رجوع الى مقالات

مثقفون سلاحهم الصمت

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 


بقلم حمدي البطران



لم نألف من المثقفين المصريين الصمت . فقد طال صمتهم, وأخشى أن يكون هذا الصمت ناتجا عن خيبة أمل وفقدانا للثقة في جدوى الفعل . وربما تردد أننا ذبحنا يوم أن خرسنا . وعندما استرجعت تاريخ المثقفين فى مصر منذ قيام الثورة تبين لي أن المثقفين الآن ليسوا فى أحسن حالاتهم , إن لم يكونوا فى الأسوأ على الإطلاق . فالبلاد تمر بفترة بالغة التعقيد وسياسة القطب الواحد بدأت تجنى ثمارها , وغدت أمريكا تمرح فى بلادنا باحثة عن فريسة تنشب فيها مخالبها . وكان مثقفوها الأسرع لتبرير موقفها , فقد توجه إليهم رئيس الولايات المتحدة جورج بوش طالبا منهم مساندته فى حملته ضد الإرهاب فى أعقاب 11سبتمبر الشهير 2001 . وفى يوم 15 فبراير 2002 أي بعد مرور أكثر من خمسة شهور على الكارثة . صدر بيان بعنوان "على أي أساس نقاتل؟" أعده مركز القيم بالولايات المتحدة الأمريكية , وعلى الرغم من أنه مُوقَّع من قِبل 60 من المثقفين الأمريكيين فإنه عُرف بين المثقفين المصريين بالبيان الأمريكي؛ والبيان لا ينتمي بأي حال من الأحوال الى الإدارة الأمريكية , ولكن التسمية جاءت بسبب ما جاء فى البيان بما يعرف بالقيم الأمريكية . كان البيان تبريرا صريحا لفكرة الحرب التي تستعد الولايات المتحدة لشنها وجاء فى مقدمته :
-" يتطلب الجانب الأخلاقي من الذين يقومون بالحرب أن يصرحوا بالناحية الأخلاقية وراء أفعالهم لكي يوضح بعضهم لبعض وللعالم كله المبادئ التى يدافعون عنها " أما محتوى البيان فهو لا يخرج عن تكرار لتصريحات البيت الأبيض بأن تفجيرات 11 سبتمبر لم تستهدف الإدارة الأمريكية.. بل الشعب الأمريكي والحضارة الأمريكية والحضارة الإنسانية كلها . والذين قاموا بها إرهابيون من تنظيم القاعدة بدافع من حقد ديني ضد الأمريكان والشعب الأمريكي .
كانت النرجسية الأمريكية واضحة فى محتوى البيان ومضمونه . وهو الأمر الذي دعا 128من المثقفين لأن يوقعوا بيان آخر بعده بأيام. ونظرا لأن البيان الثاني كان أكثر نزاهة في نقده للإدارة الأمريكية فقد كان هو البيان الجدير بتسميته "بيان المثقفين الأمريكيين".
لم يتحرك المثقفون المصريون , ولكن الذى تحرك هم المثقفون السعوديون وأصدروا فى 28 أبريل 2002 بيان بعنوان " على أى أساس نتعايش " ردوا فيه على البيان الأمريكى فندوا فيه فكرة القيم الأمريكية , ونفوا الصفة الأمريكية عن تلك القيم وقالوا إنها قيم عالمية تخص التراث الإنساني كله , وهى قيم مستمدة من الفلسفة الإسلامية وأحكامها العامة التى تحض على التسامح وتحريم القتل بغير حق , وتكريم الإنسان باعتباره مخلوق مكرم من قبل الله الذي خلقه , وعدم الإكراه فى الدين , وأن المسئولية عن أفعال الفرد تقع على ذاته وشخصه ولا علاقة للدين الإسلامي بأي جرائم يرتكبها أفراده . وهو ما دعا 153 مثقفا أمريكيا الى الترحيب بفكرة الحوار السعودي وأصدروا في أكتوبر 2002 بيانا بعنوان ( حيث نتفق ونختلف . دعوة للحوار العاقل و3 أسئلة تحتاج الى إجابات) جاء فيه :
-"…فإنكم تشيرون إلى أن العنف السياسي المتطرف ليس (خاصاً بالمفهوم الديني) و ليس مرتبطاً بديانة معينة. ونحن نوافق تماماً على ذلك أيضا. وفي هذا السياق, فإننا نذكر, ويا للأسف جنوح بعض الأمريكيين الى الإدلاء بآراء متهورة في شأن الدين الإسلامي، وأخرى تتوخى الأذى به. وبعض هذه الآراء تناقلتها وسائل الأعلام بكثافة. على ان الدلائل تشير في الوقت نفسه الى أن هذه الآراء لا تعكس وجهة نظر الغالبية العــظمى من المواطنين الأميركيين.وانتم تدعوننا كمثقفين أميركيين الى (مراجعة جادة) لموقفنا من الاسلام, ومدّ جسور الحوار مع المفكرين المسلمين البارزين والذين يمثلون الفكر الإسلامي العريض وهذا هو تحديداً ما نسعى إليه, وأحد مظاهره رغبتنا في الجواب على رسالتكم.حيث نسيء فهم بعضنا بعضاً للأسف, إن استعمالنا المتكرر في رسالتنا لعبارة (القيم الأميركية) أدى إلى بعض الإرباك والإبهام, " والبيان فيه نقاط اختلاف ونقاط إتفاق . وإن كان البيان قد أشار أن مفهوم كلمة العلمانية secular يختلف عند العرب عن الأمريكان . فهو عند بعض المثقفين العرب يعنى إلغاء الدين , وعندهم يعنى عدم تمكين السلطة لأشخاص بسبب تدينهم . وأصبح المثقف المصري والعربي اليوم مشغول بقراءة بيانات المثقفين الأمريكان والأوروبيين ومحاولة من استجلاء الحقيقة والتعقيب على تلك البيانات أو إصدار المزيد منها.. كما انه مشغول أيضا بالصراخ والضجيج والشجب على الحال الذي وصلت إليها الأمة العربية .. وهناك أقلام حرة تحاول أيضاً ان تصدر بيانات تدين السياسات السابقة التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة التي نعرف تماماً ان كل أبعادها كان من ثمار خيارات فكرية وثقافية كانت قنطرة لتمكين السلطة أكثر منها كمشاريع نهضة حقيقية .
وقد إنتظر المثقفون في العالم العربي كله أن يتحرك المصريون , ولكنهم صمتوا , حتى اتحاد كتاب العرب الموجود فى دمشق أبتلع لسانه وصمت صمت الموتى . مع أنه كان هو المعنى بالأمر كله . فلا توجد هيئة ثقافية عربية لها دور ثقافي مثل اتحاد الكتاب العرب الذى فقد توجهه بعد نقله من القاهرة .الغريب أن دور مصر فى هذا الاتحاد مهمش بطريقة لا تليق بريادة مصر الثقافية والأدبية . منذ قيام الثورة وكان للمثقفين المصريين دور بارز وفاعل . فقد تحملوا بجدارة واستحقاق عبء الدفاع عن حرية الوطن والمواطن وتحملوا بكبرياء السجون والتعذيب , ولم يصمتوا . وكتب نجيب محفوظ الكرنك . وكتب صنع الله إبراهيم تلك الرائحة واللجنة , وكتب جمال الغيطانى الزينى بركات . وقرأنا أشعار أمل دنقل وأحمد فؤاد نجم وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازي . وكشفوا بكتاباتهم ما كان يدور في كواليس السلطه والحكم . اعترضوا في أعقاب النكسة على الأحكام الهزيلة التي صدرت على المتسببين فيها .
عام 1972كان الجو العام وقتها يبعث على الضجر كرسته جريدة الأهرام بسلسلة من المقالات بعنوان " لاحرب ولاسلم " , وكانت خطب السادات مازالت تتحدث بتقدير كبير لدور جمال عبد الناصر وصداقة السوفييت . وكانت الصحف تكتب عن مراكز القوى من أنصار عبد الناصر , وقد تأثر الكتاب وقتها بتلك المتناقضات فأصدروا بيانا عام 1972 نددوا فيه بالموقف المائع والتفسير الغامض الذي طرحه السادات وقتها بالضباب الذي لاح فى الأفق , وأعقب هذا البيان والتنكيل بالمثقفين أن تركوا مصر وسميت تلك الفترة " فترة الرمادة " وعندما بدءوا في تجميع شتاتهم فى أواخر السبعينات كانت البلاد وقتها تعانى من تأثير زيارة السادات للقدس وما تلاه من مواقف درامية مثل توقيع معاهدة السلام مع العدو الإسرائيلي التى عارضها المثقفون مما أدى الى التنكيل بهم مرة أخرى ووضعوا جميعا فى السجون , ولم يفلت من سجون السادات وقتها الا الذين استطاعوا أن يحفظوا توازنهم على الحبل الرفيع بين السقوط والنجاة , وبعد رحيل السادات بدأت المصالحة مع الجميع , غير أن ظهور الإرهاب باغت الجميع وألجمهم , وأنقسم المثقفون الى قسم متوجس مما يراه , وقسم آخر بهرته الموجة الدينية الجديدة فأنخرط فيها . كان القسم الأول أكثر إدراكا للأمور وتحول توجسه الى رفض كامل . وحاول المثقفون المصريون تأسيس ما يعرف باللجنة الوطنية للحفاظ على الوحدة الوطنية , ولكن اللجنة ماتت عقب اغتيال الدكتور فرج فوده فى يوم 11يونيو 1992. كما أنها أغفلت دور المثقفين الإسلاميين المعتدلين .
وبدأ صمت الكتاب والمثقفين يصبح ظاهرة , فلم يقف الى جانب نجيب محفوظ سوى شلته وهم جمال الغيطانى ويوسف القعيد ومحمد سلماوى . وتركوا الساحة تماما الى أن جاءت وليمة لأعشاب البحر التي تظاهر فيها طلبة الأزهر هذه المرة . وعبروا عن رأيهم فى الرواية وكاتبها السوري حيدر حيدر . صحيح أنهم قمعوا بالقوة , ولكن رسالتهم وصلت الى وزارة الثقافة التى تخلت عن تحررها النسبي وانحازت الى اليمين لتضرب وبعنف موظفيها , ولم تتمكن الوزارة من حمايتهم من الإحالة إلى المحاكمة ,وبعدها وقف عضو في مجلس الشعب وقال إن الوزارة تنشر روايات قيل أنها جنسية . ووقف الوزير فاروق حسنى يدافع عن رأى لم يكن يعتنقه . فقد اتهموه شخصيا قبل ذلك من قبل المحرضين على الروايات الثلاث بأن رسوماته بالغة الفحش , وقدموا لوحاته للناس باعتبار أنها ترمز الى الجنس بمعناه العضوي . وضحى بأفضل رجاله على أبو شادي على مذبح الفضيلة . وصدرت الأوامر بالتدقيق فيما ينشر . ولم تصدر حتى الآن رواية واحدة يمكن اعتبارها على المستوى الأدبي المأمول . وتحول المثقفون الى مقدمين للندوات وضيوف مستديمين فى المهرجانات والمؤتمرات بالغة الرفاهية والتكاليف . وتركوا القضية الى عدد قليل خافت الصوت . وبدأ صوت التيار اليميني يعلو ويسود , وأصبحت الرقابة الدينية أشد وطأة . بل وأصبحت تشكل رقيبا مستترا على كل إصدارات الدولة في أجهزتها المعنية بالثقافة . ولم نعد نسمع عن روائي جديد منذ أكثر من عشر سنين , ولم يظهر على الساحة شاعر واحد , وأصبحت الساحة الآن لأنصاف الكتاب وأنصاف المبدعين . وتوارى المبدعون خجلا أمام الحضور الطاغي لمثقفي الوزارة . حتى تلك القنوات المسماة بالقنوات الثقافية تحولت إلى قنوات دينية , وأحتلها الضيوف الدائمون منذ نشأتها حتى الآن . بل وحاولت الدولة عزلها عن الجمهور المخصصة له وجعلتها على القمر الصناعي لتقليل نسبة المشاهدة . إلى أن جاء سبتمبر الشهير ودارت العجلة على العرب والمسلمين وخرج الأمريكان ببيانهم الذى ذكرناه , ولم يخرج بيان مصري واحد يفند ادعاءات الأمريكان بعدالة قضيتهم . الغريب أن البيان لم ينشر كاملا إلا فى جريدة القاهرة وبمبادرة شخصية من الكاتب صلاح عيسى . وكان من المفروض أن يرد المثقفون المصريون ببيان يصدر عنهم , ولكنهم اكتفوا بالشجب والتنديد ولم تصدر عنهم وثيقة توضح للتاريخ ترد على الوثيقتين الأمريكيتين لتدافع عن الموقف العربي المتخاذل حتى نحفظ ماء وجهنا أمام أجيالنا القادمة . وحتى لا نقول لأحفادنا أننا ذبحنا يوم أن خرسنا . الغريب أن مؤسسات الدولة الثقافية والتي حاولت التصدي للإرهاب بسلسلة هزيلة هى" التنوير " لم تتحرك ولم تصدر كتابا واحدا يرد على ادعاءات هنتنجتون بوجود صراع بين الحضارات ولا البيانات الأمريكية المحرضة على العرب . وهى فكرة بالغة الخبث تصيبنا لو صدقناها. بإحباط مزمن . وتنتزع منا رغبتنا فى البقاء . بل راح المثقفون يتكلمون عن فكرة الحوار بين الحضارات باعتبار أن صراعا فعليا قد وقع بين الحضارات . ونسوا أن الصراع الحاضر هو أمريكي النزعة ويخدم مصالحها ولا علاقة له بالصراع المزعوم بين الحضارات . بدليل أن أوروبا لم تتجاوب معها , وكانت حذره تماما فى تعاطيها لفكرة الحرب . ونسى المثقفون أنه لايمكن للحضارات أن تتصادم أبدا . وأن التعايش صفة من صنع الخالق لتزدهر الحضارات . حتى فى فترات تقدم الشرق وتأخر الغرب لم يحدث مثل هذا التصادم المزعوم . ولكن يمكن اعتباره صدام المصالح . والضعيف سيفنى بحكم الزمن وطبيعة الأشياء ومن الحتمي أن يتحرك اتحاد الكتاب المصري للاستعانة بالمثقفين المصريين للرد على البيانات الأمريكية وتوضيح عدالة القضية العربية ونفى فكرة صراع الحضارات المزعومة . ونفى تلك الفلسفة الجديدة التي جاءت لتكرس الحرب . ويمكن لاتحاد الكتاب أيضا أن يستعين بمثقفين عالميين مهمومين بقضية السلام في العالم وخاصة في الأراضي العربية المحتلة ليثروا المشروع بآرائهم وجهدهم ومكانتهم الدولية , بل ينبغي عرض المشروع على برلمان الكتاب العالمي الذي يتخذ من مدينة نيويورك مقرا له . وخصوصا أن استطلاعات الرأي التي أجريت في مجتمعات غربية خلال الشهور الماضية أكدت أن ثمة تغيرات جوهرية طرأت على ساحة الرأي العالمي لصالح الحق الفلسطيني والعربي ... تلك التغييرات لا تعزى فقط إلى البث الفضائي .. بل أيضا إلى بعض المثقفين العالميين أمثال الكاتب الكولومبي جارثيا ماركيز .. و البرتغالي ساراماجو والنيجيري وول سونيكا الحاصلون على جائزة نوبل في الأدب والمناضل ضد العولمة و التمييز العنصري جوزيه بوفييه .. والأميركي راسل بانكس .. رئيس برلمان الكتاب العالمي .. وغيرهم من عشرات المثقفين العالميين أشهروا (لا) قوية و مدوية في وجه الوحشية الإسرائيلية . هذا هو دور المثقف . يزيل حجب التضليل عن العقل العالمي

**********************

Back to Top 


 © 1998-2000 Arab World Books