Readers Club Map
خريطة نادى القراء

    Part 1: Alaeldin Al-Araji's Response to Readers' Comments
 "The Crisis of Modernization in the Arab World "

 
 

Home 

About Readers Club

Join

This months' book

Join Discussion

This Year's Selections

Readers Club Archives

Contact Us

صفحة البيت

ما هو نادى القراء

للإشتراك

كتاب الشهر

شارك فى الحوار

اختيارات السنة الحالية

أرشيف نادى القراء

إتصل بنا

 

 

الموضوع: الرد على الملاحظات والانتقادات التي وردت على الطبعة الثالثة من كتاب علاء الدين الأعرجي :" أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل " ، الذي اختاره "منتدى الكتاب العربي"، ليكون كتاب الشهر، في حزيران/يونية 2009.

الأستاذة الفاضلة أماني أمين
مدير منتدى الكتاب العربي

أخواتي وإخواني الأعزاء
أعتذر أولا على تأخري في الرد على تعليقاتكم الهامة ونقدكم البناء، سواء الإيجابي أو السلبي. وفي رسالة سابقة، كنت قد استمحتكم عذرا لتأجيل ردودي على تلك التعليقات، لأسباب قاهرة. كما فضّلت أن أخصص لهذه الردود وقتا كافيا لأفيها حقها من الاهتمام والبحث.
والآن يسرني أن أرد على ملاحظاتكم بشأن كتابي "أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل". تلك الملاحظات التي تدل على اطلاعكم على الكتاب واهتمامكم به. علما أنني كنت ألح دائما، في كتابي هذا، وفي جميع بحوثي السابقة على الترحيب بالنقد البناء او التعليق الموضوعي. مثل هذا النقد والتعليق يغذي عقلي ويفيدني على مختلف المستويات، منها استئناف النظر في بعض فرضياتي أو نظرياتي المطروحة في الكتاب، بغية تعديلها أوتغييرها أوإيضاحها وتعميقها.
وأرجو أن أشير إلى أنني أسهبت غالبا في نقل بعض النصوص الهامة التي استشهد بها من هذا الكتاب نفسه، أو من بحوث أخرى، ذات علاقة وثيقة، بغية زيادة إيضاح ردودي وأفكاري وتعميقها، بالنسبة للنقاد الذين اطلعوا على الكتاب، أوتنبيههم إلى نقاط لم يعيروها اهتماما كافيا. وبالنسبة للقراء الذين لم يطلعوا على الكتاب، فإن هذه المقتبسات قد تغنيهم عن الرجوع إلى الكتاب، أو قد تشوّقهم أكثر للاطلاع عليه.
وفيما يلي ردي على الرسائل التي تسلمتها باستثناء رسالة تتضمن التعليق المسهب والمهم الذي تفضل به المفكر الأستاذ علي محمد، الذي يحتاج إلى تعقيب مستقل سأتناوله فيما بعد:
نص تعليق الأستاذ محمدعابد

"يصعب الاختلاف مع التوصيف الذي يطرحه المفكر علاء الدين الأعرجي فتشخيصه للأزمة الحضارية التي يعيشها العالم العربي يتسم بالدقة وعمق التحليل ، لكن نقطة الخلاف الأساسية مع منظوره هو أنه سمح لنفسه أن يقع أسيرا لمدخل أرنولد توينبي والذي يتعامل مع الحضارات بوصفها كائنات مستقلة، وليس بوصفها تجليات معينة في الزمان والمكان لمسيرة أشمل هي مسيرة الحضارة البشرية، ولو أخذنا هذا المنطلق الأخير كمنظور لنا فأننا سنجد أن انقراض الحضارة العربية لا يمثل الكارثة التي يعبر عنها الكتاب، فلا يمكن لنا أن نعتبر أن الامبراطورية الصينية التي تتبلور أمام أعيننا اليوم تعبر عن الحضارة الصينية المنقرضة وبنفس المنطق فأنه لا يوجد ما يمنع من أن يقوم العرب بإعادة بناء حضارة جديدة بدلا من التشبث ببقايا حضارة تهرأت ولم تعد قابلة للإصلاح".

-----------------------------

رد المؤلف على تعليق الأستاذ محمد عابد

شكرا على تعليقكم القيم وملاحظاتكم الهامة. وإليكم ردي الذي أرجو ان يكون وافيا قدر الإمكان:
1- أقدر كل التقدير موافقتكم على "تشخيصي للأزمة الحضارية التي يعيشها العالم العربي" الذي تقول عنه أنه "يتسم بالدقة وعمق التحليل".
2- وردا على ما تسميه "نقطة الخلاف الأساسية" المتعلقة بأن المؤلف" سمح لنفسه أن يقع أسيرا لمدخل آرنولد توينبي الذي"يتعامل مع الحضارات بوصفها كائنات مستقلة، وليس بوصفها تجليات معينة في الزمان والمكان لمسيرة أشمل هي مسيرة الحضارة البشرية"، نقول:
3- المؤلف يحاول أن لا يقع أسيرا لأي رأي أو إيديولوجيا، مهما كان. وقد كان وما يزال يحافظ على استقلالية رأيه، وموضوعية طرحه، لاسيما وإنه نجح في مقاومة كل المحاولات المـُلحّة التي جرت لضمه إلى بعض الأحزاب السياسية أثناء حياته النضالية والوظيفية الطويلة، التي عاشها في العراق. لذلك فهو دائما على استعداد لتعديل رأيه أو تغييره إذا اقتنع بالرأي المختلف، بل المخالف.
4- نعم، إن له موقفا ً معينا تجاه أهم القضايا المصيرية المتعلقة بقضية الأمة العربية والمجتمع الإسلامي، لا تعصبا للعرب باعتباره عربيا ً، أوتعصبا للإسلام باعتباره مسلما ً، بدليل أنه ينتقد العرب والمسلمين بقساوة، كما هو واضح من هذا الكتاب؛ بل لأنه يرى أن هذه القضية، التي أهملها أهلها، جهلا، وخنقها "الآخر"، عمدا، هي جزء من قضية إنسانية شاملة، قبل أن تكون عربية أو إسلامية، لاسيما لأنها تتعلق بالمصير الحضاري والثقافي لمليار ونصف من العرب والمسلمين، أي ربع سكان البشرية تقريبا. فضلا عن أنه عاش هذه القضية وعايشها، و تضور من إفرازاتها، وتشبّع من همومها وسمومها، وعانى من عذابات سجون عقلها المجتمعي المتخلف، ففهم أبعاد أزمتها العريقة والعميقة، فعبّر عن ذلك بهذا العمل المتواضع الذي وضعه بين أيديكم ليخضع لنظركم وتحليلكم ونقدكم.
وأكتفي بهذا القدر، كجزء أول، من الرد على اتهامي بالأسر.
5- وسيفند المؤلف، في الجزء الثاني من الرد،اتهام الناقد ، من خلال إثبات تحفظ المؤلف على بعض نظريات توينبي، ومنها ما يتعلق بنظريته الأهم في " التحدي والاستجابة". مما يفند اتهام الناقد بأن المؤلف وقع أسيرا لتوينبي. ونشير إلى ما ورد بهذا الصدد، في نفس هذا الكتاب، مما يبدو أن الناقد المحترم لم ينتبه إليه :
"يرى توينبي أنَّ النكبات تُعتبرُ تحدِّيات جديرة بالاعتبار، لأنَّها قد تدفع الشعبَ المنكوب بالهزيمة والدمار إلى استعادة عافيته بعد فترة. ويُعطي أمثلةً كثيرة، منها هزيمة ألمانيا في الحرب العالميَّة الثانية. كما يستعرض “دافع العقوبات” ويقول إنَّ الاضطهادَ يحفزُ أولئك المحرومين على التعويض عمَّا فقدوه، كما يُعوِّض المحرومون من البصر عن هذه الحاسَّة باستخدام إمكانات سائر حواسِّهم الأُخرى في مجال العمل والإنتاج. ويقدِّمُ اليهودَ كمثالٍ على هذا التعويض.
"ولدينا مُلاحظاتٌ مُتعدِّدة على هذه النقطة، منها أن نتساءل لماذا لم يعوِّض سُكَّان أمريكا "الأصليُّون عن النكبات التي أصابتهم، بأيِّ شكلٍ من الأشكال؟ ولماذا لم يُعوِّض العربُ عن النكبات التي أصابتهم على أيدي اليهود الصهاينة الذين احتلوا أرضَهم وشرَّدوا الشعب العربي في فلسطين، الذي عاش على أرضه هذه منذ آلاف السنين؟
لذا أرى أنَّ هناك شروطًا أُخرى يجبُ أن تتوافر لدى الشعب الذي يتعرَّض للنكبة، من أجل أن يستطيع أن يُعوِّض عنها ولو على المَدى البعيد. ومن هذه الشروط، بالإضافة إلى وَعي الشعب المنكوب لنكبته، توفُّر العقليَّة المتطوِّرة، أو بالأحرى العقليَّة التي يُمكنها أن تحوِّلَ ذلك الوعي، وتلك الطاقة الكامنة أو الدافع الحيويّ، من وجودٍ "بالقوَّة" إلى وجودٍ "بالفِعل" بتعبير أرسطو. وهذه العقليَّة لا يُمكن أن تتحقَّق إلاَّ من خلال مُعايشة الحاضر والتفاعُل مع الحضارة القائمة، وتفهُّم فلسفتها، وروحها، ولا أقصد تقليدها وحذوها حذو النعل للنعل، كما تقول العرب. ولنا من اليابان مثالٌ واضحٌ على ما أقول. فقد خرجت من الحرب مُدمَّرة، شأنها شأن ألمانيا، ومع ذلك تمكَّن هذا الشعب خلال نصف قرن من استعادة عافـيَّـتة ، بل أصبح يُنافس الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة" (الكتاب، ص55-56)
6- لذلك أرى أن مجرد استخدام كلمة "أسير" التي تعني الخضوع التام، التي استخدمها الناقد المحترم، قد لا تكون مناسبة، بل حادة، بكل أسف. ولاسيما إذا أخذنا ماسبق ذكره بنظر الاعتبار، فضلا عن النقطة التالية التي تفند رأي الناقد بأن توينبي "يتعامل مع الحضارات بوصفها كائنات مستقلة، وليس بوصفها تجليات معينة في الزمان والمكان لمسيرة أشمل هي مسيرة الحضارة البشرية":
7- في الجزء الثالث من الرد ، أرى أن توينبي لم يتعامل مع الحضارات بوصفها كائنات مستقلة،كما يقول الناقد ، بل على العكس تماما، فهو يرى ترابطها على الصعيد الحضاري، لاسيما الحضارات المتصلة. كما يرى أنها متعاصرة على الصعيد الزماني. ويقول: "فمن الواجب أن ينظر إلى الإحدى والعشرين حضارة،( وهي الحضارات التي مرت بها البشرية حتى عصرنا الحديث)باعتبارها، من الناحية الافتراضية، متعاصرة فلسفيا ومتعادلة كذلك".(انظر منح خوري،"التاريخ الحضاري عند توينبي "، بيروت: دار العلم للملايين،1960، ص15). كما خصص في كتابه المختصر لدراسة للتاريخ(1972- 1975) فصلين احدهما لدراسة "تواصل الحضارات في المكان" (الفصل التاسع، ص379) والآخر لـ"تواصل الحضارات في الزمان" ( الفصل العاشر، ص445)، انظر . A. Toynbee, A Study of History, The first abridged one-volume edition ويمكن الإسهاب في توضيح رأي توينبي وتحليله عند الحاجة.
8- النقطة الأخيرة، التي يقول فيها الناقد:
"إن انقراض الحضارة العربية لا يمثل الكارثة التي يعبر عنها الكتاب، فلا يمكن لنا أن نعتبر أن الامبراطورية الصينية التي تتبلور أمام أعيننا اليوم تعبر عن الحضارة الصينية المنقرضة وبنفس المنطق فأنه لا يوجد ما يمنع من أن يقوم العرب بإعادة بناء حضارة جديدة بدلا من التشبث ببقايا حضارة تهرأت ولم تعد قابلة للإصلاح."
10- هذه نقطة ذكية، ومع ذلك لنا عليها ملاحظة. فالصين التي نهضت خلال فترة قصيرة نسبيا، لم ترفض حضارتها العريقة بل جددتها. فقد أخذت من الحضارة الغربية أهم مؤسساتها ولاسيما العلمية والتكنولوجية، والتنظيمية، ولكنها حافظت على هويتها الصينية، ولاسيما لغتها وثقافتها.
11- ونحن ندعو إلى أن تحذو الأمة العربية حذوها. لذلك فإن هذا الكتاب يهدف في المقام الاول إلى تجديد الحضارة العربية الإسلامية، وليس إعادتها بشخوصها وغصصها، بل نقلها من حالة الركود إلى حالة الحركة والنهوض، مع الاحتفاظ بهويتها العربية المتميزة. أقول في الكتاب:
" نحن لا نريد، بل ليس من صالحنا، أن نسدلَ الستارة على هذا المسرح العظيم لذلك التاريخ الحافل بكلِّ ما فيه من صفحات بيضاء وسوداء، وبكلِّ ما بينها من صفحات متـدرِّجة في العـتمة والبـياض، وبكلِّ ما فيه من مجدٍ ومآسٍ وانتصاراتٍ وانكسارات، بل يجب أن نُعيدَ كتابة هذه المسرحيَّة، ونُعيدَ إخراجها بعقولٍ ناضجة، بعـقـول العـصر الذي نعيشُه، بعقولٍ نقديَّة، صارمة في موضوعيَّتها وعلميَّتها،20 وأَلاَّ نظلَّ نُكرِّر عرضَ هذه المسرحيَّة كما كُتِبت وأُخرِجت في عصرها قبل أكثر من ألف عام، وعُرِضت مئات، بل آلاف المرَّات، بنفس الطريقة القديمة، فراحت تُؤثِّرُ وتُخاطبُ الجانبَ الساذج من عقولنا، فنـتأثـر بها كما يتأثر الطفلُ عندما يُشاهد مسرحيَّة رومانسيَّة أو شريطًا سينمائيًّا مثيرا، فيظـلُّ يعيش قصّـته وكأنَّ شخصيَّاتِه أحياء يُرزَقون، يأكلون ويشربون معه كلَّ يوم... وهذا ما حصل عندنا نتيجةَ كثرة التنويه والإشادة أو الاقـتباس من تاريخنا. فـنظرتـُنا إلى التاريخ لا تزال تعكس عـقـلـيـَّتـَنـا اللاتاريخيَّة، أي عدم إدراك السَّيرورة العاديَّة للزمن، وأنَّ اللحظةَ الراهنة تختلف عن أيِّ لحظة سابقة، يستحيل استرجاعها. وهذه السيرورة ترتبطُ بالتغيـيـر والتطوُّر الكونيّ؛ فكلُّ شيء في تغيُّر مستمرّ حتَّى الأشياء التي تبدو ثابتة مثل الجمادات.21 (ص 81).

12- نعم، المفروض أن "لا يوجد ما يمنع من أن يقوم العرب بإعادة بناء حضارة جديدة بدلا من التشبث ببقايا حضارة تهرأت ولم تعد قابلة للإصلاح." كما يقول الناقد، ولكن الواقع يقول عكس ذلك تماما، وهنا تكمن الكارثة التي نتحدث عنها.
ومن هنا أيضا، ينبثق هذا السؤال :
لماذا لم يتمكن العرب من تحقيق ماحققته تلك الأمم الناهضة حديثا ، ومنها الصين والهند وماليزيا وكوريا وماليزيا، وتايوان (النمور الآسيوية) ، مع أن بوادر نهضتهم سبقت جميع تلك البلدان، أي منذ مطلع القرن التاسع عشر؟ وأرى أن هناك سببين:
1) الظروف الجيوبوليتيكية التى وجدت فيها المنطقة العربية، والأطماع الإمبريالية في مواردها الطبيعية ولاسيما النفطية، مما يجعلها عرضة للتآمر من جانب القوى الإمبريالية أكثر من غيرها. يضاف إلى ذلك تآمر إسرائيل التي تحاذر أن تحقق البلدان العربية تقدما على الصعيد الحضاري، بغية ضمان السيطرة عليها، بل هي تأمل وتسعى إلى تسخيرها لخدمتها على المدى البعيد، ولا سيما بعد ان ترغمها على الإستسلام الكامل، وعلى ما يسمى التطبيع ( التطويع)( انظر كتاب: بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل"مكان تحت الشمس"). وفي هذه الحالة ستصبح إسرائيل سيدا متنفذا يملك جميع أوراق اللعبة، بما فيها القوة العسكرية والقوة العلمية والتقنية والصناعية والكفاءة الفكرية والتنظيمية، التي يفتقر إليها العرب، مما يؤدي إلى التحكم بمواردهم الطبيعية والبشرية، وابتزاز أنظمتهم الضعيفة والمخترَقة من جانب إسرائيل، في الغالب .
2) تقصير العرب أنفسهم في الكفاح المـُلِح في سبيل متابعة نهضتهم بعقول فاعلة مفتوحة على الحضارة العصرية في جوانبها العلمية والفكرية والتكنولوجية والتنظيمية، على الرغم من العقبات التي وضعها الآخر في سبيلهم . وقد لعب" العقل المجتمعي العربي المتخلف" المشحون بمسلمات وقيم سلفية بائدة، بدور سلبي كبير بهذا الشأن . وقد شرحت ذلك في الكتاب، الذي يفسر ويؤصل ويحلل هذه الظاهرة .

13- والسؤال الآخر: هل نريد للعرب أن يصبحوا نسخة أخرى من الغرب، ويفقدوا لغتهم وثقافتهم وهويتهم؟ نلاحظ من هذا الكتاب، أن المؤلف يرفض ذلك، بل يعتقد أن ليس من الممكن أن يتحقق ذلك أصلا ، لأن هناك عقلا مجتمعيا متجذرا في الكيان العربي، تاريخيا وثقافيا، وهذا العقل يحتوي في مخزوناته الكثيرة ، على خليط من الصالح والطالح، كما شرحته في هذا الكتاب وفي الجزء الثاني قيد الإعداد.
14- والمثال الثاني الذي يمكن الإحتذاء به، هو إسرائيل نفسها، التي تمكنت أن تأخذ من الحضارة الغربية، أهم خصائصها الأساسية الحضارية ، ولاسيما العلمية والتقنية والتنظيمية، مع احتفاظها بهويتها: لغتها وثقافتها وتاريخها فضلا عن تعصبها الشديد لدينها، وتمسكها بعنصريتها الصهيونية. بينما فشلنا في مقارعة هذا المغتصب الذي احتل أرضنا وأذل شعبنا، لأننا تخلفنا عن ركب الحضارة الحديثة ، كما شرحت أعلاه ، وفصلته في الكتاب موضوع البحث.
ومع ذلك، ما أزال أشعر في أعماقي، أنني لم أف ِ الموضوع حقه، نظرا لضيق المقام، وقد تكون لنا إليه عودة.
-----------------------------------------------------------
نص تعليق بنت النيل
"أبدأ أولا بشكر المنتدى على اختياراته المتنوعة فقد كنت متخوفة بعض الشئ من الاشتراك في مثل هذا البرنامج ولكني استمتعت كثيرا به وبجميع الكتب التي وصلتني خاصة وأن البرنامج أتاح لي قراءة العديد من الكتب التي لا تستهويني في العادة وما كنت حاولت قراءتها من قبل ومنها كتاب هذا الشهر ، فأنا عادة افضل الروايات والشعر.
أما بالنسبة لرأيي في هذا الكتاب فقد وجدت فيه الكثير من النظريات والأراء المختلفة ولكن أغلب ما يسوقه الكاتب منها ويرجحه تشاؤمي الى درجة كبيرة كما أنني لم أجد الكثير من هذه النظريات مقنعا فمثلا يتحدث في الفصل السابع عن العرب والبداوة فيقول في صفحة 173:
"أن معظم عرب شبه الجزيرة العربية كانوا يمرون في دور البداوة الثانية وحينما انتقلوا الى الحواضر بعد الفتح الاسلامي أخذوا ثمار الحضارة جاهزة"

ثم يتابع:
" يمكن اعتبار اكتشاف الزراعة أهم عمل ابداعي حققه الانسان"
لو كانت هذه النظرية صحيحة في المطلق لكان الشعب المصري اليوم هو ارقى شعوب العالم.
--------------------------------------------
تعقيب المؤلف
1- تقول بنت النيل أن الكتاب "تشاؤمي" ، والأحرى أن يوصف بـ"الواقعي" ، لأنه يحاول أن يجسد الحقيقة الواقعية القائمة: فهل يمكن أن نصف التقرير الذي يطلبه الطبيب، الخاص بتحليل دم المريض، ليفهم ما يدور داخل جسمه، بغية تشخيص المرض، بدقة كافية تساعده على فهم الداء لوصف الدواء، فنقول عنه إنه تقرير "تشاؤمي" ؟
وقد شخصت في كتابي هذا، بعض أمراض الأمة ، لاسيما في الفصل الأول، في سبعة عشر مؤشرا، وأشرت إلى تقرير التنمية الإنسانية لعام 2002 (ص22). وبالإضافة إلى ذلك، أمامي الآن بعض من التقارير السنوية لحال الأمة التي يصدرها "المؤتمر القومي العربي"، وهي تقارير يعدها أكاديميون ومتخصصون في مختلف الميادين . وآخرها صادر في نيسان/ أبريل 2009. وكلها تؤكد الحالة المتردية للأمة العربية على وجه العموم . كما حاولت وصف العلاج من خلال طرح نظرية " العقل الفاعل والعقل المنفعل".
2- وتقول أنها وجدت أن الكثير من النظريات غير مقنعة ومنها أنه يقول في ص173 :
" يمكن اعتبار اكتشاف الزراعة أهم عمل ابداعي حققه الانسان"
وتعترض على ذلك قائلة "لو كانت هذه النظرية صحيحة في المطلق لكان الشعب المصري اليوم هو ارقى شعوب العالم."
3- يبدو أن السيدة المحترمة لم تقرأ الفقرة بكاملها، أو لم تلاحظ أننا نتحدث عن مرحلة مرت قبل عشرة آلاف عام، وفي تلك الفقرة أقول:
"يُمكنُ اعتبارُ اكتشاف الزراعة أهمَّ عملٍ إبداعيّ حقَّقَه الإنسان، وأدَّى إلى نقلِه من مرحلةِ التخلُّف والهمجيَّة إلى مرحلة التقدُّم في السبيلِ المُؤَدِّي إلى الحضارةِ والرفاهيَّة. وقد استغرقَت هذه العمليَّةُ الانتقاليَّة عدَّةَ ملايين من السنين وفقًا للمعلومات العلميَّة التي بين أيدينا،(6) بينما بدأت مرحلةُ الزراعة التي أنبأَت عنها نتائجُ الحفريَّات الأخيرة قبل حوالى عشرة آلاف سنة فقط، في منطقة الهلال الخصيب، ثمَّ انتقلَت إلى أُوروبَّا في حوالى6500 قبل الميلاد، وإلى الجزُر البريطانيَّة في حوالى 4000 ق. م.(7) ويُمكنُ أن نُطلقَ على هذه المرحلة ”ثورة العصر الحجريّ الجديد“،Neolithic Revolution لأنَّ الإنسان عاد لا ينتظرُ مِنَحَ الطبيعة، بل أصبح يحصلُ على قوْتِه من نِتاجها بجهدِه وعَرقِه. ويُمكن اعتبارُ هذه النقلة أوَّلَ خُطوةٍ أساسيَّة لتطويع الطبيعة لخدمة الإنسان." (ص73من الكتاب)
4- إذن نحن نقارن بين الحالة التي كان عليها الإنسان قبل اكتشاف الزراعة، التي استغرقت ملايين السنين، وبين حالته بعد اكتشاف الزراعة قبل حوالى عشرة آلاف سنة. في الحالة الاولى كان الإنسان يعتمد حصراعلى مُنح الطبيعة، كما يفعل الحيوان عموما، ويتنقل بشكل جماعات، من مكان إلى آخر تبعا لتغير المناخ وتوفر الثمار والبذور والنبات ونوع الحيوان الذي يصطاده بغرض الغذاء. ويمكن أن نطلق على هذه الفترة مرحلة البداوة الأولى. ثم أكتشف الإنسان الزراعة، التي ربطته بالأرض التي زرعها. وأدى هذا الاستقرار إلى إنشاء القرى ، ثم المدن الصغيرة فالكبيرة ، وحصل تقسيم العمل. فتطورت بذلك الحضارة وازدهرت، لاسيما في وادي الرافدين ووادي النيل، وأماكن أخرى. وهذه بعض الحضارت التي يسميها توينبي حضارات منقطعة. أي لم تنبثق عن حضارات سابقة عليها حسب علمنا حتى الآن. ويمكن اعتبار المؤرخ البارز "هنري فرنكفورت" متفقا معه، من هذه الناحية على الأقل(انظر كتابه " فجر الحضارة في الشرق الأدنى"). كما يؤكد العالم التاريخي "نوح كريمر" هذا المعنى في كتابه" التاريخ يبدأ في سومر".
5- ويعتبر جمهور العلماء الأنثربولوجيون، الذين يؤمنون بنظرية التطور، أن تطور الإنسان من مرحلة البداوة الأولى، التي دامت ملايين السنين، التي عاش فيها الإنسان القديم في ظلمات وتخلف، إلى مرحلة الزراعة؛ يعتبرونها ثورة تاريخية أساسية، لأنها أوصلت الإنسان، خلال فترة قصيرة نسبيا، إلى مرحلة الحضارة الحديثة التي تتفجر منجزاتها في كل يوم على مختلف الأصعدة، ولاسيما العلمية والتقنية ، وغزو الفضاء .
وزيادة في الإيضاح أقتبس هذة الفقرة المجتثة من الحزء الثاني من الكتاب(قيد الإعداد) في فصل خاص تحت عنوان:
"الثورةُ الزراعيَّة وأهمِّـيَّةُ العملِ المُنتج في إِرساء دعائِم الحضارة البشريَّة
الزراعة تفتح آفاق المعرفة فالكتابة، وصولا إلى حضارات الشرق الأوسط العظمى
والأهمُّ من كل ذلك، أنَّ الإنسان، بعد أن أَصبح مُزارِعًا، لم يعد يعتمدُ في حياته على الصُّدفة أو عطاءاتِ الطبيعة، وينتظرُ هِباتِها التلقائيَّة الجاهزةَ للاستهلاك، بل أخذ يعتمدُ على عملِه المُنظَّم وجهدِه الهادف، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. لذلك تُعتَـبَر مرحلةُ الزراعة خطوةً ثوريَّةً حاسِمةً قرَّبَت الإنسانَ نحو تسخير الطبيعة لِخدمتِه، على النحو الذي وصَلْنا إليه في العصر الحديث. فقد أدَّت الثورةُ الزراعيَّة، بين أُمورٍ أُخرى، إلى الاستقرارِ في الأرض وبناءِ المساكن فالقُرى فالمُدُن، فتقسيم العمل، فمُراقبة تعاقُب الفصول لرَصد الوقت المناسب للبذار ثُمَّ جَنيْ ِالمحصول. وأدَّى ذلك إلى الحاجة لحسابِ الزمن، من خلال رصدِ النجوم والشمس وتغيُّر مواقع بزوغها النسبيِّ في الشتاء والصيف، ودرجة ارتفاعها في القبَّة السماويَّة، ومراقبةِ مواسمِ هطول المطر التي ترتبطُ بنُمُوِّ الحاصل الزراعيِّ، فالتبادل التجاريّ للمنتجات، الأمرُ الذي أدَّى إلى ابتكار العدد فالحساب، فالكتابة للتوثيق، فالقوانين التي تنظِّم العلاقاتِ الزراعيَّة والتجاريَّة، فالعلوم المساعدة الأخرى، وصولاً إلى التحضُّر والتقدُّم الذي وصلَت إليه حضاراتُ الهلال الخصيب الأصليَّة، التي كانت مَعينًا لبقيَّة الحضارات العالميَّة الأُخرى، كما يرى جمهورُ المؤرِّخين ومنهم نوح كريمر وهنري فرانكفورت وأرنولد توينبي 7. (الفصل العاشر، منشور في مجلة" صوت داهش" عدد خريف 2004، ص 29-39)" انتهى الاقتباس.
6- ولكن الحضارة انتقلت إلى مجتمعات أخرى سماها توينبي حضارات متصلة. أي متصلة بحضارات سابقة عليها، ومنها الحضارة الهيلينية( اليونانية ) والرومانية. ثم تحولت عن طريق انبثاق الإسلام إلى منطقة الهلال الخصيب، بما فيها العراق وبلاد الشام ومصر، وامتدت إلى الأندلس. ثم تحولت إلى أوربا فانبثقت النهضة الأوربية (Renaissance La) على انقاض الحضارة العربية الإسلامية، متأثرة ببعض منجزاتها، واستمرت حتى الآن. وربما بدأت تنتقل في هذا العصر او تنتشر، إلى الشرق الأقصى ( اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وتايوان والصين والهند)(النمور الآسيوية). اما العرب فيغطون في نوم عميق، بكل اسف. فنحن شعب يستهلك ولا ينتج، ومعظم قياداتتنا مشغولة بالمحافظة على كراسي الحكم الذهبية، لهم ولنسلهم من بعدهم .
7- إذن، ليس للموضوع علاقة بحال المجتمع الزراعي الآن. بل يعتبر المجتمع الذي لم ينتقل اليوم من مرحلة الزراعة إلى مرحلة الصناعة المتطورة ثم ثورة الاتصالات والثورة الإعلامية، شعبا متخلفا، كما هو الحال في المجتمع العربي بوجه عام، ومنه المجتمع المصري . ولا يعني ذلك ترك النشاط الزراعي طبعا، بل يعني تطويره وتنميته عن طريق التكنولوجيا، وتحويله إلى نشاط زراعيّ مكثـّف ومُصنـّع. في إطار تطوير المجتمع ليصبح مجتمعا صناعيا متقدما. و هكذا، فمع أن من المفروض أن يكون المجتمع العربي مجتمعا زراعيا، لكننا نلاحظ أن العرب أصبحوا يستوردون اليوم أكثر من 75 في المائة من غذائهم من البلدان المتقدمة.
------------------------------------------------------------------------------------
نص تعليق الأستاذ خالد محمد
"عندما يتحدث الأستاذ علاء الدين الأعرجي عن العقل العربي فأنه يفترض وجود عقل جامع لكل العرب، وهي فرضية تقريبية على أحسن الأحوال، فمن يستطيع أن يقول أن العقل المصري يتطابق مع العقل الليبي أو أن العقل الجمعي التونسي يتطابق مع العقل السعودي؟
ان مفهوم العروبة في حد ذاته هو مفهوم تقريبي ويختلط أحيانا بمفهوم الاسلام في حين أن الموضوع أكثر تعقيدا من ذلك ويتطلب قدرا أكبر من التدقيق".
----------------------
تعقيب المؤلف
شكري وتقديري للأستاذ الفاضل خالد محمد على اهتمامة وتعليقه الهام والمتميز، وسأحاول الإيضاح والتعقيب فيما يلي:
1- طرح الأستاذ خالد نقطتين؛ تتعلق الأولى بالعقل العربي والثانية بمفهوم العروبة والإسلام. وأظن أن إحداهما ترتبط بالأخرى، في سياق الموضوع الذي نبحثه.
2- أرى أن العقل العربي بوجه عام يتميز بصفات وخصائص مشتركة عامة بين جميع المجتمعات العربية، بحيث يمكن القول إن العقل العربي يختلف عن العقل الأوربي مثلا، تماما كما يمكن القول إن العقل الأوربي يختلف عن العقل الصيني. وفي هذه الحالة لا تؤخذ بنظر الاعتبار الاختلافات البسيطة الموجودة بين العقل الإنكليزي والعقل الفرنسي مثلا، لأنها تعتبر اختلافات جزئية تدخل تحت الخصائص العامة للعقل الأوربي.
3- وهكذا أشرت في الصفحة 73 تحت عنوان:" هل ثمة عقل عربي متميز؟" إلى ما يلي:
" قلنا، لدى تعريفنا للعقل، إنَّ العقل يتكوَّن من تفاعُل عنصرَين أساسيَّين هما الوراثة والبيئة. ونترك الوراثة الآن جانبًا، وإلى حين، فنُحلِّل عنصرَ البيئة الذي يتكوَّن من جميع ما يتلقَّاه الكائنُ البشريُّ من انطباعات ومُؤثِّرات خارجيَّة، ابتداءً من لحظة ميلاده حتَّى مماته؛ وتدخل فيها، كما أسلفنا، التربيةُ البيتيَّة والمدرسيَّة وعلاقاتُه الاجتماعيّة إلخ. ولا شكَّ بأنَّ بيئةَ الإنسان العربيّ تختلف عن بيئة الإنسان الصينيّ، أو الأُوروبيّ، تمامًا كما تختلف بيئةُ الفرد الهنديّ عن الفرد الزمبابويّ، وهكذا …
"وبالتالي فإنَّ عقولَ هذه المجموعات المختلفة من البشَر ينبغي أن تكونَ مختلفة بعضَ الاختلاف. وهذا لا يعني أنَّنا نقضي بذلك على المبدإ القائل بتجانُس العقل البشريّ، أي أنَّه لا يختلف من حيثُ أنَّه عقلٌ بشريّ، ويتميَّز عن عقل الحيوان، بل نعترف بهذا التجانس العامّ؛ ولكنْ ما إن ندخلُ في الخاصّ، وخاصّ الخاصّ، حتَّى تبدو الفروقات، بل تتجلَّى تلك الفروقات بين طباع البَشر أو عقولهم، باختلاف البيئات، والمجتمعات الكبيرة والصغيرة.
"يقول الجابريّ: “ بـما أنَّ الحياةَ الاجتماعيَّة ليست واحدة، ولا على نمطٍ واحد، فمن المنتظر أن تتعدَّدَ أنواعُ القواعد العقليَّة—ولنقُلْ أنواع المنطق—بتعدُّد وتبايُن أنماط الحياة الاجتماعيَّة. من هنا كان للشعوب المُسمَّاة "بدائيَّة" منطقُها(أو عقلُها) وكان للشعوب "الزراعيَّة" منطقها، وكان للشعوب التجاريَّة الصناعيَّة منطقُها؛ ومن هنا أيضًا، ولنفس السبب، كان لكلِّ مرحلة تاريخيَّة منطقها."
"وهكذا يُمكن القول بأنَّ هناك عقلاً عربيًّا مُتميِّزًا، لأنَّ المجتمع العربيَّ مرَّ بأدوار تختلفُ عن أيّ مجتمع آخر، تراكمَت خلالها الأحداثُ والوقائعُ والقِيَم، فأصبحت جزءًا من الثقافة التي تُشكِّلُ العقلَ العربيّ."
4- ومع ذلك فقد فصّلت في الجزء الثاني من بحثي المتواصل في" أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي" ، الذي نشرت فصوله كحلقات متعددة(19 فصلا ) في مجلة "صوت داهش" التي تصدر في نيويورك ، هذه النقطة بشكل أدق.
5- وفيما يلي توضيح كيفية التعامل مع الفروق بين العقل العربي عموما والعقول العربية الإقليمية او المحلية، كما وردت في أحد الفصول المنشورة . علما أنني حاولت تطوير "مفهوم العقل" المتعلق بالمجتمع، في سبيل تأسيس "فرضية/نظرية العقل المجتمعي" باعتبارها نظرية عامة تنطبق على جميع المجتمعات البشرية، التي أطلقت عليها مصطلح " وحدات مجتمعية"* . لذلك ستلاحظون أنني بدأت بشرح الجانب العام الذي ينطبق عل جميع المجتمعات، ثم أنتقل إلى تطبيق النظرية على المجتمع العربي حصرا :
"أفترض أن لكلِّ مجتمعٍ (أَو وحدةٍ مجتمعيَّة) *عقلَه الخاصَّ الذي يتَّصل، من جهةٍ، بِعَقلٍ مجتمعيٍّ أَكبر، يَتَّفقُ معه في بعض الصفاتِ المُشترَكة، ويتَّصل، من جهةٍ أُخرى، بعقولٍ فرعيَّةٍ أَصغر، يشتركُ أَو يختلفُ معها في بعضِ الخصائص. وهكذا يضمُّ العقلُ المجتمعيُّ الأَكبرُ عقولاً مجتمعيَّةً أَصغر قد تتداخلُ وتتقاطعُ، ولكنَّها تظلُّ مترابطةً مع ذلك فيما بينها، ومع العقلِ المجتمعيِّ الأَشمل.
"ويُمكنُ تصويرُ العقلِ المجتمعيِّ الإسلاميِّ، مثلاً، باعتبارِه يشغلُ دائرةً كُبرى تضمُّ دوائرَ صُغرى، من أَهمِّها دائرةُ العقلِ المجتمعيِّ العربيّ التي تتقاطع معها (أنظر الرسمَ الإِيضاحيّ، في مرفق أرسله كملحق لهذه الرسالة).كما تضمُّ تلك الدائرةُ الكبرى دوائرَ صُغرى تُمثِّلُ عقولاً مجتمعيَّةً غير عربيَّةٍ مُتعدِّدة، ومنها دائرةُ شبْهِ القارَّة الهنديَّة وتفرُّعاتِها المتعدِّدة، ودائرةُ جُزر المحيط الهادي وجنوبيِّ شرقِ آسيا، ودائرةُ جمهوريَّات آسيا الوُسطى، ودائرةُ شعوب إفريقيا الوُسطى والشرقيَّة، ودائرةُ شعوب أُوروبَّا الوسطى. وتضمُّ كلُّ واحدةٍ من هذه الدوائر الكُبرى دوائرَ متتاليَةً في الصِّغَر تبعًا لِتَـبايُنِ الشعوبِ والعشائرِ والطوائفِ في كلِّ منطقة.
"ودائرةُ العقلِ المجتمعيِّ العربيِّ التي تتقاطعُ مع الإسلاميّ، لوجودِ شعوبٍ غير إِسلاميَّة تخرجُ عنه، تضمُّ جميعَ البلدانِ العربيَّة. كما تتَّسِمُ، في نفس الوقت، بقَدرٍ من التمايُزِ في العقولِ المجتمعيَّة بين مختلفِ المناطق، بل بين مختلفِ البلدان. فعَلى صعيدِ المناطق، مثلاً، هناك اختلافاتٌ معيَّنةٌ في العقلِ المجتمعيِّ بين المشرق العربيّ والمغرب العربيّ. وفي إِطارِ المشرق، هناك اختلافاتٌ بين بلدانِ الخليج وبلدانِ الهلال الخصيب مثلاً. كما يختلفُ العقلُ المجتمعيُّ في كلِّ منطقةٍ من مناطقِ البلدِ الواحد. فضلاً عن تمـيُّزِ الفئاتِ المجتمعيَّةِ الأُخرى وتنوُّعِها: الطبقيَّة والدينيَّة والطائفيَّة والقوميَّة والعشائريَّة وغيرها. ومع كلِّ ذلك، فإِنَّ جميعَ هذه البلدان والمناطق والفئات، تتَّفقُ، قليلاً أَو كثيرًا، مع العقل المجتمعيِّ العربيِّ الأَكبر في بعضِ الصفاتِ المشترَكة، الذي يتَّسمُ بدَورِه بخصائصَ معيَّنةٍ تختلفُ أَو تتَّفِقُ أَحيانًا، مع العقلِ المجتمعيِّ الإِسلاميِّ الأَكبر، وهذا يتميَّزُ عن العقلِ المجتمعيِّ الأُوروبيِّ مثلاً، وقِسْ على ذلك.
"وعلى سبيلِ المِثال: هناك بعضُ الاختلافاتِ في العقلِ المجتمعيِّ لكُلٍّ من الطائفتَين الشيعيَّة والسنِّـيَّة، ومع ذلك تنضوي كلتاهما تحتَ خيمةِ العقلِ المجتمعيِّ الإِسلاميّ، وفي نفسِ الوقتِ تخرجُ أَجزاءٌ مهمَّةٌ منهما عن الدائرةِ العربيَّة. كذلك بالنسبةِ للطوائفِ المسيحيَّة التي تختلف أَو تتَّفقُ فيما بينها، ولكنَّها تشتركُ، أَحيانًا، مع العقلِ المجتمعيِّ العربيِّ في بعضِ الخصائص." ("مجلة صوت داهش"نيويورك، عدد خريف 2003 ). انتهى الاقتباس.
6- وبغية أن تكون فكرة "العقل المجتمعي" واضحة، لاسيما للأشخاص الذين لم يطلعوا على الكتاب، او لم ينتبهوا إليها، أنقل أدناه الفقرة المتعلقة بفرضية العقل المجتمعي، في نفس هذا الكتاب:
"العقلُ المُجتمَعيُّ" ذاكرةُ المجتمع وهُويَّـتُه
"وقد افترضنا أنَّ هناك "عقلاً مُجتمَعيًّا لا شعوريًّا" يتكوَّن لدى أيِّ مجتمعٍ نتيجةَ تراكُم الماجَريات التي مرَّت على المُجتمع خلال سَيرورته التاريخيَّة وصَيرورته المُجتمَعيَّة، أي تشَكُّلِه الهيكليّ أو البِنيَويّ، باعتباره مجتمعًا مُتميِّزًا. لذلك فإنَّ كلَّ مجتمعٍ يحملُ في طيَّاتِ كيانه (أو عقله) قِيَمًا وأعرافًا وتقاليدَ وقواعدَ ومعاييرَ مُتميِّزة تُشكِّلُ خصائصَ ذلك المجتمع.
"قد يُعتَرضُ على هذه الفرضيَّةِ/النظريَّة الخاصَّة بالعقل المُجتمَعيّ بأنَّ العقلَ ميزة خاصَّة بالإنسان دونَ غيره، ونابعةٌ من "شخصيَّـته"، فنقول:
"إنَّنا نفترضُ كذلك أنَّ للمُجتمع "شخصيَّةً معنويَّة" أو شخصيَّةً اعتباريَّة تُشبه إلى حدٍّ بعيد الشخصيَّاتِ الاعتباريَّة التي تكـتسبـُها الجمعيَّـاتُ والمؤسَّساتُ والشركاتُ التي يؤلـّـِفـها الأشخاصُ الحـقـيـقـيُّون. وهي لا تختلف عن الشخصيَّة الاعتباريَّة التي تكتسبها تلك الهيئاتُ إلاَّ من ناحية كونها موجودةً بحُكم الواقع DE FACTO لا بحُكم القانون DE JURE . وهي في طريقها لاكتساب الوجود القانونيّ، أو بالأحرى قد اكتسبَت الوجودَ القانونيّ أحيانًا. ألا يُعتبرُ "الاتِّحادُ الأوروبيّ" شخصيَّةً اعتباريَّة قانونيَّة، إذ إنـَّـه يُمثِّل مجتمعًا يتميَّـز بصفاتٍ مُشتركة وتاريخٍ مُشترك وثقافةٍ مُعيَّنة، فضلاً عن المصالح الاقتصاديَّة المشتركة؟ ألا تُـشكِّـلُ "الجامعة العربيَّة" كيانًا اعتباريًّا ذا شخصيَّةٍ قانونيَّة دوليَّة تُمثـِّل مجتمعًا يتميَّز بخصائصَ مُحدَّدةٍ وتاريخٍ مشترك ولغةٍ واحدة وثقافةٍ وتُراث إلخ؟ كذلك الأمر بالنسبة لـ"منظَّمة الوحدة الإفريقيَّة"(الاتحاد الأفريقي) أو غيرها من المنظَّمات الإقليميَّة والشعبيَّة أو الأهليَّة، وهلمَّ جرًّا.
"وقد يُقال إنَّ للإنسان ذاكرةً تـُشكِّـل الجانبَ الشعوريّ أو اللاشعوريّ لعقله الذي يُشكـّـِل شخصيَّته المتميِّزة، فكيف يمكن أن نتصوَّر أنَّ للمجتمع ذاكرة ً يختـزنُها عقـلُه المزعوم؟ فنقول:
" إنَّ للمجتمع ذاكرةً أيضًا، بل إنَّ ذاكرةَ المجتمع أقوى آلافَ المرَّات من ذاكرة الإنسان العاديّ، لأنَّها تحملُ جميع ما مرَّ بالمجتمع من أحداثٍ وتجارب، منذ أقدم عصوره حتى اليوم، بل أكثر من ذلك، إنَّها تحملُ نتائج الأحداث التي لا نعرف عنها شيئا، لأنـَّها ضاعت في بطون التاريخ غير المسجَّل وغير المعروف. وإذا علمنا بأنَّ معظمَ تاريخ البشريَّة مجهولٌ، وأنَّ معظمَ تاريخ أيِّ مجتمعٍ ضائعٌ، فينبغي أن نعلمَ كذلك أنَّ ذاكرةَ المجتمع تحمل جميع هذه الحلقات الضائعة. لذلك علينا أن نـُحلـل ذاكرةَ المجتمع هذه لعلنا نتوصَّل إلى تلك العناصر الضائعة من تاريخ البشريَّة. فهناك آلافُ التقاليد والأعراف والقِيَم والمعتقدات التي يحملُها كلُّ مجتمع لا تزال مجهولةَ الأُصول التاريخيَّة؛ بل يذهبُ عُلماءُ الأنتروبولوجيا للبحث عنها لدى الشعوب البدائيَّة باعتبارها تُمثــِّل فجرَ التاريخ البشريّ.
"وقد يُقالُ إنَّ للإنسان عقلاً يـُميّـِزُ به بين الخير والشرّ والصالح والطالح، ويُعبِّر عنه في كلِّ تصرُّفاته، فبأيِّ وسيلةٍ يُميِّزُ "العقلُ المُجتمَعيّ" بين الخير والشرّ والحَسن والقبيح، أي كيف يُعبِّر عن نفسه؟ فنقول:
"إنَّ للمجتمع كذلك هذا العقلَ المميِّز. ويعبِّر عن عقله ذاك عن طريق "خلاياه الحيَّة"، وهُم الأفراد المُكوِّنون لجسمِه وكيانِه، الناطقون باسمه، والُمتحدِّثون بلسانه، والمُدافعون عن قِيَمه وإيديولوجيَّته. فهم ينظرون إلى الأشياء بعقل مجتمعهم ذاك، ويُميِّزون بين الخير والشرّ والصالح والطالح والحَسن والقبيح استنادًا إلى ما يراه عقلُ ذلك المجتمع.
"والمُفارقة الصارخة، المُضحِكة المُبكِية، أنـَّنا جميعًا ضحايا ذلك العقل الجبَّار والحاكِم المُطلَق، حينما نُدافع عن قِيَمنا وتقاليدنا وتُراثنا ومُعتقداتنا، بل حتَّى عن آمالنا وتطلُّعاتنا، إذْ نتصوَّر أنَّنا نُعبِّر عن آرائنا وأفكارنا. وفي الواقع نحن نعبِّر عن الآراء التي تدور في عقل ذلك المجتمع، إذْ يفرضُها علينا فرضًا من حيث لا ندري ولا نشعر.
"ولئن قلنا إنَّ العقلَ البشريّ ما هو إلاَّ المحصِّلة النهائيَّة للعوامل الوراثيَّة والعوامل البيئيَّة، فإنَّ العوامل الأخيرة ما هي في الواقع إلاَّ العقل المُجتمَعيّ الذي يُغذِّي الفردَ منذ طفولته بإيديولوجيَّته ومفاهيمه وقِيَمه. لذلك ينشأ الفردُ خاضعًا لتلك المفاهيم والقِيَم. ونادرًا ما يتساءل عن صلاحيَّتها وهُويـَّتها وعقلانـيَّـتها وجذورها. وهنا هنا يدخل دورُ "العقل الفاعل"، حينما يشرع بهذا التساؤل في مقابل "العقل المنفعل" الذي يخضع للعقل المُجتمَعيّ دون أيِّ اعتراض.(الكتاب ص92-94).انتهى الاقتباس.
7- * الوحدة المجتمعية ،تعربف
نقصد بالوحدة المجتمعية في هذا البحث، كل جماعة تتألف من عدد كبير اوصغير من الأشخاص، تتصف بخصائص محددة متميزة، وتتفق، ضمنيا، على قيم ومفاهيم ومعتقدات معينة، وتتبع طرائق خاصة في تنفيذها، قد يمكن أن نسميها الأعراف والتقاليد والسلوكيات. هذه الوحدات تتراوح في حجمها من عشرات إلى ملايين أو مئات الملايين من الأفراد: من العشيرة أو الأسرة الممتدة extended family، إلى الدولة/الأمة، فالأمم الكبيرة، المقسمة إلى دول، كالأمة العربية؛ مرورا، على سبيل المثال، بالطبقات الإجتماعية، وسكان المدن والأرياف والبدو الرحل، والأديان والطوائف. . .إلخ ونحن نرى أن كل وحدة من هذه الوحدات تتميز بعقل مجتمعي خاص. ومع ذلك فإن كل وحدة مجتمعية صغيرة، تشترك في بعض الخصائص مع وحدة أو وحدات أخرى، يمكنها أن تشكل وحدة مجتمعية أكبر، تدخل بدورها في وحدة أخرى أكبر. وهكذا تتداخل هذه الوحدات فيما بينها، أو تتقاطع أو تتكامل.
وكل هذه التنظيرات خاضعة لمزيد من البحث والتدقيق.
----------------------------------------------

تعليق أسامة الخضراوي
"في الحقيقة أجد نفسي متوافق في الرأي مع تعليق الاستاذ محمد عابد على الكتاب ، فالحضارة الإنسانية مسيرتها واحدة وإذا نظرنا الى اكثر المجتمعات تحضرا اليوم فما هم إلا نتاج لهذه الحضارات السابقة مجتمعة. والتخلف عن الركب يأتي من المجتمعات التي تتشبث بالموروث أو الماضي تشبثا لا معنى له.
واذا نظرنا الى الاسرة كمثال - وهي الوحدة التي يتكون منها المجتمع – نجد نفس الجدل ، فسوف تجد حتما رب الأسرة الذي لا يقبل أبدا أن يكون ابنه مختلفا عما نشأ هو عليه والآخر الذي لديه المرونة بأن يتقبل أن يكون ابنه مختلفا عنه وله شخصيته القائمة بذاتها.
---------------------------

إجابة المؤلف

أقدّر غاية التقدير اهتمامكم بالرد والتعليق على الكتاب.
1- أما بشأن اتفاقكم مع الأستاذ محمد عابد حول تواصل الحضارات وتكاملها، فقد قمت بالرد على ذلك في الجزء الخاص به. وأنا اتفق معكم طبعا في موضوع تكامل الحضارات. علما أن كتابي لا يتعارض مع هذه النظرية، بل يؤيدها.
2- كما أتفق معكم بأن أكثر الحضارات تقدما، تمثل المحصلة النهائية لتطور طويل بدأ باكتشاف الزراعة وانتهى بغزو الفضاء وثورة المعلومات، مرورا بحضارات كبرى من أهمها: السومرية والمصرية واليونانية والعربية الإسلامية فالغربية. وقد أكد المؤرخ الأمريكي نوح كريمر،Noah Cramer في كتابه المعروف" التاريخ يبدأ في سومر"، أن هناك 27 مؤسسة حضارية حديثة قائمة، وجدت أصولها في الحضارة السومرية في جنوب العراق. (أنظر كتابه:
History begin at Sumer; Twenty-seven "Firsts in Man's " Recorded History. )
3- كما أثمـّن تشبيهكم الذكي للمجتمع المتفتح والمجتمع المنغلق بالأسرة المتفتحة والاسرة التقليدية المحافظة التي تنشيء "الولد على سرّ ابيه".
وفي هذا السياق، بحثتُ إشكالية التربية والتعليم وترابطها مع نظرية العقل المجتمعي ونظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل، في خمسة فصول نشرت، في خمس حلقات في مجلة "صوت داهش". ومما قلته تعليقا على النقطة التي تفضلتم بها، بعد أن استعرضتُ أهم النظريات في التربية والتعليم، ما يلي:
" ثالثاً: نظريَّاتُ التَربية ونظريَّتا العَقل المجتمعيّ والعَقل الفاعل والعَقل المنفعل
نَرى أنَّ هذه النظريَّات، المتعلِّقة بوظيفةِ التَربية، التي تَدعو إلى مُختلف أشكال "التطبيع الاجتماعيِّ" وغيرها من التعابير المترادفةِ أو المتقاربة (الوفاقِ الاجتماعيّ، أو الاحتواءِ الاجتماعيّ، أو الذوبانِ الاجتماعيّ) تدعمُ نظريَّة العَقل المجتمعيّ، التي شرحناها بالتفصيل في حلقاتٍ سابقة. فكلُّها تَعني، في نهاية المطاف، وفي صيَغها المختلفة، المُباشرة أو غير المباشرة، أنَّ التَربية، في أيِّ مُجتمع، هي عمليَّةٌ من شأنها تكييفُ الناشئ ليكون عُضوًا مُنسجمًا مع مُجتمعه. وبعبارةٍ أُخرى، يَنبغي أن يُدَجَّنَ عقلُه ويُحَـيَّـنَ أو يكيَّف ليُصبح خاضعًا، بشكلٍ أو آخَر، لموجِبات أو مُسلَّماتِ "العَقل المجتمعيّ" السائدِ في الوحدِة المجتمعيَّة التي يعيش فيها. وهذا ما لا ينسجم تماما مع نظرية إنشاء وحفز العقل الفاعل.
"فالإنسانُ يُولَد بـ"عقلٍ فاعلٍ" أصلاً، يَتوقُ إلى المعرفة ويَعشقُ الاستكشاف. فالطفلُ يطيرُ فرحًا بتلفُّظ كلمةٍ جديدةٍ أو اكتشافِ عُلبةٍ متهرية تحتوي على أشياء بسيطةٍ مُهمَلة، كانت تختفي تحت مِنضَدةٍ عتيقة، أو استكشافِ الحيوانات الأليفةِ ومُعاشرتها؛ فكلُّ الأشياءِ العاديَّة والمألوفة في نظرنا، تُشكِّلُ اكتشافاتٍ جديدةً في نَظر الطِفل ابتداء من سن مبكرة. ولكن غالبا ما يُردع الطفل ويعاقب على رحلته الاستكشافية الناجحة. والناشئُ يستبشرُ ويحتفلُ باختراع أداةٍ أو إبداعِ فِكرةٍ أو باستِكشافِ الغاباتِ والجبال وتعرُّفِ الحيوان. ولكنَّ هذا العَقل الفاعل والمتطلع، يتحوَّلُ تدريجيًّا إلى "عقلٍ مُنفعل"، عن طريق الآخَرين: الآباء والمعلِّمين والكبارِ بوجهٍ عامّ، بل المجتمعِ ككلّ (العقل المجتمعيّ). جميعُ هؤلاء يَفرضونَ عليه قواعدَ ومَوانع، ونواهيَ وقيودًا تتسلَّلُ إلى "عقلِه الفاعل" فتحوِّلهُ إلى "عقلٍ مُنفعل". (وسنفصِّلُ هذه النقطة عند بحثِنا في "إشكاليَّة التربيةِ والتعليم في المجتمع العربيِّ المُعاصر".)
"وهكذا يكتبُ المربُّون، سواءٌ كانوا آباءً أو معلِّمين، في صفحةِ عَقل الطِفل أو الناشئ، ما يُمليهِ عليهم عقلُهم (أي عقلُ المربِّين) المُنفعِل والخاضِع للعَقل المجتمعيّ السائد؛ أي إنَّهم ينقلون إليه قيَمهم ، الخاصة بهم، التي تمثِّل قِيَمَ مجتمعِهم ومفاهيمَه ومُعتقداتهِ ومُسلَّماتِه، إذا اتَّبعها يكون عُضوًا مُنسجمًا صالحًا في مُجتمعِه، وإذا خالَفها سيتعرَّض لعقوبةٍ إمَّا مُباشَرة من جانبِ هؤلاء المربِّين، أو من جانب المجتمع نفسِه الذي سيرفُضه أعضاؤُه أو سيسخرون منه على الأقلّ. لذلك ثار برتراند رَسْل على هذا الأُسلوبِ في التربيةِ وأطلقَ عليه "مؤامرة كُبرى" على حُرِّية الأفراد. وهنا يمكن القولُ إنَّنا جميعًا سُجناءُ في سِجنِ العَقل المجتمعيّ الضيِّق أو الرَّحب حسبَ الأحوالِ والظروفِ التي تُحيقُ بالمجتمع الذي نعيشُ فيه. وهذه مسألةٌ أشرنا إليها سابقًا، ولكنَّها تحتاجُ إلى تَعمُّقٍ وسَبْرٍ وتفصيلٍ في مُناسبةٍ أُخرى.(علاء الدين الأعرجي،"إشكالية التربية والتعليم، في الوطن العربي؛وظائف التربية وعلاقتها بالعقل المجتمعي"، مجلة" صوت داهش" السنة الثانية عشرة، العدد الثالث 2006-2007)، ص41-50.انتهى الاقتباس.

------------------------------------------------------------------------------
تعليق الباشا باشا
"هذا كتاب قيم جدا ويفتح الباب أمام كثير من التأملات والأفكار، ولكنني بعد قراءته الدقيقة لا أشعر بتفاؤل من أننا نستطيع بالفعل تجاوز أزماتنا الحالية وقد يرجع ذلك التشاؤم أساسا الى ارتباط الموروث الثقافي بالمعتقد الديني بشكل يصعب معه تنقية الأول وإعادة فهم الثاني بما يعد أساس أي نهضة في المنطقة العربية".
------------------------------------

إجابة المؤلف
1- أشكركم على تعليقكم الذي يدل على فهم عميق للكتاب، وهذا قليل بل نادر في هذا الزمن الذي أصبح فيه الإنسان العربي لا يقرأ وإذا قرأ فقليل ما يفهم، دعك عن التأمل والتفكير والنقد. فنحن أكثر الأمم أميّة: 43 في المائة، وهي أكبر نسبة في العالم، وأقل الأمم قراءة ًبكل أسف. وتشكل هذه الحقيقة المرّة، جزءا رئيسيا من أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي.
2- القصد من الكتاب هو دق ناقوس الخطر وتشخيص الداء ومحاولة وصف الدواء، وليس بث روح التشاؤم واليأس، بل توعية المثقفين العرب من أمثالكم، وحثهم على مضاعفة الجهود وابتكار وسائل الكفاح المتواصل والثابت. ومما قلته في هذأ السبيل في خاتمة هذا الكتاب :
" ومن هنا نرى أن هذه النظرية(نظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل) يمكن أن تكسر حلقة التخلف عن طريق زيادة كمية ونوعية هؤلاء الرواد المغامرين الذين يتحدّون العقل المجتمعي، بعقلهم الفاعل، حتى يتغير وجه المجتمع ويرتقي في سلم التقدم. ويتحمل المثقفون العرب، بما فيهم الصحافيون والجامعيون، مسؤولية كبرى في الدفاع عن هؤلاء المفكرين، بل الالتحاق بهم، للتعاون على كسر الحصار المضروب على الفكر من جانب حراس العقل المجتمعي المتخلف. وأرى أن على المثقفين العرب الذين يؤمنون بحرية الفكر ودور الإنسان وقيمته، بصرف النظر عن معتقده ولونه وجنسه، تشكيل جبهة موحدة في إطار منظمات ثقافية تعمل بين أمور أخرى، على حماية رواد العقل الفاعل والدفاع عنهم.
علما أن نظرية العقل المجتمعي ونظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل تنطبقان على جميع المجتمعات البشرية، في كل زمان ومكان".(ص 220)
3- وهكذا يجب أن لا نيأس، بل نظل نكافح ونعمل على تجاوز أزماتنا القائمة أو بعضها على الأقل، " فهمم النساء والرجال تزيح الجبال". ولنتأس َّ باليهود الذين كانوا مجتمعا مشتتا ليس له أي كيان قبل قرن واحد فقط ، أصبحوا يجتمعون في كيان دولي معترف به، ومرشح ليصبح من أكبر الدول المصنعة في عام 2020. أي يلتحق بمجموعة G8 لتصبح G9(انظر "إسرائيل 2020؛ خطتها التفصيلية لمستقبل الدولة والمجتمع" 17مجلدا، ترجمة "مركزدراسات الوحدة العربية").

4- أتفق معكم حول المسألة المهمة التي طرحتها بشأن ترابط الموروث الثقافي والمعتقد الديني "بشكل يصعب معه تنقية الأول وإعادة فهم الثاني بما يعد أساس أي نهضة في المنطقة العربية". وأرى أن كتابي هذا يستهدف، بوجه عام ، في سطوره وبين سطوره معالجة هذا الموضوع.
5- كما يمكن اعتبار هذه المسألة مرتبطة بإعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي كمشروع كبير دعونا إليه في عدة مناسبات سابقة ، لاسيما من خلال الدعوة إلى أنشاء موسوعة عربية جامعة تأخذ على عاتقها كتابة التاريخ العربي الإسلامي .(انظر إشاراتي إلى كتاباتي بشأن الموسوعة في ردي على د. حمد ربيع أدناه". علما أنني أشرت إلى ذلك في كتابي في بعض المواضع منها:
"وأخيرا إشير إلى أهمية إعادة كتابة التاريح العربي الإسلامي. فالعرب لم يتمكنوا في العصر الحديث من كتابة تاريخهم بمنهجية علمية حديثة. ومن المفارقات الصادمة أن الأجانب اهتموا بكتابة التاريخ العربي الإسلامي أكثر من العرب، لاسيما من خلال "دائرة المعارف الإسلامية"، التي كتب معظمها منذ العشرينيات من القرن الماضي بإقلام المستشرقين الأجانب. ولن يتمكن العرب من النظر في مستقبلهم دون معرفة كافية بتاريخهم بكل ما فيه من صفحات بيضاء أو سوداء".(ص221)
6- كما ستلاحظون أن الدكتور محمد ربيع، قد دعا إلى نفس المشروع منذ السبعينيات.(انظر تعليق د. ربيع وردي عليه أدناه )
7- ومن جهة أخرى فإنني قد بحثت موضوع ترابط التراث أو الموروث الثقافي، والمعتقد الديني من خلال بحث "قراءة التراث في النص الديني"، في الفصل السابع من الجزء الثاتي من كتاب أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي المنشور في مجلة "صوت داهش" الغراء، التي تصدر في نيويورك. وإليكم هذه الفقرة المسهبة التي تعالج أيضا الصعوبات التي تعترض اعادة كتابة التاريخ، كل ذلك ضمن محور خصائص العقل المجتمعي:
"خصائصُ العقلِ المجتمعيّ: قراءةُ التراثِ في النصِّ الدينيّ
"في هذا الفصل، سنبحث في نقطةٍ أساسيَّة تتعلق بخصائص العقل المجتمعيّ؛ وأقصدُ بها اختلافَ قراءةِ التراث باختلافِ العقول المجتمعيَّة، الأمرُ الذي يؤدِّي إلى الاختلاف والتـنابُذ، بل الصراع الدمَويّ أحيانًا، وهو ما يحدث اليوم في بعض أجزاءالوطن العربي(العراق ولبنان مثلا). الحال الذي يخدم أغراضَ "الآخَر"، بل يسعى إلى تغذيتِه وتأجيجِه.
اختلافُ قراءاتِ التُّراثِ وَفقًا لتأثيرِ العقل المجتمعيّ
ذكرنا في الفصل السابق أنَّ العقلَ المجتمعيَّ يمكنُ أن يُعتبَرَ السجلَّ الأمثلَ لتاريخ المجتمع، وذلك لأنَّه يُسجِّلُ حتَّى الحلقاتِ المفقودة والمطمورة والمستورة، بالتفصيل المذكور في ذلك الفصل.
ولكنَّنا سنبحثُ في هذه الفقرة نقطةً أساسيَّة أُخرى تُسهمُ في تفهُّم أبعادِ العقل المجتمعيّ وعلاقتِه بالتراث( ونحن هنا نفترض أن المعتقد الديني يدخل في صميم العقل المجتمعي). وتنبثق هذه النقطةُ من سؤالٍ مَفادُه: على صعيد العلوم الإنسانيَّة، وبقَدرِ ما يتعلَّقُ بالتاريخ المدوَّن، ماذا يُسجِّلُ العقلُ المجتمعيّ في ذاكرته من التاريخ؟ هل يُسجِّلُ الحدثَ كما هو، أم الحدثَ منظورًا إليه بنظرةٍ معيَّنة، أو بالأحرى يُسجِّلُ "انطباعات" الفكر البشريِّ عن الحدَث؟
الواقعُ إنَّ الجزءَ الثاني بما فيه الثالث، من السؤال، يُشيرُ ضمناً إلى الإجابة عن الجزء الأوَّل، كما هو واضح.
"فالعقلُ المجتمعيّ ليس كيانًا مستقلاًّ عن "الوحدة المجتمعيَّة"، بل هو جزءٌ منها، تُؤَثِّرُ فيه ويتأثَّرُ بها، أي يتفاعلُ معها بنسَقٍ ديالكتيكيّ (جدَليّ). وما دام الأمرُ كذلك، فإنَّ "انطباعات" الأحداث التاريخيَّة هي التي تُسجَّـلُ في العقلِ المجتمعيّ، وليست الأحداث ذاتها. والفرقُ كبيرٌ ومهمّ بين الأمرَين. بعبارةٍ أُخرى، إنَّ قِيَمَ ومفاهيمَ الفرد الذي يعيشُ في مجتمعٍ معيَّن تكون متأثِّرة بهذه "الانطباعات" التي يُسجِّلُها "العقلُ المجتمعيّ" أكثر من غيرها؛ أي إنَّ تلك القيمَ والمفاهيمَ لا تكون متأثِّرةً بالأحداث ذاتها، أو بالحقائق التي كانت قائمة فعلاً على أرض الواقع، بقَدرِ ما تكونُ متأثِّرة بالانطباعات الناجمة عنها. ذلك لأنَّ الجوانبَ الحقيقيَّة الصحيحة، إن صحَّ التعبير، من تلك الوقائع أو الأحداث، تظلُّ غامضة، أو ناقصة، وربَّما مجهولة تمامًا، وذلك لعدَّةِ أسباب؛ منها: غيابُ الوثيقة التاريخيَّة أو نقصُها (أقصد بالوثيقة التاريخيَّة كلَّ أثَرٍ تاريخيّ سواءٌ كان أداةً أو كتابةً أو رسمًا، وما إلى ذاك)، أو بسبب قصور السَّردِ التاريخيِّ الدقيق، أو اختلافِ المؤرِّخين في النظرةِ إلى الحدَثِ الواحد، أو بسبب تأثُّرِهم باتَّجاهٍ سياسيّ أو إيديولوجيّ معيَّن، أو نقلِهم لجانبٍ معيَّن من الحدَث، بسببِ التزييف المتعمَّد للحدَث، مثلاً، أو التشويه المقصود أو غير المقصود له، أو إضافة أو اختلاق أحداثٍ غير موجودة أصلاً إلخ. وقد حذَّر ابنُ خلدون المؤرِّخين من تلك" المَـزلاَّت والمغالط، لأنَّ الأخبارَ إذا اعتُمِدَ فيها على مُجرَّدِ النقل ولم تُحكَمْ أصولُ العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران... فربَّما لم يُؤْمَن فيها من العثور ومَـزَلَّةِ القدَم والحَيْدِ من جادَّة الصدق. وكثيًرا ما وقعَ للمؤَرِّخين والمفسِّرين وأئمَّةِ النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرَّدِ النقل، غثًّا أو سمينًا." 1
"كما إنَّ من أهمِّ السلبيَّات التي يشكو منها التاريخُ المدوَّنُ الجانبَ المسكوتَ عنه من تاريخ الإنسانيَّة بوجهٍ عامّ، وتاريخِ مختلفِ المجتمعات بوجهٍ خاصّ. فالمؤَرِّخُ الذي ينتمي إلى الفئة "ألِف" من المجتمع قد لا يتحدَّث، في الغالب، عمَّا يحصل لدى الفئة "باء". ومُؤرِّخُ هذه الفئةِ الأخيرة لا يتحدَّثُ بدوره عن الفئة "ألف". فكلٌّ منهم يتجاهلُ وجودَ الآخَر، لأنَّه مُنافسٌ له أو مُعارِض؛ أو قد يأخذُ كلُّ مؤَرِّخٍ أو كاتب من الفرقةِ الأُخرى ما يطيبُ له أو ما يستطيعُ أن يردَّ عليه أو يُفنِّدَه، أو يعتقدُ أنَّه من مثالبها. 2
"إنَّ هذا التنظيرَ الخاصَّ بتسجيل العقلِ المجتمعيّ للانطباعات البشرية عن الحدث التاريخي، مما يؤدي إلى تفسيرات مختلفة، يشهدُ له الخلافُ الطويلُ بين الأديان والإيديولوجيات المتعارضة، بل بين الثقافاتِ أو الحضارات المختلفة، الذي قد يتحوَّلُ إلى صراعٍ دمَويٍّ أحيانًا، كما حدثَ في الحروب الكُبرى التي جرَت عبرَ التاريخ بين الأُممِ التي تنتمي إلى عقولٍ مُجتمعيَّة مختلفة. ومثالها الحروب الدينية بين الكاثوليك والبرتستانت في أوربا(1562 –1592) والحروب الصليبية بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، التي دامت قرنين تقريبا(1096-1291)، كما قد تعتبر الحروبَ، التي جرَت منذ أحداث نيويورك وواشنطن في 11/9/2001، امتداداً لتلك الصراعات القديمة . وكل ذلك يمكن أن يشكِّلُ دليلاً على صحة هذا التنظير، القائم على اختلافِ خَصائِص العقولِ المجتمعيَّة. وهي خصائصُ تتجلى، على الصعيد الظاهريِّ، في المأكلِ والملبَسِ، والآداب العامةِ والتعامل اليوميِّ بين الأفراد، وفي شتى مظاهر الحياة العامة للمجتمع. ولكن الأهم من ذلك، هوتجليات تلك الخصائص على الصعيد الجذريّ، في اختلاف القيّمِ والثقافاتِ والمعتقداتِ، وبالتالي العقليات، التي تؤدي غالباً إلى حروبٍ ماحقةٍ، تعرضنا لشرحها في " نظرية الحرب" في الفصل الثاني.
"كما يَصدُقُ هذا التنظيرُ على معظمِ الفِرَقِ الإسلاميَّة المتناحرة التي تكادُ تتجاهلُ كلُّ فرقةِ منها تاريخَ الفِرَقِ الأُخرى وفكرَها وحُججَها، لأنَّها لا تتلاءمُ مع فكرِها واتِّجاهاتِها، أو تَذكرُ الجوانبَ السلبيَّةَ من الفرقةِ الأُخرى فقط. وهذا يعني إنَّ الخلافاتِ التي تحصل ُبين الفِرَقِ الإسلاميَّة المختلفة ترتبطُ أيضًا بالعقلِ المجتمعيِّ لكلِّ فريق، ذلك العقلِ المتأثِّر بـ"انطباعاته" عن التاريخِ الإسلاميّ أو الشريعة الإسلاميَّة، أو ما نُطلقُ عليه "تفسيرَه له ولها".
"وهذا مثال على صحة تنظيرنا: فالعقلَ المجتمعيَّ "لوحدةٍ مجتمعيَّة" كُبرى،( مثل "الوحدة المُجْتمعيَّة" الإسْلاميَّة، التي تضمُّ الجماعةَ المنتمية إلى العقيدة الإسلاميَّة)، يضم بدوره عقولاً مجتمعيَّة لوحدات مجتمعيةٍ أصغر، قد تتفرع بدورها إلى وحدات أصغر. مثلاً ؛ الوحدة المجتمعية الإسلاميَّة الكبرى تتضمن عدة وحدات مجتمعية أصغر أهمها: أهل السُنّة، الأشاعرة، المُعتـَزِلة، الخوارج، السلفية، الشيْعة. والوحدة المجتمعية الشيعية تتفرع بدورها إلى وحدات أصغر أهمها: الشيعة الإثنا عَشَرِيَّة، الإسماعيليّة، الزيديَّة. وكل وحدة مجتمعية من هذه الوحدات، تتميز بعقل مجتمعي ذي خصائص معيَّنة قد يتفقُ مع عقلِ الوحدةِ المجتمعيَّة الأكبر، في الخصائص الأساسيَّة، ولكنه يختلف عنه في خصائص فرعيَّة، كما يختلف في نفس هذه الخصائص، مع الوحدات المجتمعية الأصغر، وهكذا.
* * *
"وعودة إلى تحفُّظاتِنا بشأن مدى دقَّةِ التاريخ المُدوَّن، لِنلاحِظ اليوم مدى الاختلاف في نقلِ الحدَثِ الواحد بين مصادرِ الإعلام المختلفة، خاصَّةً في تفصيلاتِه ودلالاتِه، مع ملاحظةِ المُسَمَّيات والمصطَلحات، واللهجة ونبرةِ الصوت، وتعابيرِ الوجه، في الوسائطِ المرئيَّة أو المسموعة. ويحدثُ ذلك بوجهٍ خاصّ في نقلِ الحدَثِ الذي يجري من جانب فئاتٍ مُتصارعة أو مُتنافسة؛ علمًا بأنَّ جميعَ الأحداثِ التاريخيَّة والمُعاصِرة والمستقبلة خاضعةٌ لنظراتٍ وتفسيراتٍ مختلفة. فإذا كان الأمرُ كذلك اليوم، وبعد أن وصلنا إلى هذه المرحلةِ من التقدُّمِ الفكريِّ والتكنولوجيِّ والإعلاميّ، فما بالُك بالأخبار التي وصَلتنا عن أحداثٍ وقعَت قبل مئاتٍ بل آلافٍ من السنين، وقد تداوَلتها الأيدي والأفكارُ والآراءُ والميول!
"ومن جهةٍ أُخرى، قد تختلفُ قراءاتُ الحدَثِ التاريخيِّ الواحد سواءٌ المسجَّل في كـُتـبِ التاريخ أو في الوثائقِ الأصليَّة (الآثار والكتابات والرُّقُم والمخلَّفات)، أو المخزون في العقلِ المجتمعيّ، تبَعًا لاختلاف الأفراد. بل قد تختلفُ تلك القراءاتُ باختلاف الفترة التي ينظرُ فيها نفسُ الفرد إلى نفس النصِّ المسجَّل عن الحدَث، أي تختلفُ باختلاف الزمان، إلى نفس الواقعة المقروءة أو المسموعة، وتفسيرِها أو تأويلِها لها، وأيضًا تبَعًا للسلطةِ التي يفرضُها العقلُ المجتمعيُّ السائدُ في ذلك الوقت.3
"وأرجو أن أَؤَكِّدَ جوهريَّةَ هذه الجزئيَّة الخاصَّة في موضوعِنا، إذْ تعني أنَّ من الطبيعيِّ أن تتعدَّدَ قراءةُ تفصيلات التراث، بل حتى كلِّـيَّاتِه أحيانًا، وبالتالي مفاهيمُ الأفراد له، ثمّ أحكامُهم بشأنه. لذلك ليس من حقِّ أيَّةِ فئةٍ أو جهةٍ أن تفرضَ مفهومَها للتراثِ على الآخَرين، أو تفترضَ أنَّه الأصحّ.
"وتُشكِّلُ هذه النقطةُ الأخيرةُ عينُها سببًا من أسباب كَونِ تراثِنا، حتَّى في جزئه المتميِّز، قد أصبح عبئًا ثقيلاً علينا، بدلاً من أن يكونَ دافعًا للتقدُّمِ والانطلاق؛ ذلك لأنَّ "كلَّ حزبٍ بما لديهم فَرِحون." فكلُّ فريقٍ يرى أنَّ قراءتَه للتراث هي الأصحُّ والأكملُ والأصلح، بل يدعي أنه يحملُ تراثَ الأُمَّة، أو يُمثِّل، في إطار بحثنا، "عقلَها المجتمعيّ" الصحيح، وله الحقُّ في فرضِ تفسيِره ومفهومِه للتراثِ والدين؛ بل أنَّه الوكيلُ الوحيدُ عن الله تعالى، على وجه الأرض. وكمثالٍ على ذلك، فإنَّ صراعاتِ الماضي، وخاصَّةً الصراعَ على الخلافة، ما تزال تُشكِّلُ بُؤَرًا مُستدامة لصراعات الحاضر بين الفِرقِ الإسلاميَّة المختلفة، ذلك لأنَّ العقلَ المجتمعيَّ لكلِّ فرقة يظلُّ مُتمسِّكًا بانطباعاته عن تلك الصراعات وظروفها وتفصيلاتها، كما شرحنا آنفًا. وقد يحدثُ هذا ليس بين العامَّةِ أو بين رموز الفِرقِ الدينيَّةِ والمذهبيَّةِ المختلفة فحسب، بل بين بعض المثقَّفين أحيانًا أَيضًا.4 فضلاً عن أنَّنا نظلُّ نتمسَّكُ بحديثٍ مشكوكٍ فيه يقول: "ستفترقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة. قيل: ’من هي يا رسول الله؟‘ قال: ’ما أنا عليه وأصحابي.‘"وفي صَدد هذا الحديث يقول المفكِّرُ حسَن حنَفي: "إنَّ أشدَّ ما أضرَّنا حديث "الفرقة الناجية"، المشكوك في صحَّتِه عند ابنِ حَزم، والذي يُكفِّرُ اجتهاداتِ الأُمَّة كلّها، ولا يستبقي إلاَّ واحدًا هو اجتهادُ الدولةِ القائمة."5 ونضيف أن هذا الحديث لا يبقي فقط على "اجتهادُ الدولة القائمة" بالضرورة، بل يؤدي إلى أن يعطي الحق لكلّ فرقة أو طائفة دينيَّة أو مذهبيَّة، ضمن الدولة القائمة، أن تدَّعيَ أنَّها الفرقةُ الناجية، وأنَّها على حقّ، وما عداها باطلٌ ومرفوضٌ وكافر، ينبغي تصفيتُه!
"ولا ينطبقُ هذا على الإسلاميِّين فحسب، بل يسري أَيضًا على مختلف الفئات العَلمانيَّة الأُخرى التي ما إنْ وصلَت إلى دَستِ الحُكم، بعد الاستقلال، حتَّى هَمَّشت أو صَفّت الفئاتِ الأُخرى المعارضة، أو أودَعَتها السجون. وهذا، على الأرجح، أحدُ الأسبابِ الأساسيَّة التي أدَّت إلى أنَّ العالَمَ العربيَّ أَو العالَم الإسلاميَّ يُعاني اليومَ من التشرذُم والتنافر، رغم كل الدعواتِ والشعارات التي رُفِعت منذ أكثر من قرنٍ في سبيلِ وحدةِ العالَمِ العربيّ أو الإسلاميّ، ذلك العالَمِ الذي أصبح لا يفتقرُ إلى أدنى حَدٍّ من الوحدة أو التكامل فحسب، بل إلى أدنى حدٍّ أَيضًا من التوافُقِ أو التفاهُمِ على المصالح المشتركة وتبنِّي إستراتيجيَّة واضحة ومستقلَّة، لمُواجهة "الآخَر". وكلُّ هذه الظواهر وغيرُها يُمكنُ تفسيرُها بتخلُّفِ"العقل المجتمعيّ" المحكوم بنمَطِ "الفهمِ التراثيِّ للتراث"، بتعبير محمَّد عابِد الجابري، أي أخذه كمجموعة "ثوابت" ينبغي فهمُها كما فهمَها السلفُ الصالح." (مجلة "صوت داهش"، عدد شتاء 2004، ص 26-33).إنتهى الاقتباس.
----------------------------------------------------------------------
نص تعليق د. محمد ربيع
" قرأت عرض السيدة بسمة لما جاء في الكتاب، ويبدو أنه تعرض بشكل أو بآخر لبعض القضايا الهامة التي تشكل أزمة بالنسبة للعقل والعمل العربي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنني كنت قد طرحت هذا الموضوع أثناء عملي في الكويت في السبعينات. وتم انعقاد ما أعتبره أهم واكبر تجمع لمفكرين ومثقفين عرب في شهر إبريل من العام 1974، أي قبل ربع قرن تماما، وكان المؤتمر تحت عنوان "أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي" وصدرت أبحاثه في مجلد كبير عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت وقامت مجلة الآداب بنشر معظم الأبحاث في عدد ممتاز صدر في نفس الشهر من نفس العام. أرجو أن يكون الكاتب قد اعترف بمساهامات من سبقه على هذا المضمار.
كذلك كنت صاحب اقتراح "إعادة كتابة التاريخ العربي" في عام 1972، وكان من المفروض تأسيس "معهد التاريخ العربي" في جامعة الكويت، لكن المشروع تعثر.
آملا ان تتاح لي الفرصة لقراءة الكتاب."
------------------------------------------------
تعقيب المؤلف
شكرا على ملاحظتكم بشأن عنوان الكتاب، وتقديري الكبير لاهتمامكم به.
نعم، اطلعت على هذا المؤتمر الهام ، الذي اشترك فيه عدد من أبرز المفكرين العرب في ذلك الوقت، بمن فيهم المفكر د. محمد ربيع، الذي طرح الموضوع ، ومنهم ، أستاذي السابق في جامعة بغداد، د. علي الوردي، وأقصد به " ندوة أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي"( الكويت، 1974). وقد أشرت في كتابي هذا ، بأنني اقتبست العنوان من "تلك الندوة الثرّة" ( انظر ص200).
كان هذا المؤتمر/ الندوة، عملا متميزا وخارقا بكل معنى الكلمة. فلم يتحقق قبله أي تجمع فكري تناول هذا الموضوع بهذا العمق وهذه الشمولية، أما بعده، فربما المؤتمر الوحيد الذي يضارعه، هو الندوة التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان " نحو مشروع حضاري نهضوي عربي" ، في فاس (المغرب)، خلال الفترة 22-26/4/2001. وقد شارك في هذه الندوة عدد كبير من المفكرين البارزين.
وقد أشرت إلى هذه الندوة/ المؤتمر (أقصد ندوة الكويت)، في مداخلة في المؤتمر القومي العربي، في دورته الثامنة، المعقودة في القاهرة في عام 1998، وذلك في سياق طرحي فكرتي الأساسية التي تقضي بان معظم المشكلات والتحديات، التي تواجه الأمة العربية، إن لم تكن جميعها، تعود، على الأرجح، إلى سبب جذري واحد هو "التخلف الحضاري".
وتكررت إشارتي إلى تلك الندوة في كثير من كتاباتي، لاسيما عندما أستشهد ببعض أفكار وأقوال بعض المفكرين المشتركين فيها.
ومن جهة أخرى، أرى أن هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات التي تضاعفت اليوم في الوطن العربي، لم تتمكن من وضع آليات عملية كفيلة بالتحسين والإصلاح. كذلك لم تحصل، حسب علمي، بعد هذا المؤتمر المعقود في الكويت، محاولات لمتابعة قراراته وتوصياته المهمة التي وردت في البيان الختامي. مع أنه كان قد قرر تحويل تلك الندوة إلى ندوات دورية!! هل حصل ذلك؟ لا أعلم، مع أنني اتابع قدر الإمكان.
وبعد أن تلقيت تعليقكم تذكرت اسمكم الذي تصدر محاضرتكم القيـّمة في ندوة الكويت، تحت عنوان" الرؤيا المستقبلية من خلال واقع عربي متخلف"، التي قرأتها منذ سنوات طويلة. فعدت إليها، لأنني تشرفت بالتعرف عليكم اليوم من خلال تعليقكم هذا. وتأكدت أنها تتسم بقدر عال من العمق والشمول والموضوعية، فضلا عن أنها تتماهى مع أفكاري بوجه عام، ومع كتابي هذا بوجه خاص.
ومع أنني اطلعت على إشارتكم في بحثكم المهم المذكور أعلاه حول "كتابة التاريخ العربي التي اعتمدت الأسلوب المجزأ الاستاتيكي، السكوني الجامد. . .إلخ"، بيد أنني اتمنى أن أطلع أكثرعلى اقتراحكم بشأن مشروع إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي . علما أنني كتبت دراسة مسهبة عن هذا الموضوع وأرسلتها إلى إحدى الدوريات المهمة . كما أنني طرحته لأول مرة في محاضرة ألقيتها في مركز الحوار العربي الأمريكي، في واشنطن ، في عام 1996، بشأن مشروع إنشاء مؤسسة موسوعية في المهجر، تضطلع بتحرير موسوعة عربية جامعة. ومن أهم أهدافها إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي. ومما قلته في تلك المحاضرة ، أن التاريخ العربي الإسلامي الموثـّق والمعمق، لم يكتب بعد. ونحن أحوج مانكون لفهم تاريخنا لفهم أنفسنا، باعتبارنا امتدادا لذلك التاريخ. وقد كتبت عن مشروع الموسوعة، الذي يتصدره هذا الهدف، عشرات المقالات والدراسات لاسيما في صحيفة القدس العربي، لندن(انظر مثلا:"الموسوعة العربية في المهجر؛ محاولة شابة بين عدة محاولات هرمة، القدس العربي، 25/8/1995 ؛ و" الموسوعة العربية الجامعة؛مسؤولية المثقفين العرب في المهجر، 4/1/1996؛ و" مشروع الموسوعة العربية في المهجر؛ خطوة للتعويض عن خسائر هجرة الكفاءات"(7-8/9/ 1996 )، و"ما معنى الموسوعة؟"(21/3/1996)، و" الأعمال الموسوعية وروادها في فترة الحضارة العربية الإسلامية" و"استعراض بعض الاعمال الموسوعية في الغرب (7/3/1996 )، و" على هامش المؤسسة الموسوعية ؛ محاولة تطبيق نظرية توينبي في التحدي والاستجابة على كوارث العالم العربي"(4/11/1996) ، وغيرها.
وفي هذا السياق، قد تلاحظون بعض الإشارات إلى إشكالية نقل الحدث التاريخي في تعليقي السابق على ملاحظات الباشا باشا، من خلال الاقتباس الوارد فيه، مما يشكل جزءا من صعوبة كتابة أي تاريخ.
سؤالي حول إشارتكم إلى "عرض السيدة بسمة"!! هل هي مقالة السيدة بسمة الجالودي، في مجلة "كتابات معاصرة"في عدد شباط 2005؟
كنت أتمنى أن أتشرف بإهدائكم نسخة من الطبعة الثالثة الصادرة مؤخرا من دار أخبار اليوم القاهرية، لو كانت متوفرة عندي. مع ذلك أرسلت إليكم نسخة بالبريد الإكتروني ريثما تتوفر عندي بعض النسخ، أو تحصل على نسخة ورقية من دار أخبار اليوم القاهرية، أو عن طريق منتدى الكتاب العربي.

علاء الدين الأعرجي
نيويورك ، في 6 تشرين الأول / أكتوبر، 2009