قضايا عربية
ملف العراق

  هل ستتحطم سفينة الامبراطورية المتجبرة علي صخور العراق؟


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

اصدارات جديدة

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


 

علاء الدين الأعرجي
القدس العربي 10/9/2007
محام/ كاتب من العراق يقيم في نيويورك

السفينة الآيلة الي الغرق: سفينتنا تواجه بحرا هائجا، ويجب ان تغير مسارها ، يقول لي هاملتون ( 6/12/ 2006)، الرئيس المشارك مع جيمس بيكر، للفريق الذي شكله الكونغرس، للقيام بـ دراسة قضية العراق . والسؤال الكبير والخطير هو: هل ستتحطم هذه السفينة، التي دفعتها رياح الطمع بالسيطرة علي ثروات العراق بل المنطقة بكاملها، فضلا عن تامين مستقبل اسرائيل وسيطرتها علي المنطقة العربية نهائيا، والغرور بالقوة والجبروت، دفعتها هذه الاسباب غير المعلنة، الي هذه الرحلة التي اعتبرها الرئيس بوش نزهة بحرية مثيرة في مياه الخليج العربي الهادئة والدافئة، يجرب خلالها آخر مبتكرات امريكا من الالعاب النارية ؟ اقول: هل ستتحطم هذه السفينة الباذخة والمجهزة بآخر معدات التدمير الحديثة، علي سواحل العراق الصخرية الوعرة، قبل ان يتمكن ربانها الماهر والحائر، من تغيير مسارها كما يريد هاملتون؟ ذلك لان تغيير المسار قد يبدو شاقا جدا، او ربما مستحيلا، بعد ان دخلت السفينة في متاهات تيارات الخليج الجارفة والخطرة، حيث تتكاثر الشِعاب الحادة، وفي وقت تواجه فيه اعاصير كاسحة، ادت الي تعرضها لاضرار جسيمة، فتصدّعتْ اركانها واختل توازنها...!
روبرت فيسك في صحيفة انديـبندنت البريطانية (7/12/2006)، يؤكد حقيقة هذه السفينة المعطوبة والآيلة الي الغرق تحت عنوان الامبراطورية الرومانية تسقط وتستـنجد بايران وسورية .
تقرير بيكر ـ هاملتون بشان الحرب علي العراق، له دلالات عميقة وصريحة، تدخل معظمها في خانة الفشل، وربما اليأس من انقاذ امريكا من المستنقع الذي وقعت فيه في العراق. وبهذا الصدد يقول روبرت فيسك، في نفس المقال، ان امريكا لم تعد تهتم بمصير العراقيين، بل بخروجها من هذه المحنة ببعض من ماء الوجه. فهل ستتمكن من ذلك؟ .

الامبراطورية الامريكية العظمي
تندحر امام عصابات متمردة

فامريكا هذه الدولة العظمي بجيوشها ومعداتها واسلحتها الخرافية، التي لا يشق لها غبار، تندحر امام حركة مقاومة او ارهاب ، سمها ما شئت، وفي كل الاحوال تتكون من عصابات من المتمردين insurgents ، كما يسمونهم. هذه هزيمة تتجاوز بمراحل كبيرة هزيمتها في فيتنام (اصبح عدد القتلي من الجنود الامريكيين الرسميين فقط 3690 قتيلا تقريبا، منذ بداية الحرب علي العراق بالاضافة الي عشرات الآلاف من الجرحي والمعاقين والمرضي بالانهيار العصبي). فقد كانت امريكا تواجه هناك جيشا نظاميا عظيما ودولة قائمة فعلا في فيتنام الشمالية، يدعمها ويساعدها بالمال والسلاح كل من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية، كعملاقين دوليين، مما قد يبرر، الي حد ما، فشلها في ذلك الوقت. اما المقاومة العراقية (او المتمردون) فهي عصابات متفرقة، تحارب بمعدات خفيفة، وليس وراءها قوي عظمي، مع ذلك فهي مؤثرة ومنظمة بل كاسحة، الي حد جعل القوة الامريكية الضاربة تقف عاجزة عن قهرها خلال اكثر من اربعة اعوام. بل الي حد اصبح جميع الديمقراطيين الذين يشكلون الاغلبية في الكونغرس الامريكي، وعدد من الجمهوريين يطالبون الادارة الامريكية بالانسحاب من العراق، باشكال قد تختلف في تفصيلاتها، ولكنها تتفق في نتائجها. كما اكد تقرير هاملتون ـ بيكر (دراسة العراق) علي وجوب الانسحاب الكامل من العراق، وعدم الاحتفاظ باي قواعد عسكرية دائمة في العراق، والتاكيد عمليا علي عدم نية امريكا الاستيلاء علي نفط العراق.
ويمكن ان نستنتج من هذا التقرير ان سياسة الادارة الامريكية الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بالعراق وافغانستان وفلسطين، قد فشلت، وليس هناك امل في انقاذها الا اذا تغيرت استراتيجيتها 180 درجة. ومع ذلك لم ياخذ الرئيس بوش بالتوصيات التي وردت في التقرير لانه غير مستعد لتغيير سياسته. بل علي العكس من ذلك ركب راسه وارسل قرابة العشرين الفا من القوات الامريكية الاضافية الي العراق. وصرح ان استراتيجيته صحيحة. الا ان امريكا تنازلت اخيرا بالجلوس مع ايران وسورية، بل عقدت قبل فترة قصيرة (8/8/2007 ) مؤتمرا في دمشق لمعالجة الامن العراقي، الامر الذي يدل علي ان الادارة الامريكية تقول شيئا وتفعل شيئا آخر. كما ان امريكا راحت تستنجد بالامم المتحدة لانقاذها من محنتها بعد ان كانت تتحاشي تدخلها سابقا، بل خالفتها صراحة، قولا كما صرح الرئيس بوش قبيل الحرب، وحقيقة حينما شن الحرب علي العراق.
كل ذلك، هل يدل علي قرب اجل اكبر واقوي دولة في التاريخ؟
وعلي نطاق اوسع، يمكن ان نطرح هذا السؤال الاخطر: هل يعني ذلك بداية النهاية لسقوط الحضارة الغربية عموما؟
لذلك سنستعرض بسرعة آراء بعض من فلاسفة التاريخ في هذا الشأن.

دورة حياة الحضارات من ابن خلدون
الي توينبي الي كنيدي

منذ اكثر من ستة قرون اكتشف ابن خلدون، الذي احتفلنا بذكراه المئوية السادسة في العام الماضي (توفي في عام 1406)، حقيقة تاريخية مهمة، ظلت تؤكد نفسها عمليا، عبر التاريخ البشري، ونظريا خلال الدراسات التاريخية التي اجريت علي الحضارات، منذ ظهور اولي الحضارات المعروفة في وادي الرافدين، قبل اكثر من خمسة آلاف سنة، ابتداء من الحضارة السومرية، وهي اقدم حضارة بشرية معروفة، كما يقول نوح كريمر، في كتابه التاريخ يبدأ في سومر The History Begins at Sumer . وتقضي هذه الحقيقة بان للحضارة عمرا معينا، يشبه اعمار البشر: ولادة، طفولة، شباب، شيخوخة، وفاة. وبعد عدة قرون من ظهور دراسة ابن خلدون، قام باحثون غربيون، بتناول نفس الموضوع تقريبا، من اشهرهم ازولد شبنغلر الالماني وارنولد توينبي البريطاني.
ففي دراسته الشاملة التي صدرت اول مرة في عام 1920، في ميونيخ (المانيا)، تحت عنوان انحلال الغرب The Decline of the West ، توقع ازولد شبنغلر ، تدهور الحضارة الغربية بما فيها الامريكية. وهو يعود ليؤكد نظرية ابن خلدون في مراحل الحضارة (التي يربطها ابن خلدون بالدولة): الولادة والطفولة المبكرة فالشباب ثم خريف العمر حيث تجني الحضارة حصيلة منجزاتها الكبري، ثم تبدأ بالتدهور فالانحطاط فالموت.
وجدير بالذكر، ان شبنغلر يري ان الحضارة العربية الاسلامية استطاعت ان تنسق بين حضارات هرمة في المنطقة، اهمها الحضارة الفارسية والحضارة البيزنطية ودولة الحميريين اليهودية في الجنوب. ويقول ان هذا العالم المشتت الاطراف، لم يستطع ان يشعر بوحدته الا علي يد الاسلام. وهذا هو سر نجاحه الهائل السريع .
اما توينبي فيعتبر ابن خلدون من اعظم المفكرين في التاريخ، ويري في كتابه الموسوعي الذي يتالف من 13 مجلدا، تحت عنوان دراسة للتاريخ Study of History ان اربع عشرة حضارة قد بادت، من مجموع 21 حضارة مرت في التاريخ، اما الحضارة الغربية فيقول ان مصيرها غير معروف حتي الآن.
ويتوقع بول كنيدي، الذي نشر كتابه نهوض وسقوط القوي العظمي Rise and Fall of the Great Powers The منذ عشرين عاما، ان تخضع امريكا، كدولة امبريالية، لنفس مصير الامبراطوريات العظمي التي نهضت ثم هبطت ابتداء من سقوط القسطنطينية، عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية، في عام 1453، ثم نهوض الامبراطورية العثمانية فسقوطها، الي نهوض الامبراطورية البريطانية في العصر الفكتوري، ثم تدهورها. وهو يري ان امريكا تتعرض اليوم لنفس الخطر الذي تعرضت له القوي العظمي سابقا. وذلك بسبب ما يمكن ان اسماه التوسع الامبريالي المفرط imperial overstretch . ويقول ان علي صانعي القرار في الولايات المتحدة ان يواجهوا الحقيقة المرة والثابتة في ان النتيجة النهائية لمصالح والتزامات هذه الدولة اليوم، تتجاوز كثيرا قدرات البلد علي تحملها والدفاع عنها جميعا (ص515، ط 1987). وهذا ما يحدث اليوم فعلا لهذه الدولة العظمي. وقد تنبأ كنيدي قبل الحرب علي العراق، ان امريكا ستواجه مقاومة شعبية قادرة علي الحاق الهزيمة بها.
ان ما ذكره كنيدي حول التوسع الامبريالي المفرط، ينسجم تماما مع التقرير الذي صدر مؤخرا (15/8/2007) من المراقب العام الامريكي للنفقات، ديفيد وولكر الذي يتضمن تقييما كئيبا لمستقبل البلاد. فبعد ان يفصِّل ابعاد الازمة المالية الخانقة التي تتعرض لها امريكا من خلال ديونها المتزايدة وعجز الميزانية الهائل، فضلا عن اشارته الي حادثة انهيار الجسر الكبير علي نهر المسيسبي، وما تحتاجه بلاده من مئات البلايين من الدولارات لاصلاح الجسور والبنية التحتية، يقارن الوضع الذي تتعرض له امريكا بالوضع الذي كانت عليه الامبراطورية الرومانية قبيل سقوطها. فيقول ان هناك تشابها صاعقا بين الحالة الراهنة التي تمر بها الولايات المتحدة والعوامل التي اطاحت بروما بما فيها انحدار مستوي القيم الاخلاقية والكياسة السياسية في الداخل، والمبالغة في الثقة بالنفس (وهو تعبير مخفف لمعني الغطرسة) والمبالغة في التوسع العسكري في الاراضي الاجنبية، واللامبالاة المالية التي توليها الحكومة المركزية . وهذا يتطابق ايضا مع ما اشار اليه روبرت فيسك اعلاه.
ونعود لنطرح السؤال بصيغة محددة اكثر: هل ان فشل امريكا في العراق سيشكل بداية سقوط الحضارة الحديثة عموما؟

اختلاف الحضارة الحديثة عن الحضارات السابقة

وللاجابة عن هذا السؤال يجب ان نلاحظ عدة نقاط، من اهمها ان هذه الحضارة، قد تختلف عن بقية الحضارات التي سبقتها، نوعيا وجذريا، من عدة جوانب:
1 ـ انها لم تعد حضارة غربية حصرا، بل اصبحت حضارة عالمية، الي حد كبير، بدليل انتقال الكثير من خصائصها، سواء السطحية او الجذرية، الي الكثير من المجتمعات المعاصرة. فقد عمّت السطحية الاستهلاكية منها، جميع اصقاع العالم تقريبا، ولا سيما العربية الغنية. كما توطدت الجذرية الانتاجية التنظيمية منها، في بعض بلدان الشرق الاقصي، ومنها اليابان وبلدان النمور الآسيوية، وهي في طريقها الي الهند والصين، مثلا، وربما الي مجتمعات اخري. واصبحت العولمة، في بعض جوانبها الاستهلاكية علي الاقل، ابتداء من استخدامات الطاقة الحرارية فالكهربائية المتعددة، الي وسائط النقل الحديثة ووسائل الاتصالات والمعلومات بما فيها الكومبيوترات الشخصية... حقيقة واقعة يستخدمها عموم الناس في مختلف اصقاع العالم.
2 ـ انها حضارة لها وجوه وسمات متعددة، ومتناقضة كل التناقض احيانا، فمنها الصالح ومنها الطالح، بالمفهوم الانساني المطلق. ففي وجهها الاول يدخل، بين امور اخري، تقدم البشرية، بوجه عام، ولا سيما من حيث السعي لتوفير وسائل العيش الكريم للجماهير والقضاء علي اخطر الامراض التي كانت تفتك بالبشر، (باستثناء امراض الايدز والسرطان، التي ما تزال مستعصية) وتعميم وسائل المواصلات السريعة والمريحة، ووسائط الاتصالات والتخاطب ونشر المعلومات والمعارف والافكار، الامر الذي لم يكن متاحا في السابق، ونشر مبادئ حقوق الانسان وحرية الفكر والتعبير والديمقراطية والحكم الصالح وحرية محاسبة الزعيم المنتخب وتغييره. اما في وجهها الطالح او الكالح، فيتجلي في كثير من الامور منها:
ا: الحروب الكاسحة، التي تستخدم فيها اسلحة الابادة الجماعية، التي ادت الي الفتك بالملايين وتشريدهم، كما حدث بعد احداث ايلول (سبتمبر) 2001، كما يتجلي ذلك الوجه الطالح ايضا في القدرة علي افناء مئات الآلاف في لحظات، كما حدث فعلا في نيكاراغوا وناغازاكي؛
ب: تلويث البيئة الطبيعية وارتفاع درجات حرارة الارض بسبب الغازات المنبعثة من المركبات والمصانع، وما يتبع ذلك من كوارث طبيعية وبشرية هائلة، قد تفضي الي انقراض الاجناس. علما ان امريكا مسؤولة عن اكثر من خمسين في المائة من هذا التلوث، ومع ذلك ترفض تصديق معاهدة كيوتو في المحافظة علي البيئة؛
ج: قيام رموزها (ولا سيما امريكا) باستغلال ثروات الشعوب الضعيفة والمتخلفة، بل نهب مواردها الطبيعية والبشرية، والكيل بمكيالين في السياسة الخارجية، بل تشجيع النظم الاستبدادية الحليفة ورفض النظم الديمقراطية المعادية لها. وانتهاك حقوق الانسان في الاحوال التي توافق مصالح القوة الاعظم (في ابو غريب وغوانتنامو، مثلا)، وخضوع السياسة العامة للبلدان الصناعية لمصالح المؤسسات المالية والصناعية الكبري والشركات العملاقة التي تستحوذ علي معظم المرافق الاعلامية والمعلوماتية والمؤسسات غير الحكومية. ووجود فجوة كبيرة بين الطبقة الصغيرة المرفهة والطبقات الكبيرة المحرومة، احيانا، او المسحوقة او المعدمة، احيانا اخري، في بعض البلدان الفقيرة او المتخلفة، ولا سيما الآسيوية والافريقية.
لذلك نري ان الادارة الامريكية، وبالتالي امريكا، تمثل الوجه البشع من الحضارة الحديثة، لانها تخالف الكثير من مبادئها الاساسية لا سيما المتعلقة بحقوق الانسان والمساواة بين البشر والعدالة الاجتماعية، فضلا عن مخالفتها الصارخة للتشريعات الدولية الانسانية المثبتة في وثائق الامم المتحدة. بل هي تتناقض مع تلك الحضارة لانها تؤيد وتدعم وتسلح اخطر واشرس نظام عنصري قام علي اغتصاب حق شعب آخر في الوجود وتقرير المصير، ويستند علي التعصب الديني، ورفض الراي الآخر.
3 ـ ومن جهة اخري، فان من مميزات الحضارة الحديثة انها قادرة، في الغالب، علي ترميم الذات وتضميد الجراح من الداخل، وذلك لوجود مبادئ اساسية تظل قائمة ومؤسسات اهلية او شعبية واكاديمية حرة ومؤثرة، وهذه تعتمد علي المبادئ الديمقراطية الاساسية في حرية الفكر والتعبير والنشر، التي تستطيع المعارضة من خلالها ان تقوم بدورها في النقد عن طريق وسائط الاعلام الحرة او المعارضة للنظام، بل المؤيدة للحكومة التي تضطر لنشر ومناقشة ما يحدث علي صعيد الشارع. لذلك تتغير الادارة وتـُتداول السلطة. كما يحدث فعلا اليوم في امريكا، مثلا، حينما فشل الجمهوريون وربح الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس التي جرت في العام الماضي، فاصبحوا يمثلون الاغلبية في مجلسي النواب والشيوخ. ومع ذلك فان هذا الشـَق الذي احدثته الادارة الامريكية في غزوها للعراق سيصعب رتقه، حتي علي الادارة الديمقراطية، اذا نجحت في انتخابات الرئاسة العام القادم. بل يبدو لي من خلال متابعتي لمناقشات وتصريحات المرشحين الديمقراطيين للرئاسة، انهم قليلو الحيلة امام الورطة التي وقعت فيها امريكا. فالبقاء في العراق كارثة والخروج منه كارثة اكبر، بالنسبة لامريكا. كما ان هناك عقبة كأداء تقف امام جميع العاملين في الحقل السياسي الامريكي في السلطتين التنفيذية والتشريعية وهو اللوبي الصهيوني في واشنطن الذي يضع مصلحة اسرائيل فوق مصلحة امريكا والشعب الامريكي، ومع ذلك لا يجرؤ احد ان يمسه، ناهيك عن تحديه.
4 ـ وبالاضافة الي ذلك، فان هذه الحضارة تتميز عن غيرها من الحضارات السابقة بكونها تتجدد باستمرار. فعلي وجه العموم، وصلت الحضارات الاخري الماضية مراحل متقدمة نسبيا، اعتـُبرت القمة في زمانها، ثم توقـفت وركدت فأسِنت، ثم انحدرت تدريجيا الي الاسفل. اما الحضارة الحديثة، فانها قائمة اصلا علي التغيير والتطوير. فنحن نشهد ثورة علمية او معرفية تتفجر وتتسارع كل بضعة عقود، ابتداء من الثورات الصناعية المتعاقبة الي ثورات الاعلام والتحكم الي ثورات غزو الفضاء واكتشاف اسرار الكون الي حل الغاز الشفرة الحياتية الـ Genome . بل اصبح العالم يتقدم علميا ومعرفيا في كل عقد بما يوازي تقدمه الف عام مضي، علي وجه التقريب والتبسيط. وتبعا للتغيرات العلمية والتكنولوجية والمعرفية يتغير العقل المجتمعي بما فيه من عادات واعراف وآراء، وتتغير بالتالي المبادئ والقيم والمعتقدات.
والخلاصة فان هذه الحضارة تحمل عناصر تقدمها وتطورها، وفي نفس الوقت تحمل عناصر انهيارها ودمارها، ويعتمد بقاؤها او عدمه، علي تغلب كفة احد العناصر علي كفة العناصر الاخري.
ومع ذلك، اري ان ليس للعرب خلاص مما هم فيه الا بالاخذ بالحضارة الحديثة في جوانبها الاساسية: لا سيما العلم والمعرفة والصناعة الثقيلة والديمقراطية وتنظيماتها الاساسية، وذلك لمحاربة الغرب بنفس اسلحته، كما ينصح به ارنولد توينبي البريطاني في كتابه العالم والغرب .
والسؤال الاخير الذي يتعلق بنفس الموضوع، نطرحه علي المفكرين العرب هو: هل ستنجح الحركات الاسلامية الجهادية المتطرفة، في ترويض امريكا وربما قهر اسرائيل، علي المدي البعيد ؟ واذا نجحت فعلا، كما يبدو حتي الآن، فماذا بعد ذلك؟

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books