الروح المصرية لا تموت لماذا لا يثور المصريون؟

 
فرانسوا باسيلي

فرانسوا باسيلي

مايو 2009

قد ينظر البعض إلى مصر والمصريين اليوم، إلى حجم المعاناة التي تعيشها الأغلبية الساحقة من المصريين في قرى مصر وفي الأحياء العشوائية من مدنها المكتظة، وإلى مدى تدهور الحالة الثقافية والاجتماعية والتعليمية والصحية وإلى مدى اتساع وشيوع الفكر الخرافي والشعوذة والبلطجة والعشوائية، وتغلغل الفساد والتسيب واللا مسئولية والعبثية، ينظر إلى كل هذا ويسأل لماذا لا يثور المصريون؟ وهل ماتت الروح المصرية ؟

لهؤلاء أقول إن مصر بلد قديم، بالغ القدم، يمتد تاريخه إلى سبعة آلاف سنة، وأن اللحظة الراهنة ما هي سوى قطرة في محيط الوجود المصري الشاسع الضارب في الزمن، وأن عبقرية بلد كهذا لا يمكن أن تظل ظاهرة في أوج توهجها في كل لحظة، أو كل قرن من الزمن. إذ أن طبيعة المسار التاريخي هي الصعود والهبوط، الرقاد والقيام، الغيبوبة والبعث، الركود والتجدد، هكذا كان تاريخ مصر، وهكذا سيكون إلى أبد الآبدين.

الذي لا شك فيه أن مصر بلد مفعم بالثراء الحضاري ومثقل بالزخم الروحي الوجودي الهائل الأبعاد، والذي يحمله – لا شعوريا – كل مصري، بغض النظر عن حالته الحاضرة، إذ هو يحمل مصر كمنظومة حضارية تاريخية متكاملة في عمق جوانحه بلا إرادة أو وعي منه، وأن هذا الثراء والزخم الروحي الحضاري يشكل شخصية المصري بما يكفل لها التعايش مع الأيام ومواجهة التحديات. كل مصري يحمل شيئا من هذا الزخم، بينما تتجمع أجزاء وجوانب متعددة منه في أفراد ينفردون بالقدرة على احتواء وتمثل هذا الزخم وتحويله إلى إبداع فذ، وهؤلاء هم المبدعون المصريون الذين يبزون أقرانهم ويقدمون روح مصر في أوج تألقها في الفن والفكر والعلم والصناعة والتجارة والسياسة وغيرها. فأنت ستجد في كل مبدع مصري في أحد هذه المجالات تجاليات لعبقرية مصر وإفرازات لخصائصها الكامنة.

حضارة احتوائية

إن اقترابي من مصر لسبر غور عبقريتها وتجلياتها في ا لمبدعين والمميزين والقادة من أبنائها ليس هو اقتراب الباحث المدقق، ولكنه اقتراب العاشق الملهوف. والشاعر المندهش المشحون عاطفة ولهفة، بل والدرويش المنجذب (أو المجذوب) بهوى تلك الجنية السحرية المصرية القديمة الجديدة ، بكل أطيافها وأشكالها وحالاتها ومراحلها، بكل جنونها وحكمتها ومروقها ونزواتها، وبكل فنونها وأغانيها ومواويلها، بكل حكاياتها وفكاهاتها وقفشاتها الفريدة، بكل عقائدها وإديانها، من مصرية قديمة وثنية متعددة وفرعونية إخناتونية موحدة، ويهودية إبراهيمية وموسوية ، ومسيحية رومانية ونسطورية وأرثوذكسية وكاثوليكية وبروتستانية، وإسلامية سنية وشيعية، فاطمية ومملوكية، فهي كلها مصرية مصرية.
تعدت الأشكال، والقلب واحد.
تنوعت التجليات والروح واحدة.
فالحضارة المصرية القديمة تظل روحها حاضرة في شخصية كل مصري اليوم – فهي الحضارة الرائدة الفريدة التي مزجت العلم بالسحر، والفن بالحياة، والرقص بالتعبد، والموسيقى بالترتيل في الفرح والحزن، في الميلاد والزفاف والموت وهي الحضارة الباهرة التي لفرط حبها وتعلقها بالحياة ابتكرت الأبدية والخلود بلا سابق إنذار أو دعوة أو رسول! فيالها من عبقرية مصرية متفردة. والمصري إلى اليوم لا شبيه له في مدى عشقه للحياة وللفرح وللضحك و”الفرفشة” بشكل لا نعرف له مثيلا في أية حضارة أخرى أو أي إنسان على الأرض.

هذه الحضارة الاحتوائية – التي تحتوي كل شيء بما فيها المتناقضات، تواءم بينها في النهاية في أسلوب حياة – ولا أقول “نظام” حياة لأن الشخصية المصرية تنفر من النظام ولا تحبه ولا تزدهر إلا في غيابه – فإذا بالمحصلة هي حياة مصرية مليئة بصخب الوجود ودبيب العيش وجلجلة الكنائس وآذان المساجد واغنيات المذياع في المقاهي وضجيج الحياة اليومية وصياح البشر وزغاريد الأفراح وولولات المآتم. تتصاعد كلها في الشارع والوجدان المصري – يتحامل بعضها على بعض ويكمل بعضها بعضا لتقدم لنا في النهاية أسلوب حياة فريدا في شغفه بالعيش حتى الثمالة ومنتشيا بالتلاحم الإنساني الحميم نشوة لا مثيل لها بين بشر البلدان الأخرى.

الدفء الإنساني

على مدى ما يقرب من أربعين عاما لي خارج مصر، زرت معظم بلاد الله الواسعة في خمس قارات، وعملت مع مختلف الأجناس والجنسيات، ولم أجد أحدا يملك كمية الدفء الإنساني الذي يعترم به المصري ويفيض من داخله فيغمر كيانه كله. هذا الدفء المدهش حقا الذي لا تجد له أثرا في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة يصدمك ويهزك هزا عندما تطأ قدمك أرض مصر وتقابل أول مصري. إن المصري – بطبعه – لا يستطيع أن يكون حياديا على المستوى الوجداني – حيال إنسان آخر. المصري هو أسرع من يخترق الحواجز التي يضعها الناس أمامهم للاحتفاظ بقدر من الخصوصية والسكينة. ولكن المصري الذي يقابلني في مصر، سواء كان سائق السيارة أو البائع أو البواب أو الموظف الذي لا أعرفه من قبل – يقوم باختراق تلك الحواجز بسرعة وسهولة ويتصل مباشرة بأعماق الآخر بقلبه وروحه ويتعامل مع هذا القلب، ليس كالبائعة الأمريكية مثلا – التي تبتسم لك أكثر من المصري، ولكنها تفعل هذا تطبيقا لبرنامج تدريب يعلمها الابتسام للعملاء، ولا تفعله كوسيلة تواصل إنساني، لذلك تظل بعيدة، بل غير موجودة، بالنسبة لي.

الشغف بالحياة – ضحك ومرح

الشغف بالحياة هو الذي يجعل المصري شغوفا بالإنسان. فلا حياة سوى مع الآخرين. وهذا الشغف هو أيضا الذي يجعل المصري مقبلا على الضحك والهزل، وعدم أخذ الأمور بجدية سقيمة، وعندما تجتمع جماعة أو شلة من المصريين، فإن القاسم المشترك والعامل المميز بينهم جميعا والذي يميزهم عن أي جماعة أخرى، هو كمية المرح والهرج والمرج والضحك والقفشات واللمسات الإنسانية البديعة التي تتطاير في كل مكان. وقد لاحظ سائح أمريكي هذا وفي رده على سؤال عما أثار انتباهه في مصر، قال: “لقد دهشت أن معظم الشباب الواقفين على النواصي يتحدثون بمرح ويضحكون بين الفينة والأخرى ضاربين الأكف في صخب، ويتبادلون العناق واللمسات والتلاصق الحميم طوال الوقت بشكل لا وجود له في أية بلد آخر”.

طيبعة مسالمة

المصريون بطبيعتهم يعشقون الضحك والممازحة وهي ترتيلتهم التي يعبرون بها عن حبهم للحياة، وهي أيضا بلسمهم وترياقهم الذي يتحملون به مصاعب المعيشة. ثم هي أيضا أسلوبهم في التواصل الإنساني والملامسة الوجدانية والعناق الروحي مع الآخرين. إن شغف المصري الهائل بالحياة هو الذي يجعله أقل شعوب الأرض ميلا إلى العنف، المصري سريع الانفعال ويثور عاطفيا بسرعة، لكنه لا يحول هذا الانفعال العاطفي إلى عنف جسدي بسهولة.

وقد لاحظ الكثير من السياح أنهم أحيانا يشعرون بالقلق والخوف لارتفاع درجة الانفعال لدى المصريين الذين حولهم ويظنون أن هذا التصايح والملاسنة والغضب الهائج لا بد سينتهي به الأمر إلى اعتداء وعنف جسدي. لكنهم عادة يدهشون عندما ينتهي الشجار العاطفي اللغوي الحاد إلى لا شيء. بل كثيرا ما ينقلب إلى مصالحة وتضاحك وعناق، بعد تدخل البعض بكلمات ولمسات وقبلات.
بل قد أخذ بعض الأشقاء العرب على المصريين طيبعتهم ومسالمتهم البالغة هذه، و رأوا فيها نوعا من الضعف والمذلة. والمصري فعلا صبور ذو باع طويل، ربما أكثر من اللازم، ولكن هذه هي المنظومة المتكاملة الشخصية المصرية، ولا تستطيع أن تقبل ببعض جوانبها وترفض الآخر فلو لم يكن المصري “طيبا” و”مسالما” إلى هذا الحد لما كان ضاحكا ومسامرا ودائفا إلى هذا الحد ! هكذا تتكامل شخصيته وتنتظم فرائد عقدها.

النفاق و التحايل

وهنا نضطر إلى التعامل مع جوانب سلبية في المنظومة المصرية، مثل ظاهرة مبالغة المصري في نفاق رؤسائه وكل من هم في موقع أعلى وأقوى. والمصري بارع في دغدغة مشاعر الآخرين بمدحهم وإرهاقهم في المجاملة. وهي خاصية أفرزتها قرون وأحقاب عديدة، من الخضوع للدولة، وللفرعون، الذي يملك كل شيء. فالمصري يرتبط بأرضه على ضفاف النيل لا حياة له بعيدا عنها، ولهذا لا يستطيع – كما يفعل البدوي – أن يترك بقعة من الأرض إلى سواها، لذلك يظل رهينة لصاحب الأرض وصاحب الأمر. ولأن مصر هي من أقام أول دولة على الأرض، فمن الطبيعي أن يكون المصري هو أقدم موظف على الأرض، فالمصري لم يعرف حياة التنقل والهجرة والإبحار والمغامرة واكتشاف المجهول – فالمصري – عبر سبعة آلاف سنة – عرف الهجرة لأول مرة في حياته في الستينيات من القرن العشرين! هذا الموظف القديم – ولو كان فلاحا – لم يعرف طوال قرون خدمته الطويلة سوى أن ينفذ تعليمات رئيسه في العمل، أو مالك الأرض، لم يعرف سوى الطاعة والخضوع، ووجد في تدينه العميق ملاذا يساعده على الصبر، ووجد في ليل المرح والضحك منفذا يفرغ منه أوجاع يومه وأسي روحه التي تقضي نهارها كسيرة تابعة.

لا يخدعنك صبر المصريين

نادرا ما يثور المصري على أوضاعه الصعبة إلا حينما يتفاقم الوضع وتصبح الثورة هي ملاذه الأخير.. فتحت غطاء الضعف والتعب والاهتراء الخارجي تكمن قوة تاريخية هائلة يستنفرها المصري في الوقت المناسب لينتفض بها محققا إنجازات إعجازية تبهر الناظرين . ولو توقف الناظر إلى حال مصر قبل أكتوبر 73 لما أستطاع أن يتخيل أن ذلك البلد الجريح المهزوم – وذلك الجيش المرهق الذي هرب في الصحراء ، وهزم في ستة أيام منذ ست سنوات فقط ، يمكن أن ينتفض تلك الأنتفاضة المذهلة في السادس من أكتوبر ليحقق إنجاز العبور العظيم ، محطما بذلك كافة النظريات العسكرية وتوقعات المؤسسات الإستراتيجية في العالم . والشعب المصري الصبور لم يتخاذل عن الانتفاض والثورة كلما أستدعي الأمر فكانت هناك هوجة عرابي وثورة 19 ، وثورة الضباط الأحرار ، وأنتصار العبور ، بل كانت هناك ما أطلق عليها الرئيس السادات «إنتفاضة الحرامية» وما كان هؤلاء بلصوص بل كانوا مصريين شرفاء أصلاء رفضوا جور المسؤلين وفشلهم ورفعهم الفاحش للأسعار فخرجوا إلى الشوارع يعبرون عن رفضهم وإحتجاجهم .

لا يجب أن يخدعنك صبر المصريين ، فتحت حطب الصبر والإحتمال والمسالمة يتوهج دائما جمر متقد لا يخمد هو جمر الروح المصرية التي لا تموت .



اترك تعليق