موقف الكتاب وصحافة الورق فى المستقبل القريب





د. أمانى أحمد أمين

جريدة الأهرام - يناير 1997




أتساءل ونحن على أعتاب القرن الحادى والعشرين : هل حان الوقت الذى تصبح فيه صورة الإنسان الذى يمسك بين يديه كتابا يقرأه مدعاة للسخرية ؟

لا شك أن عام الثورات 1848 كان من تداعيات الثورة الصناعية فى أوروبا ، شهد الإنسان فى تلك الفترة الإنقلاب الذى أدى الى زوال العالم الذى عهده ، وولادة عصر جديد لم يكن بوسع احد آنذاك ان يتخيله، بيد أن الكاتب السياسى " ألكسيس دى توكفيل " صاحب كتابىّ " الديمقراطية فى أمريكا " – والذى اصبح وزيرا لخارجية فرنسا فيما بعد- قال فى خطبة مشهورة له متنبئا بأحداث 1848 " نحن ننام على بركان " و لم يصدقه أحد .

أعتقد أن الإنسان فى عصر ثورة المعلومات وبدخوله القرن الحادى والعشرين على وشك ان يشهد انقلابا مماثلا فى حياته ، يتلاشى فيه العالم الذى يعرفه ويولد عالم جديد لا يعرف ماهيته بعد . نحن اليوم ننام على بركان ، ولكن تختلف ثورة اليوم عن الثورة الصناعية فى اعتمادها على نقل المعلومات وربط الافراد والافكار بطريقة جديدة .

لقد انتهى زمن انزواء الحاسب الآلى فى غرفة منفصلة ، فهو فى سبيله الى ان يتوج ملكا فى غرفة جلوس كل منزل ، ليأخذ مكان كل ما نألفه الآن من كتاب و تليفزيون وفيديو وتليفون وفاكس ، وبات امتداد شبكة الانترنت الى كل شىء نتعامل معه امرا حتميا .

بل ان منزل الغد لن يستطيع الاكتفاء بجهاز واحد ، فالأب الذى كان يخرج للعمل وربما يسافر للتعاقد مع عملاء بالخارج ، يقوم بنفس المهمة على مقعده المفضل بالمنزل ، وفى نفس الوقت تشترى الأم كل ما تحتاجه الأسرة من الانترنت ، او تتصل بصفحة على الشبكة العنكبوتية تجمع امهات اخريات واطباء متخصصين فى علم النفس ، تستشيرهم فى مشاكل ابنها الصغير ، اما الابن طالب الطب فهو فى حجرته يتابع على الشبكة عملية جراحية يقوم بها استاذه فى لندن ، بينما يعقب عليها استاذه فى سان فرانسيسكو ، والابنة فى حجرة الجلوس تنقل لها الشبكة صوت وصورة خطيبها المسافر فى دولة عربية ، وبجانبها اخيها الصغير يشاهد فيلما ثلاثى الابعاد على الجهاز الرئيسى الذى يوزع امكانات الشبكة على الاجهزة الفرعية التى يستخدمها بقية افراد الاسرة . التقنية موجودة اليوم ومتاحة وكل ما ينقصها استكمال البنية التحتية لتنتشر وتصل الجميع .

تستطيع تقنية اليوم ان تقوم بعمل السكرتير الخاص ، فتنتقى لنا الموضوعات التى نهتم بقراءتها من كل الصحف والمجلات التى نختارها ، لنتفقدها فى الصباح على شبكة المعلومات مع وجبة الافطار ، كما ظهر الأديب الذى يؤلف روايته للاسطوانة المدموجة مستعينا بالنص المكتوب والصورة والفيلم ، ومتحررا من سجن الخط الواحد والتسلسل التقليدى للأحداث من النقطة " أ " الى النقطة " ب ". أما القارئ فقد تحرر من موقف المتلقى السلبى ، حتى أن اسما جديدا قد استحدث له ، فهو المتفاعل لأنه بات عاملا مؤثرا فى القصة يتفاعل معها ويتغير خطها الدرامى حسب الزوايا المختلفة التى يختارها.

وبدأت مكتبات اطفالنا تختلف فى صورتها عن مكتباتنا. فهل نستطيع ان نستميل اولادنا الى عالم كاتبنا الكبير عبد التواب يوسف او عالم ديكنز وستيفنسون وهم غارقون فى عالم الواقع الافتراضى - آخر ما تطورت اليه العاب الفيديو ؟ هم ابطال اللعبة يلبسون خوذة خاصة او صديرى متصلين بالجهاز ، فيدخلون عالما ثلاثى الأبعاد ، ملىء بالعقبات ، يتعين عليهم التعامل معها واجتيازها للوصول الى الهدف ، فيفاجئهم الأعداء عن اليمين او اليسار ، واذا كيلت اليهم الضربات او الهزات شعروا بها .

ولن اتطرق هنا الى تأثير هذه الالعاب على عقلية الطفل او جهازه العصبى ، ولكنى انتقل الى لعبة اخرى موجودة الآن على الاسطوانة المدموجة اسمها ستوديو الاختراعات ، وهى موسوعة عن المخترعين واختراعاتهم تتيح للطفل تصميم نماذج لتلك الاختراعات على الحاسب ، واخضاعها لكافة التجارب لقياس كفاءتها على غرار البرامج التى يستخدمها مهندسو الطيران مثلا لمحاكاة الاختبارات الفعلية على تصميماتهم .

واذا تساءلنا عن الذى تقدمه لنا الوسائل المعرفية الجديدة فى طورنا الحالى ونحن ما زلنا مجرد قراء تقليديين ، فشبكة الانترنت تفتح لنا نافذة نطل منها على كل ما نريد ان ننهله من كتب او نتصفحه من مطبوعات او مجلات فى اكبر مكتبات العالم واجهزته الاعلامية. ونستطيع فى دقائق ان ننقل الى طابعاتنا اى ملف نشاء ، وتتيح لنا الاشتراك فى ندوات حول الموضوعات التى تهمنا ، وللآن فمعظم هذه الخدمات مجانية، على الاقل الى حين تعميم استخدام النقد الالكترونى والوصول الى ثوابت تحكم عمليات التشفير لضمان الخصوصية والامان فى التعاملات.

العالم يتغير سريعا من حولنا وربما نتحول من قراء الى متفاعلين لنواكب العصر ، ولكن أنستطيع حقا التكهن بما هو قادم ؟ فى هذه اللحظة التى ما زلنا نتكلم فيها عن النشر الالكترونى والاسطوانات المدموجة ، تدور حرب شعواء بين الشركات العملاقة المنتجة للاجهزة الالكترونية وبين عشر شركات ، منها من انتج الفيديوديسك او يملك تقنيته .

ويعتبر الفيديوديسك خليفة الاسطوانة المدموجة ، وهو مثلها شريحة رقيقة مستديرة ، ولكنه يحمل ساعات من الموسيقى متناهية الصفاء او مكتبة كاملة من الروايات والاعمال الادبية او افلاما روائية ذات صورة غاية فى الدقة والنقاء . وسوف يدير هذه الشريحة جهاز واحد يحيل كل الاجهزة الموجودة فى منازلنا حاليا الى صندوق القمامة ، مما يفسر دخول شركات مثل سونى وتوشيبا الحرب . كما ان الشريحة قابلة للنسخ المتكرر ، والنسخة تضاهى الاصل فى درجة النقاء ، كما ان التقنية تتيح لمتفرج المانى مثلا ان يرى نسخة من الفيلم الامريكى بلغته فى نفس اليوم الذى يشاهده قرينه الامريكى ، وهذا يفسر دخول عمالقة السينما والموسيقا فى هذه الحرب .

والسؤال هنا أينجح حقا الكتاب الإلكترونى فى أن يأخذ مكان الكتاب التقليدى فى عالم متغير بهذه السرعة ؟ ان الحاسب الآلى وشبكة المعلومات وكل ما يتصل بهما من برمجيات وتقنية حديثة تنفرد ببعد رابع خاص بها . فهو يفوق فى سرعته كل المقاييس الزمنية المعروفة . واحدث حاسب تشتريه اليوم من السوق، يخلفه فى غضون ستة شهور جيل جديد من الاجهزة والبرمجيات تحيله الى المعاش . فاذا افترضنا مثلا ان الرواية الجيدة تحتاج الى عامين من الاعداد لتأخذ سبيلها الى النشر ، يصبح اديبنا الالكترونى بالمقاييس الزمنية للتقنية الحديثة كالاديب الذى يكتب رواية ثم ينتظر خمسون عاما قبل ان ينشرها .

والآن استأذنكم فى الاكتفاء بهذا القدر حتى اختلس لى ساعة او اثنتين بين احضان رواية مطبوعة على صفحات من الورق قبل ان يفوت الاوان واصبح اضحوكة الزمان .