل دوافع البشر الذين يسلكون في ضوء قيمها وتوجيهاتها‏.‏

والمسلمون المعاصرون معنيون أيضا ـ بحكم المعارك الضالعين فيها ـ سواء كان ذلك في فلسطين مع الدولة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا أو في إيران أو في لبنان أو حتي في كشمير باكتشاف الآخر الغربي وتحليل طبيعة الإيديولوجيات التي يتبناها ودوافع السلوك التي تصوغ الاستراتيجية الغربية إزاء العالم الإسلامي‏.‏
وإذا كان الطهطاوي يمثل رمزا في لحظة تاريخية ماضية علي عملية الاكتشاف العربي والإسلامي للغرب فيمكن القول أنه في الحقبة التاريخية المعاصرة هناك طابور طويل من المستشرقين الغربيين الذين ينتمون إلي تخصصات شتي في العلم الاجتماعي كالتاريخ واللغة والسياسة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد تصدوا لعملية اكتشاف الآخر الإسلامي والعربي‏.‏ بل إن هناك أدباء حرصوا ـ باستخدام الأسلوب الأدبي الحديث الذي يجمع بين التحقيق الصحفي والعرض الأدبي علي الدخول في معمعة اكتشاف الآخر ولعل من أبرزهم الروائي القادم من ترينداد‏'‏ نايبول‏'‏ الذي حصل في العام الماضي علي جائزة نوبل في الآداب وخصوصا في كتابه الشهير‏(‏ بين المؤمنين‏)‏ والذي خصصه لعرض ثقافة وأحوال المسلمين في رحلة طويلة قام بها في عديد من البلاد الإسلامية‏.‏

غير أننا نختار من بين من تصدوا لاكتشاف الآخر الإسلامي باحثا بارزا هو‏(‏فرد هاليداي‏)‏ الأيرلندي الأصل أستاذ العلاقات الدولية في مدرسة لندن للاقتصاد وذلك لأسباب شتي‏.‏ أولها أن له خبرة طويلة بالعالم العربي والإسلامي ولعل ما يؤكد هذا كتابه القديم الذي جلب له شهرة ذائعة وهو‏(‏ الجزيرة العربية بغير سلاطين‏).‏ غير أن أهم من ذلك كله روح الموضوعية التي يتسم بها في كتاباته والتي تتمثل في قدرته الفذة علي ممارسة النقد الذاتي نيابة عن الفكر الغربي وعدم تردده في إدانة السياسات الغربية المتحيزة ضد العالم العربي والإسلامي بالإضافة إلي عدم تردده في الإشارة إلي السلبيات البارزة في أداء المجتمعات العربية الإسلامية‏.‏
غير أن السبب الرئيسي في اختيارنا له كرمز لمحاولة اكتشاف الآخر في الوقت الراهن هو أنه أول باحث غربي ألف كتابا عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي تمثلت في الهجوم الإرهابي الخطير علي الرموز الاقتصادية والعسكرية والسياسية للولايات المتحدة الأمريكية‏.‏ ونحن نعرف جميعا أن هذا الحدث الإرهابي فجر مشاعر عدائية صارخة ضد المسلمين والعرب تجلت في لغة الخطاب السياسي والثقافي الغربي بالإضافة إلي إساءة معاملة المواطنين من أصل عربي أو إسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏

ومن هنا تكتسب تحليلات هاليداي عن طبيعة العداء بين الإسلام والغرب أهمية خاصة لأنها تأتي بعد حدث تاريخي له طبيعة استثنائية‏.‏ وقد ضمن هاليداي هذه التحليلات في كتابه المثير‏(‏ساعتان هزتا العالم‏)‏ وله عنوان فرعي‏:11‏ سبتمبر‏2001‏ الأسباب والنتائج‏)‏ الذي نشرته دار‏'‏الساقي‏'‏الشهر الماضي تعرضت جريدة الشرق الاوسط فصوله وإذا تصفحنا الكتاب بعناية لأدركنا أن هاليداي يعتمد فيه في الواقع علي سابق دراساته عن العالم العربي والإسلامي لذلك اهتممنا ـ في مجال الاكتشاف المعاصر للآخر ـ علي الفصل الثاني عشر من كتابه وعنوانه‏(‏ الإسلام والغرب‏:‏ الصراعات الثقافية والعلاقات الدولية‏)‏ لأنه يكاد يكون أهم فصول الكتاب قاطبة‏.‏

مقولة الصراع بين الإسلام والغرب
يحاول هاليداي منذ البداية أن يتفحص نقديا مقولة الصراع بين الإسلام والغرب باعتبارها من سمات الحقبة التي تلت نهاية الحرب الباردة والتي أثرت في مجال العلاقات الدولية والسياسات الداخلية للدول علي السواء‏.‏ وهو يقرر أنه منذ عام‏1990‏ بدأ يتبلور فيها خطاب سواء في الشرق الأوسط أو في الغرب يذهب إلي أن هناك كتلتين متصادمتين ويعني الإسلام والغرب‏.‏ وفيما يتعلق بالجانب الإسلامي فإن هذا الخطاب سائد في الشرق الأوسط وكذلك في الدول الإسلامية الأخري ويمكن سماعه في أندونيسيا ونيجيريا وبنجلاديش وموضوعه الأساسي هو المجابهة مع الغرب‏.‏ وتختلط في هذا الخطاب أوصاف تدين الغرب مثل الاستعمار أو الإمبريالية أو العولمة أو جهليته المجتمع الغربي مع موضوعات صراع محددة مثل قضية فلسطين أو مشكلة كشمير‏.‏ أما في الغرب فالخطاب يشير إلي التهديد والخطر الذي يمثله ما يطلق عليه الإسلام سواء كان ذلك دولا إسلامية بعينها أو ما يحدث داخلها علي الغرب‏.‏
والملاحظة المهمة التي يؤكدها هاليداي أن منطلقات كلا الخطابين الإسلامي والغربي علي السواء تقوم علي أسس زائفة‏.‏ ولكن ذلك لا يمنع من تأثير الخطاب علي السياسة بالرغم من زيف منطلقاته ومن هنا أهمية دراسة موضوعاته وأسبابه‏.‏ ولعل ما يدفع إلي ذلك أن من يتبنون الخطاب في كلا الجانبين وسواء كانوا شخصيات مثل الخميني في إيران أو مؤسسات سياسية مثل حزب الله في الشرق الوسط أو الأوساط اليمينية في دوائر صنع القرار الاستراتيجي فإن المواقع المهمة التي يشغلونها هنا وهناك والتي تتيح لهم التأثير العميق علي عمليات صنع القرار السياسي تجعل من الأهمية بمكان ضرورة التحليل النقدي لخطاب العداء المتبادل‏.‏

والسؤال الأساسي هنا‏:‏ هل يستطيع الباحث الغربي أن يكون موضوعيا ومحايدا وهو يحاول نقد الخطاب الغربي والخطاب الإسلامي علي السواء‏,‏ ويجيب هاليداي علي هذا السؤال أن تبني موقف وسط حافل بالمخاطر ويستند إلي مثل أمريكي طريف مبناه أنك إذا سرت في منتصف الطريق فأنت معرض لأن يكتسحك من علي يمينك ومن علي يسارك علي السواء‏!‏ وهو يشير بذلك إلي دقة موقعه كباحث غربي يسعي حقا إلي التناول الموضوعي لظاهرة العداء المتبادل بين الإسلام والغرب‏.‏
وأيا ما كان الأمر فإن هذا العداء بين ما يسمي‏'‏ الإسلام‏'‏ وما يطلق عليه‏'‏ الغرب‏'‏ وكأن كلا منهما وحدة واحدة صماء لا تمايز فيها يرد إلي موضوع أهم هو جزء من المناخ الثقافي لعصرنا وهو علاقة الماضي بالحاضر وقوة الثقافة والقيم المستمدة من حضارات قديمة علي العلاقات المعاصرة بين الشعوب والأمم‏.‏

ولا شك في أن هذه الإشارة الذكية لها مصداقية وخصوصا لو حللنا الخطاب السياسي والثقافي المعاصر في كل من البلاد الإسلامية والبلاد الغربية‏.‏ في العالم الإسلامي هناك ميل لاجترار الأمجاد الماضية للحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها حين كانت هي المنبع الذي استقي منه الغرب أسباب التقدم في العلوم والفلسفة والفنون‏.‏ وهذا الميل إلي تذكر الفردوس المفقود محاولة يائسة لتعويض الإحساس بالإحباط من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الزرع في المجتمعات الإسلامية المعاصرة‏.‏ ومن جانب آخر فإن الغرب المتقدم تكنولوجيا وعلميا والمزدهر اقتصاديا يلجأ أحيانا لتفسير ما يعتبره من السلوك المتطرف للمسلمين أو بعض أحزابهم وحركاتهم وفصائلهم علي الأقل إلي الذاكرة التاريخية التي تشير إلي تأثير ذكرياتهم عن الحروب الصليبية علي اللاشعور السياسي الغربي‏.‏ ألم يشر الرئيس جورج بوش في خطابه بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ إلي أن الحملة ضد الإرهاب ستكون حملة‏(‏ صليبية‏)‏ وهو إذا كان قد اعتذر من بعد عن هذا التوصيف المؤسف الذي يثير ذكريات العداء بين الغرب المسيحي والشرق المسلم أيام الحروب الصليبية إلا أن زلات اللسان لها دلالاتها النفسية كما تؤكد ذلك مبادئ التحليل النفسي علي أساس أنها تكشف عن مكنونات اللاشعور‏.‏

غير أن هناك حجة أخري في خطاب العداء كما يقرر هاليداي وهي زائفة في نظره مبناها أننا نشهد تحولا في طبيعة الصراع ذلك أن العلاقات بين الدول كانت في الماضي ـ كما تذهب هذه الحجة ـ تتحدد علي أساس القوة أو في ضوء المصالح الاقتصادية أو بحسب الاعتبارات الإقليمية إلا أنه في الوقت الراهن فإن الخطاب والأفكار والميديا من ناحية وصراع الحضارات من ناحية أخري أصبحت لها قوة جديدة غير مسبوقة‏.‏ ويرد أنصار هذه الحجة ذلك إلي أسباب شتي أهمها سقوط الشيوعية والعولمة وصعود أهمية شبكه الإنترنت‏.‏ وهذه الظواهر جميعا هي ما يطلق عليها‏(‏ التحول الثقافي‏)‏
وإذا أضفنا إلي ذلك حججا أخري مستمدة من بحوث العلم الاجتماعي المعاصر وأهمها ما يتعلق بالتأثير الحاسم للثقافات علي العلاقات الدولية وخصوصا في نظرية صراع الحضارات التي صاغها هنتنجتون لأصبحت خريطة العداء بين الإسلام والغرب تجد تفسيراتها في هذه العوامل التي سبق أن أشرنا إليها‏.‏

وفي تقديرنا أن خطاب العداء بهذه المنطلقات التي يصدر عنها سواء في ذلك الخطاب الإسلامي عن الغرب أو الخطاب الغربي عن الإسلام يستحق وقفة نقدية متكاملة‏.‏