الفلسطيني ليس بعين واحدة





بقلم:عزت القمحاوي

read article in English


كأن العالم صحراء شاسعة!
كأن تدفق الصور و المعلومات أغرق الكوكب في حال من الجهل التام، جثث الفلسطينيين في الشوارع لا تهز إلا ضمائر القلة ممن استطاعوا التسلل بفكرهم مخترقين الحصار الدعائي الإسرائيلي الأمريكي المفروض على القضية الفلسطينية في الوعي البشري.و من بين هذه القلة الأدباء الكبار الذين زاروا الأراضي الفلسطينية و التقوا بعرفات قبل إحكام الحصار عليه.
و لسوء الحظ فإن هذه القضية تواصل التعقيد في وقت ينشد فيه ضمير الإنسانية المتعب شيئا من الراحة التي قد يجدها في التلخيص الذي يقدمه الأمريكيون: فما يجري في الأراضي الفلسطينية هو في أحسن الأحوال عنف و عنف مضاد بهذا القدر من الوحشية أو ذاك ؛ أي أن الجميع مدانون.
و عندما ظهرت بوادر فهم من العالم سارع بوش و توني بلير إلى فتح ملف العراق من جديد لتوفير غطاء من الفوضى لما يرتكبه جيش الاحتلال من مجازر.صدام حسين صنعته أمريكا كما صنعت غيره من الديكتاتوريين في العالم كله و صمتت عليه طويلا و بإمكانها الصمت عليه، بل ينبغي عليها أن تترك للعراقيين النضال من أجل تحسين مستقبلهم و لكنها تريد أن تربط عصابة العراق على عين العالم لحين انتهاء الإسرائيليين من إبادة الشعب الفلسطيني بكامله.. و هي مهمة مستحيلة لسوء حظ من يخططون لها، و لن ينتج عنها سوى مزيد من العار للبشرية و مزيد من القلق في العالم.
و إذا كان في القول بإقلاق العالم بعض مبالغة ، فعلى الأقل سيقع الضرر على جيراننا في أوروبا الذين ربما يكونون الطرف الوحيد الذي ستتأكد هزيمته في هذا الصراع كلما حرص على البقاء بعيدا.
أمريكا و إسرائيل تحاولان الحصول على النصر الكامل على العرب في مرحلة يعاني فيها العالم العربي من فساد أنظمة الحكم و ضعفها ، و هذا من شأنه أن يجعل ثلاثمائة مليون عربي ـ صاروا يرون في بلادهم مكانا غير جدير بالعيش فيه ـ يتطلعون إلى الهجرة لأوروبا بما يصاحب ذلك من مشكلات.سينهزم الأوروبيون في هذه الحرب إذا لم يدخلوها و يفرضوا هجوم السلام بما تملك أوروبا من إمكانات للضغط لم تستخدمها بعد.
المصالح تفرض على أوروبا التدخل العاجل، و منطق العدل أيضا يفرض على هذا الضمير الأوروبي الذي سعى إلى التكفير عن ذنوبه بحق اليهود أن يتذكر أنه دفع لهم من جيب غيره و عالج الظلم بظلم آخر أوقعه بشعب تعرض على مدى أكثر من نصف قرن لأهوال لم يتعرض لها شعب غيره على وجه الأرض.
هذه الحقيقة ربما لا تكون خافية على الكثيرين رغم إحكام الكذب على مدى سنوات الصراع الذي حاول فيه اليهود أن يكونوا أكثر براعة من الغزاة الأوروبيين الذين صوروا الهنود الحمر بعين واحدة في منتصف الجبهة( لتتطابق صورتهم مع صورة الشيطان في الخيال الشعبي ) . عصابات الاستيطان الصهيونية في فلسطين كانت أكثر جذرية عندما ادعت أن الفلسطيني غير موجود أصلا ، و راجت مقولة ( أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) .و إذا كانت البشرية قد انتظرت قرونا طويلة لكي تكتشف أن للهندي الأحمر عينين ، فإنها سرعان ما اكتشفت وجود الفلسطينيين الذين يبلغون اليوم تسعة ملايين نصفهم يعيش محاصرا بالسلاح الإسرائيلي في وطنه ونصفهم يعيش محاصرا بالريبة في الدول المضيفة للاجئين.و بدلا من الإقرار بحق هذا الشعب في الوجود يتهمونه بصفاقة بأنه يحب سفك الدماء دون معنى ، في عودة مفضوحة إلى أسطورة الطبيعة الشيطانية لجنس من البشر، فكم علينا أن ننتظر لكي ندرك أن للفلسطيني عينين في رأسه و أنه مثل كل البشر يحتاج إلى حياة عادية يعشق فيها و يتزوج و ينجب الأطفال؟!
ستتركون الندم لأبنائكم أيها الأوروبيون و من سيظل على قيد الحياة منكم عندما تكتشفون أنكم ظلمتم الفلسطينيين مرتين: مرة عندما دفعتم دينكم لليهود من مستقبلهم و مرة عندما تتحاشون سؤال أنفسكم:لماذا يستغني الفلسطيني عن حياته، تلك المنحة التي تعطى لمرة واحدة لكي يفجر نفسه؟!
لماذا تلف عروس نفسها بأصابع الديناميت بدلا من زهور الفرح؟!
إنهم يصورون الاستشهاديين في صورة الشر المطلق.وبوش لم يسمح لنفسه بلحظة من مشاعر الأبوة أمام صورة طفل فلسطيني يكاد يتمزق بين أيدي جنود الاحتلال.لا رحمة لدى بوش لأن هذا الطفل في نظره هو مشروع استشهادي ، و بوش على حق في هذا الاعتقاد مادام لم يسمح لنفسه بأن يكون إنسانا، و لم يفعل ما ينبغي عليه لجعل هذا الطفل مشروع حياة لا مشروع موت.
إن الاستشهادي هو أكثر المحاربين مدعاة للرثاء، فهو يدفع حصته مقدما ، يلف نفسه بالمتفجرات بأمل أن ينال من أعدائه و هو غير متأكد إلا من حقيقة موته،و هو لا يمتلك خيارا آخر لأن هناك من جعلوا حياته أسوأ من الموت.
ما يفعله الاستشهاديون شيء لا علاقة له بالإجرام كما يدعي جورج دبليو بوش و إدارته ، و هو أعمق من البطولة. إنه التصاق الفرد بمصيره.. الإسرائيليون يقتلون الفلسطيني في كل الأحوال، و أن يقاوم الفلسطيني فهو ليس شيطانا بل على العكس فهذه هي الطريقة الوحيدة لكي ينتسب إلى شرف الإنسانية و يغادر حظيرة الخراف التي يراد له المكوث فيها.
هناك حقائق أخرى أكثر بساطة في هذا الصراع ، منها أن القرار الغربي بإنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين لم يأت بسبب اضطهاد العرب لليهود في فلسطين أو البلاد العربية الأخرى ، بل بسبب معاناة في الغرب و رغبة في التخلص منهم في الوقت ذاته، فما ذنب الفلسطينيين في ذلك ليسددوا من أمنهم هذا الدين الأوروبي الباهظ؟!
قد لا يكون من الحكمة محاولة تذكير الضمير العالمي المنهك بالمذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية من أجل الاستيطان على أراضي الفلسطينيين، فما يجري اليوم على يد الدولة النظامية أكثر من كاف.
وقائع السلام تكشف هي الأخرى فداحة الظلم مثل وقائع الحرب، فعندما وقع ياسر عرفات في أوسلو عام 1993 على اتفاق يمنح الفلسطينيين اثنين و عشرين بالمئة فقط من أفقر أرض فلسطين التاريخية لم يكن أمامه إلا القبول اتفاق الأمر الواقع هذا بعد أن تسربت الدول العربية الأخرى من المواجهة،و كان من الطبيعي ألا يحظى هذا الاتفاق بإجماع فلسطيني ، حيث رأت بعض الفصائل أن خمسين عاما من التضحيات راحت هباء، و مع ذلك لم يترك الإسرائيليون للفلسطينيين هذه النسبة الصغيرة من أرضهم و إنما واصلوا تقطيع أوصالها بالمستوطنات المدججة بالسلاح.
و بدلا من أن يدعموا سلطة عرفات راحوا يهينونه و يضعفون من موقفه بين الفلسطينيين بهدف ضيق النظر :أن يوقعوا الحرب بين الأطراف الفلسطينية ، و لما لم يحدث هذا أعلنوا الحرب على الجميع و اعتبروا عرفات المحاصر اليوم و المدمرة أجهزته الأمنية مقصرا في وقف الهجمات على إسرائيل!
و اليوم يحاول بوش ـ الذي يستمد معلوماته عن المنطقة من دليله السياحي أرييل شارون ـ أن يجعل من كل عربي مشروع استشهادي عندما يزيف الحقائق و يدعي أن ياسر عرفات لم يحترم كلمته و يوقف ما يصفه بـ "الإرهاب".وينسى أن الذي لم يلتزم هم الإسرائيليون الذين يريدون استمرار التفاوض إلى الأبد على القضايا التي تركها اتفاق أوسلو معلقة، مثل قضية اللاجئين و قضية اقتسام القدس و وقف بناء المستوطنات ، بل إنهم لم يعلنوا إلى اليوم حدود دولتهم مما يجعل من وصفها بـ "الكيان الاستيطاني" وصفا صحيحا من وجهة نظر القانون الدولي حيث لا يصح وصف كيان ما بـ "الدولة" إلا بوجود شعب و حكومة على منطقة محددة من الأرض ، و إسرائيل ترفض حتى اليوم أن تحدد رقعتها.و كل سكانها يبقون على قوة الجيش حتى الخامسة و الخمسين مما يجعل الحديث عن وجود مدنيين إسرائيليين حديثا غير ذي معنى.مثلما علينا أن نشك في محاولة اعتبار مهاجر روسي يتواجد بالقوة في الضفة الغربية مدنيا ، بينما هو يأخذ مكان فلسطيني مطرود من أرضه، لأن الأول يهودي و الثاني مسيحي أو مسلم !
فأي علمانية غربية هذه التي تساند كيانا دينيا عسكريا في الألفية الثالثة التي تدعي فيها البشرية رغبتها في مغادرة قوانين الغابة و عدم التفرقة بين البشر على أساس من الجنس أو اللون أو الدين؟!
على الجميع أن يفكروا في هذا لوقف جرائم جيش قوي ضد شعب أعزل و العمل على بداية تأسيس حياة لشعب من حقه أن يجرب الحياة و ينجب لها أطفاله و ليس للموت.
علينا جميعا أن نمنع شارون و بوش من حماقة البحث عن النصر المطلق، لأن النصر المطلق لهذين الرجلين ليس سوى هزيمة مطلقة للبشرية كلها.