رجوع الى مقالات

ادوار سعـيد - عالِم ومفكّر بدرجة فنان

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 


بقلم  : عفاف عبد المعطى


برحيل المفكر الكبير ادوار سعيد (1935-2003) تنطوى صفحة شديدة الأهمية و الخصوبة فى تاريخ الفكر ليس فى العالم العربى باعتبار سنوات التكوين الأولى التى تلقاها ادور سعيد فى العالم العربى بين فلسطين ومصر ، ولا سنوات الدراسة التى تلقاها فى جامعات الولايات المتحدة فحسب ، بل فى تاريخ الفكر الإنسانى جميعه . 

حضر ادوار سعيد الى القاهرة هذا العام مرتين الأولى بمناسبة عام فلسطين الذى تبنته الجامعة الأمريكية وقد قدم محاضرة شائقة تكشف عن عمق رؤيته الثاقبة لتاريخ القضية الفلسطينية التى دأب على الحديث عنها قبل أن يكون عضوا فى منظمة التحرير الفلسطينية وقبل تركه لها بعد ان قدّم آرائه التى لخصها من قبل فى عام 1994عندما أجرى دافيد بارساميان مجموعة من الحوارات معه قدّم لها إقبال أحمد( بروفيسور علم السياسة ومختص بتدريس قضايا الشرق الأوسط والعالم الثالث فى معهد الدراسات السياسية) صدرت فى كتاب تحت عنوان " القلم والسيف " ، ولاشك كانت هناك علاقة تضافر ما خاصة بين كتابة ادور سعيد حول " صور المثقف " المتباينة وأوضاعه المختلفة ورؤاه هو بوصفه مثقفا عرف بانتمائه للقضية الفلسطينية ليس لكونه فلسطينى الجنسية فحسب ، بل لكونه مثقفا يعيش هذا الوضع المؤلم ، ومن ثم جاءت الحوارات التى أجريت معه لتمثل الصورة الأكثر بلورة لفكره . ثم جاء كتابه " نهاية عملية السلام 2002 " كى يلخص المهاترات والافتعالات التى تمارسها كل من الصهيونية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو 1993 . المرة الثانية التى عاد فيها ادوار سعيد الى القاهرة كانت لإلقاء محاضرة عن الواضع الأمريكى بالعراق ما قبل الحرب واستطاع سعيد استشراف ما يحدث الآن والتنبؤ به والهجوم الضارى على السياسة الأمريكية فى قلب قاعة ايورات التى القى بها المحاضرة .

أول كتاب صدر لادوار سعيد كان عام 1966 عن الروائى البولونى جون كونراد الذى غادر وطنه عام 1874 وهو فى السابعة عشرة من العمر ثم عاش فى فرنسا وعمل قرابة أربع سنوات فى البحرية التجارية الفرنسية وفى عام 1878 جدد حياته كاملة فصار بحارا فى البحرية البريطانية ثم اتجه الى كتابة الرواية فصدرت روايته الأولى " جنون الماير " كما أن له كتابا مهما فى درس القصة تحت عنوان " الصوت المنفرد " ولعل الجامع بين سعيد وكونراد هو الخروج من الوطن ومقدرات العيش فى أوطان أخرى والحديث بلغة غير لغة الوطن الأم ، فضلا عن تجارب كونراد التى عاشها فى بولونيا واغترف منها ليكتب عنها بلغة أخرى تمثل لغة البلدين اللتين عاش فيهما ، مصدر إعجاب ادوار سعيد رجع الى ان كونراد عاش فى لغة وكتب فى لغة أخرى . وإن كان كونرد أفضل حالا من ادوار سعيد حيث بولونيا بلد سلافى وانجلترا بلد أوربى غربى وتبقى اللغة التى نشأ عليها كونراد واللغة التى استخدمها فى نصوصه محصورتين ضمن المنطقة الأوروبية ، لكن صعوبة وضع اللغة بالنسبة لادوار سعيد تكمن فى الفارق بين اللغة العربية التى نشأ عليها وبين الانجليزية التى استخدمها فى كل كتبه وعاش أكثر سنوات عمره يتعامل بها .

بينما يظهر مشروع ادوار سعيد الفكري الأساسي وقد تنوعت مشاربه بين السياسة التى اتخذ قراره بأن يعود الى الكتابة فيها بعد حرب 1967 ، والنقد الأدبي وجماليات الفنون ، و يلخص هذا المشروع – باعتباره أستاذا للأدب المقارن- كتاب " الاستشراق " الذى يُعرفه بأنه طريقة للوصول الى تلاؤم مع الشرق مبنية على منزلة الشرق الخاصة فى التجربة الأوروبية الغربية ، حيث لم يكن الشرق لصيقا بأوروبا فحسب ، بل هو موضع أعظم مستعمرات أوروبا وأغناها وأقدمها ، ومصدر حضارتها ولغاتها ومنافسها الثقافي . كذلك كتابه الفذ " العالم والنص والناقد " الذى تُُرجِم ترجمة غير دقيقة عن منشورات اتحاد الكتاب العرب دون علم ادوار سعيد بذلك كما يظهر . ففى هذا الكتاب وثيق الصلة بالنقد الأدبى نظر الى النص باعتباره كُلّيه متكاملة برغم حركيته وتغايره إلا انه مرتبط الى حد كبير بملابسات الوضع الذى تبلور فيه ، وقد اعتمد سعيد على إنجازات اللغويين العرب القدامى ونظرية اللغة ذات الطبيعة المزدوجة لديهم خاصة عند ابن جنى (932-1002) وابن حزم (994-1064) التى تضم خصائص الكلام والكتابة معا ، وذلك لطرح مفهوم محدد لعلاقة النص بظرفيته وملابسات إنتاجه ، فقد قدم هؤلاء اللغويون العرب فى العصور الوسطى ما اسماه ادوار سعيد " نظرية بالغة البراعة للتعامل مع النص باعتباره صيغة متميزة ومترعة بالدلالة تعد فيها دنيوية النص وملابساته وظروفه ومكانته باعتبارها شيئا له خصوصيتها الحسية واحتمالاتها وإمكانيتها التاريخية وهى من الأمور التى يتضمنها النص فى نصه أو يرشقها داخله ، وهذا يعنى أن للنص وضع دنيوى معين يفرض على مؤوله وتأويله عددا من المحددات ليس لأن هذا الوضع مختلفا فى النص كشئ غامض ، ولكن لأنه موجود على مستوى ظاهر النص نفسه " وهذا يؤكد إلى درجة كبيرة وثوق العلاقة بين النص والعالم وتداخل تلك العلاقة فى النص . 

بيد أن مذكرات ادوار المهمة " خارج المكان " تبهر قارئها لاعتراف صاحبها بأنه مُقدم على عمل متناقض جذريا يتمثل فى إعادة بناء عالم فى مصطلحات عالم آخر بمعنى تذكر تجارب كثيرة عاشها باللغة العربية يصورها بالإنجليزية بعد سنوات كثيرة من حياته قضاها خارج العالم العربى ، ولكون المذكرات جزءا من سجل تاريخ صاحبها خاصة إذا كان شخصية مثال ادوار سعيد ، بل لأنه عدّها سجل لعالم مفقود أو منسى حرص على تدوينه وجعل مادته بمثابة أداة لمقاومة المرض الذى داهمه منذ أوائل التسعينيات . 

اللافت فى مذكرات " خارج المكان " صورة حياته الباكرة التى عاش معظمها فى القدس الغربية والقاهرة ، والثورة المصرية 1952 والاضطرابات الأهلية اللبنانية التى بدأت عام 1958 . وهى سجل شخصى غير رسمى لتلك السنوات المضطربة التى عاشتها منطقة الشرق الأوسط ، فسرد ادوار سعيد قصة حياته على خلفية الحرب العالمية الثانية وضياع فلسطين وقيام دولة إسرائيل وسقوط الملكية فى مصر والسنوات الناصرية وحرب عام 1967 وانطلاقة حركة المقاومة الفلسطينية والحرب الأهلية اللبنانية واتفاقية أوسلو كل هذه الأحداث صنعت سيرة ادوار سعيد الإنسان والعالِم والسياسى . 

كانت مرحلة الطفولة التى دمرتها – على حد تعبيره – أحداث عام 1948قد أجليت فيها كل أسرته عن الأراضي الفلسطينية وعاشت فى المفنى وصار يعود الى فلسطين حاملا جواز السفر الأمريكي فيسأل على الحدود من قبل العسكر الإسرائيلي هل لك أحد بالداخل؟ فيعتصره الألم ويجيب " لا أحد ". 

ظهرت أيضا فى مذكرات ادوار سعيد علاقة الحنين الدائم التى صورها بينه وبين مدينة القاهرة ، وهى علاقة وثاقة عميقة صنعها وجوده إبان مرحلة الصبا التى عاشها فى الطابق الخامس من منزل رقم واحد بشارع عزيز عثمان بجزيرة الزمالك ، كان يطل على حديقة الأسماك التى وصفها ادوار سعيد بدقة " فهى منتزه صغير مسور ذو تلة جبلية وحوض صغير ومغارة تخترقه مروجات خضراء ومسالك متعرجة وتحف به أشجار كبيرة ". هناك دافع مهم آخر لا تورده سوى حساسية ادوار سعيد لكتابة تلك المذكرات هو رؤية عم أحمد حامد الفراش الذى ينتمى الى مدينة ادفو فى صعيد مصر و الذى عمل لمدة ثلاثة عقود فى خدمة عائلة ادوار سعيد ومن ثم عندما قابله بالعناق الحار والحزن على زمن مر عليه 38 عاما و لن يستعاد ؛ سرد له هذا الرجل – فى ذاكرة فولاذية – تفاصيل حياة الأسرة مما جعل ادوار يقول " بعد أن قام الرجل بتفريغ الماضى صعقت أنه لا يتذكر كل واحد منا نحن السبعة وإنما يتذكر كل واحد من عمومتى وعماتى وأبناءهم وجدتى إضافة إلى البعض من أصدقاء العائلة وزاد هذا اللقاء بالمصادفة من اقتناعي بجدوى هذا الكتاب " ولئن كانت مقابلة ادوار سعيد بعم احمد حامد صاحب الذاكرة القوية قد كانت من دوافع تدوين مذكرات ادوار سعيد ، فقد كانت دافعا أيضا لسرد جعل من ادوار سعيد حكاءً متميزا ذا عين ثاقبة جميلة فى ذكر تفاصيل السير فوق كوبرى قصر النيل والعروج على حديقة الاندلس التى سماها بالحديقة المغاربية ، وكذلك لأن يتعرف على شوارع امبابة وبولاق الدكرور . وفى تقديرى ان مذكرات " خارج المكان " تمثل منظومة متكاملة لكل مرحلة من مراحل حياة مفكر كبير فى حجم ادوار سعيد وتجربته فى الحياة التى تمثل كل منها ذاكرة وحدها تستحق النظر إليها بعين الاعتبار . فى مذكرات ادوار سعيد وكذلك كتبه النقدية تظهر صورة المثقف الحر غير المنتم صاحب الهوى السلطوى صورة طالما أكّد عليها وظهرت فى آراءه وسلوكه فى كتابه " صور المثقف " ، وكذلك مجموعة الأحاديث التى ظهرت معه فى كتاب " القلم والسيف " ، هذه الصورة التى صنعت مِثال عالم ومفكر كتب فى السياسة والأدب ، ورياضي كتب عن لعبة البيسبول ، وفنان تذوق الفن فكتب عن السيدة تحية كاريوكا التى عدها أهم راقصة شرقية فى نصف القرن الماضي . 

**********************

Back to Top 


 © Arab World Books