رجوع الى مقالات

* إدوارد سعيد ملامح لم تقرأ بعد

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 

بقلم  دينا أديب الشهوان
هذه المقالة نشرت في صحيفة الحقائق 8/10/2003


تنهد العطر لملاقاتك وبكى اللون، حين لم نجد وردة بيضاء تليق بك..لكي نضعها على أوراق السماء، يا أنت يا من يسكن داخل التاريخ وهو خارج المكان، هل في العيون رمق آخر لنسقيَ ترابك شيئًا من الحنين ؟!

تسربل الكلام..من شفاه الذاكرة فافتح الشرفة الأخيرة ناد أعتابك الكنعانية واترك الباب مفتوحًا، علّ زهر النوار يزور الحنايا من جديد، علّ ثوب الياسمين يعتصر ما تبقى من زيت الحياةِ..من شجرة عاليةٍ تركت لنا حضارة كاملة!!

كيما لنا أن نرثيك ؟! هل نقرأ آخر سطرٍ منك ؟!هل نعمّد أصابعنا بالوصول إلى آخر مطاف ؟!كنت تتدثر بمنديل القدس المطرز بحكايا فلسطين..فهل في جيبك منديلٌ آخر مبللٌ بدمع الأقصى، مخضبٌ بزيت القيامة، عمدٌ بأسرار من سبقوك ؟!قناديل القدس مشتعلة بروحك العتيقة، كأنك تقرأ لنا تآويل السماء عابراً الحضارة الفرعونية منذ الصغر، عجباً ببيروت الحانية..مشعلاً أوراقك في حرم كولومبيا الجديدة، هذه التي منحتها عراقةَ الفكر وأصالةَ الجذور، غرستَ فيها بذراتٍ من قدس..ونكهاتٍ ملونةً من فلسطين، ثم بعثرت أوراقهم المتحذلقة، فباتوا يلملمون نثارها، و يعيدون صياغتها كي تليق بك.

لكأنك تقرأ علينا تفاصيل يومك.. كان صوتك يغمرُ أروقة الفكر بشتى الصور كلّ يوم، وفي كل لحظة تأمل، مدشناً فناراً آخر لمسالك الفكر العربي، واليوم هاهم أصدقاؤك يبكونك..يقبلون الوردة إبان موتك..هاهم يهتفون بفكرك وثقافتك..ونضالك ..ويصنعون من الصلصال/ أيقونة نُقش عليها..... سكن هنا رجل يفكر بعمق..ورحل/ وترك لنا فنارَ هدايةٍ لا يرحلُ أبدا.

وداعًا ولكن كيف نودعك؟ نحن لا نستطيع وداعك كما قال شاعر الورد واللازورد محمود درويش:"لا أستطيع أن اودّع ادوارد سعيد، من فرط ما هو حاضر فينا وفي العالم، ومن فرط ما هو حيّ. ضميرنا وسفيرنا إلى الوعي الإنساني سئم، أمس، من الصراع العبثي الطويل مع الموت. لكنه لم يسأم من مقاومة النظام العالمي الجديد، دفاعاً عن العدالة، وعن النزعة الإنسانية، وعن المشترك بين الثقافات والحضارات. كان بطلاً في مراوغة الموت طيلة اثني عشر عاماً. بتجديد حياته الابداعية الخصبة، بالكتابة والموسيقى وتوثيق الإرادة الإنسانية، والبحث الحيوي عن المعنى والجوهر، ووضع المثقف في حيّزه الصارم" 

صعب علينا غيابك! كيف ألقي التحية على صباح فكرك يا أبا وديع!! كانت عيناك مليئتين بالوداعة الغارقة، شعرك كان يحكي زمن النور، وأصابعك كانت غارقة..تغمس النار في أسطورة كنعان.

كيف لنا أن نسقي الياسمين وهي نبتة يسقيها الله ؟! هل نجترع فكرًا آخر!! 
من سيصرخ في وجه الغرب: فلسطين الروح والتاريخ والشهيد، من سيرسم صورة امرأة تهوى كوخ السنين..وشيخ ما زال يقرأ القرآن..ويستمع لصوت الإنجيل.

أهو الهوى ريح أتي ..محملاً بالنصائح السبع!! كيف للوردِ أن يصوغ التاريخ كنت أحضر أقلامي دوماً، في تسجيل بقايا من بقايا صوتك، وأسجل اسمك في بداية البياض، وأهمس بيني وبين نفسي، هو الإنسان الهارب من أحضان الزمن خارج المكان ..في قلب الحياة ..إنسان رتب الإنسان. 


لكأنك تنظر الآن..إلى كل أشيائك الحبيبة، تدور في فلك تاريخك تقول بعينيك..تنظر بشفتيك وتتكلم ملء اللسان، لكأن التاريخ يصفعنا مرة بعد مرة في كل احتضار، في موت شمعة مضيئة ..نقشت عليها حروف من ماء، هل كان عقرب الساعة يلدغ جلد ذاكرتك!! هل كان الزمن يختصر من دواة حبرك!! 
طائر السنونو يبكيك الآن ..أخبرنا صوته أنك رحلت ولن تعود منذ البارحة!! 
كان ينتظرك داخل المكان!!


كأنك تشعر بأنك قريباً من حجرٍ لم يـُنـْسَ، أنك من أرض نورٍ ونار!! كان أهل الدار يشعلون قناديل الأمسيات الحزينة، وإذا عبرت في نهارهم..كان البحر يعلو /وإذا غدوت في ليلهم /كانت العصافير تصحو!!/كل الورود مسقيات للنعم /في موتك.. والموت حق / لكنه صعبٌ وصعب. 

السماء زرقاء غافية /تبدأ زرقتها من ماء عينيك ..في مراياك الصادقة، في وجوه المدنالحانية، لقد سقطت دمعة من عين الشمس وما زال وجه القمر حزينا!! 
ها أنت توقظ فينا الحياة مرة أخرى، لعلَّ موتك يدق ناقوس البصر، وروحك تشعل فينا حكايا الزّمان من جديد!! 

يا آيها السيد.. السعيد، رحلت وتركت لنا بحرًا من المنطق، هل سنعبر فيه.. أم أن الوصول لشاطئ المعرفة، لا بد في طياته ألم الرحيل..! ترى ماذا تريد منك الجبال..والصخور والزهور..هل تركت لها مفاتيح العبور!! 

نرى ما نريد فيك أن نرى..طيورك بيضاء من شدة النهار!! تقبل سماء وردة أخرى!..ما زال في نبضك بعض ٌ من القلق! ..وما زال حبرك ممدداً فوق خارطة الفكر!! 

هل أوصيتهم بأبنائك الأربعة، جهات فلسطين الأربع..شمالها وجنوبها وغربها والمدلل الشرقي في خاصرتها، قلبك فوق خارطة الجسد العربي، ينبض باستحياء وصوتك ملء الأرض يتسع باتساع طقوس النبات.

ستبقى القدس تبكيك يا آيها السعيد! ..هكذا.... رحلةٌ.. بداية النهاية أم هي نهاية الحياة الغافية!! فتنة أوراقك ستبقى وجعـًا بين دفاتر التاريخ /جسدكُ غارق فيك.. غارق فينا!! /كان يقظاً فتياً/والآن أصبح ينام طويلاً 
غالباً... نفقد الشعراء ..يصبحون موتى في نظر الحياة، لكن أصواتهم توقظ فينا شرارة الأمل مرة أخرى!! . دائماً نفقد المفكرين نبحث عنهم بين تراتيل السماء
يتعب العقل من عدم الإنصات، فتكون.. أنت أولهم، وآخر سطر في أسفارهم كيف نبوح بموتك، كيف سنبوح لفلسطين والوطن العربي الباكي، هل سنقول لهم رسائلكم للعالم.. توقفت بفعل جاذبية الموت!! ابحثوا عن صوت آخر ليكن فلسطينيًا من جديد ../ليكن عربيًا عتيد /تجري في دمائه نفحة وطن/وتنصب في عروقه دماء المحبين!! 

ستبقى رسائلك ذكريات لنا، سنمحو بها أسفنا.. ذرائعنا.. تقاعس عقلنا.. 
وربما لا نستطيع أن نمحوها تماماً، سنزور أحرفك بين الحين والآخر ونستقى منها ماءً وورداً، ما الذي سوف يبقى لنا، غير قلم حبرك ..وعطر أيامك وكتاب أغرق العالم ولم يغرقنا.. بل نحن من بين طياته عشقنا، وجع الحرف ودموع الموسيقى... نعم لم يغرقنا بل أنقذنا من موت الثقافة فينا، كان البعد يهدد أجيالاً وحضارة، عاشت بين زمنك وزمنهم لتبقى أمدًا طويلاً.

سنزور أعتابك الكنعانية كما أوصيت أعيننا، سنغرس وردة إدوارد داخل رحم القدس، سنقبل الياسمين مرة أخرى لتكون سعيد..سننظر إلى غيمة الله في السماء 
غيمة تعبرك من جديد/ وغيمة تنتظرك بصبر/ ستعرف يوماً أنك ولدت داخل الزمان..ومتَ خارج المكان!..لكنك في القلب نعمة/وفي الروح.. حبر يسري 
في الدم والأوردة الحرة .

الآن.. تبكيك القدس والفلسطينيون والعرب مرة أخرى، تبكيك القدس.. تبكيك بشوارعها العتيقة، وبرائحتها القديمة، رتلت صلوات المساء الأخير فنم يا سيد الفكر الجميل لك منا سلام وحب في السماء سلام لك من القدس داخل المكان.


*نبذة عن المفكر والكاتب الدكتور إدواد سعيد:

ولد في القدس عام 1935، هاجر إلى مصر عام 1947، أنهى دراسته الثانوية في ولاية ماساسوشتس الأميركية، حصل على الماجستير من جامعة برنستون، وعلى الدكتوراه من جامعة هارفارد، عمل أستاذا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا من 1963 حتى وفاته، ترك إدوارد سعيد مؤلفات عدة كان لها دوماً صدى خاصاً ومنها: الاستشراق، العالم والنص الناقد، بدايات، مسألة فلسطين، الثقافة والإمبريالية، صور المثقف، خارج المكان..

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books