Back to
In the News
 
إرجع الى الأخبار

كركوك رائحة التراب وطعم الطمي


 
 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


لقاء مع الشاعر والكاتب والرسام المحامى حكيم نديم الداوودي
اجرى اللقاء: الدكتور توفيق آلتونجي ــ ستوكهولم ــ
 

ارى ان يكون الحكمة مرافقة لاسمك النبيل في المستقبل فكل من شرب من مياه "روخانه" سيناله عقاب الالهة اذ يمنح الحكمة ومعرفة كنه الاشياء وتعددية المواهب وغزارة الانتاج حكيم من المحاماة الى الشعر البوابة الواسعة للروح ومدى اللانهائي لفرح الروح الطفولي وافاق المجهول واحلام الانسان منذ الازل حيث كان يضع الزهور على قبور موتاه في كهف شاندري الكركوكية ذلك الكهف الذي اعطى للبشرية معلومات نادرة عن الانسان الاول "النياندرتال".

الحديث مع "الحكيم" سفر بين الازمان وعالم الابداع في روح هذا الانسان المقاوم لتوقف الزمن والديناميكي روحا وفكرا والحامل للفكر والحلم بيوم سعيد التقيته على غفلة من الزمن رغم اننا نرتبط برباط محلي قوي – كرميان- وتلك البقعة الطيبة من الارض الذي ترك اجدادنا الأثر الاكبر فيها مكونين نسيجاً ثقافياً تعددية الاعراق والثقافات. مستندين على اسس التسامح والحوار الحضاري الانساني فكانوا حقا ممن حملوا الفن الابداعي. من كتابة وشعر وفن وغناء وطرب وازياء وماثورات هنا ترى اجمل القلل وابداعات الخزف في تطويع الطين ونحت الاشكال البديعة في "طوز خورماتو" وتلتقي ب المطرب الشعبي صلاح داووده مع فرقته الموسيقية الشعبية يرددون اشعار شعبية ورثوها عبر الزمن كإارثٍ ثقافيٍ بديع. ينشرون الفرحَ والسعادةً. بين ابناء المنطقة في الاعراس والمناسبات . والافراح هنا تلتقي بمطرب التوركمان الشعبي أكرم طوزلي يغني ويبدع وتشاهد بوادر حركة ادبية يربط النص مع مكونات هذا الارض الطيبة المعطاه. في كتابات الاخ العزيز "زهدي الداوودي" الذي يغوص في روح انسان كرميان ليجد بين شغاف قلبه ذلك الوهج المقاوم الشرس والثائر امام صطوة الجلادين وجلاوزتهم هنا يسمون الابناء باسماء امهاتهم وتغني الصبايا وهن يحملن القلل المملؤة بالماء االطمي من نهر – روخانه-- الذي يهيج مع مجيئ الربيع الى جبال كوردستان . وباتت ثقافة المنطقة كلها تكون رموزاً واضحةً لمدى خصوبة الفكر الابداعي لانسان كرميان. لنا هذا اللقاء مع حكيم نديم الداوودي ليروي لنا رحلة بدات على اقطاف مدينة العذابات كركوك لتنتهي في محطة اخرى نعد اللتقاء البحر والنهر وخلجانها في عاصمة اسكندنافيا ستوكهولم - ميناء الصواري-

هذا الشاب الذي يطل علينا بين الحين والاخر وعلى صفحات موقع ايلاف بابداعه الادبي والفني وبمظهره الذي يوحي بوجوه ممثلي الاربعينيات حيث كان فتى او فارس الشاشة احمد مظهر وكمال شناوي ورشدي اباظة واخرون كانوا يوما يعتلون عرش قلوب المشاهدات ويملؤون غيظا وحسدا نظرات الرجال . هكذا التقيته عزيزي القارئ الكريم عند زيارتي الخاطفة الى عاصمة اسكندنافيا الغانية المتربعة على صفاف الشواطي التي تلتقي فيها موجات ماء يم البحر المتلاطمة مع انسياب الماء العذب القادم من جوف بلد البحيرات والانهار واعني السويد وعاصمتها استوكهولم الجميلة. التقيته كي اطرح عليه بعض الاسئلة واشاهد ما خطه انامله ليعطي للاشياء والاحجام معنى ولا اخفي عليكم كان علي ان اعود الى العاصمة في سفرة خاصة اجوب فيها متاحف الفن التشكيلي علني اجد اجوبة شافية حول الفن التشكيلي الحديث ومدارسه ومشاربه الذي لا يتعدى معرفتي بجوانبها الابداعية الا بعض التخطيطات وبعض اللوحات ومشاركات متواظعة منذ ايام المدرسة الاعدادية التي كنت قد تحدثت عنها في مقال بحثي سابق حول الفن التشكيلي العراقي ونشرته على صفحات موقع ايلاف الالكتروني منذ عدة سنين خلت. كان علي اولا ان اجوب قاعات المتحف الوطني الملكي السويدي لاستمتع بمشاهدة روائع الفن التشكيلي الكلاسيكي العالمي وقد حالفني الحظ بمشاهدة معرض خاص بالفن الفلمنكي "الهولندي" والمدرسة الفنية التي انجبت العباقرة ك امير الظوء "رامبرات" ولوحات اخرون من تلك المدرسة الفنية وفي احدى قاعات المتحف كان هناك عرض من نوع اخر فقد تم عرض ملابس ومن عصور عديدة وكتابات من اجل اكتشاف اغوار الروح الاسكندنافية وايجاد قواسم مشتركة في روح انسانها وثقافتها ومكوناتها الاثنية البديعة فيلتقي المرء بكلمات الانسانية, الاطمئنانية, التضامن , دافع الحياة , الراحة , الطمئنينة , الشعر, الاصل, التناغم , الوعي البيئي , حب الحياة , التفائل , السعادة, الحرية و...... . وقف دليل المتحف الفني الحديث (الذي يضم اكثر من 4500 قطعة فنية من الرسومات والنصب و300 فلما وفيديو و7000 كرافيك واكثر من 8000 صورة فوتغرافية ) بالقرب من احد المعروضات الفنية وهي على شكل صورة فوتوغرافية كبيرة بعد ان طلب منا جلب كراسي خاصة للجلوس عليها كي لا نتعب من جراء الوقوف في جولتنا في المتحف الذي يقع بالمقربة من المتحف الذي تحدثت عنه اعلاه فسال الحاضرين ان كانوا قد زاروا المتحف من قبل فاجبت بنعم وفي عام 1988 في اول زيارة لي للسويد حيث مكثت عددة اشهر في العاصمة قبل ان اتوجه الى احدى معسكرات الاجئين فرد علي بان المتحف انذاك كان صغير ومعروضاته قليلة جدا فاجبت بلا صدقت ثم ذكرت له باننا زرنا في الواقع متحف الوطني قبل مجيئنا هنا فسر لذلك وقال هذا يسهل امري في محاولة رائعة لتسهيل عملية فهم اللوحة الفنية الحديثة. ان الفن الكلاسيكي محاكاة للواقع بينما يرى الفن الحديث كنه الاشياء والاحجام ويطرح رئيا وفكرا معينا يحتاج الى جهد تحليلي عند المشاهد انطلاقا من تصوراته الشخصية الحرة دون اي قيود وحدود ويحاول ان يرى العالم من داخله بواقعه دون رتوش في محاولة للتغلب وحكم الطبيعة مؤديا في النهاية الى تعبير الشخص عن دواخله الشخصية بحرية حول الكتلة والكم وربما تصل الدرجة في التكوين الى النمنمية في مشاهدة مجهرية لكنه الاشياء او بتكبيرها بملايين المرات فالتكرار في الفن يؤدي في النهاية من افراغ مضمون الاشكال ففي لوحة تمثل الممثلة المعروفة "مارلين مونرو" نجد صورة لها تتكرر خمسة وعشرون مرة في محاولة من قبل الرسام تفريغ مضمون الصورة الجنسية حيث اشتهرت تلك الفنانة في تصوير غرائز الشهوانية لندن البشر وربما يلتفت الى ذلك التعبير بعض السياسيين اللذين يعد صورهم التي تملئ كل مكان الملايين فتتحول الى مجرد صورة فارغة من المضمون . ومن الطبيعي ان الفن التشكيلي الحديث رغم تسمية الحديث فهو يرجع على الاقل الى اكثر من قرن من الزمان وربما اسماء شهيرة ك "بابلو بيكاسو" و" سلفادور دالي " و "برنكوش" ومئات الاسماء الاخرى يضعون افكارهم على شكل تشكيلي ويخلدون بها فكرا ساد في وقت ما وهناك ضاهرة اخرى في عنوان اللوحات .

نرى الكثير من الفنانين لا يحبذون اعطاء اسماء لتلك اللوحات كتكوين وربما السبب في عدم تحديد فكر المتلقي بمعنى الكلمة حيث يحاول المرء دوما ايجاد صلة بين عنوان اللوحة وتفسيره لمعاني ورموز التشكيلة. وليس كما هي بالنسبة للفن التشكيلي الكلاسيكي مجرد محاكات الواقع ونقل واعادة الصورة من الطبيعة بكل تفاصيلها الدقيقة على اعتبار ان الجمالية في الفن للفن والفنان المبدع هو في الواقع عند الفن الكلاسيكي هو المصور المبدع الذي يجيد محاكات الطبيعة بل في بعض الاحيان يفوق قدراته علىنقل تلك الصورة باضافة اجمل الالوان واحلاها فينبهر عيون المشاهد.

سالته عن ما وراء كل ذلك الطابع الحزين وربما اليأس والقنوط الممتزجان باحلامه, ذلك الحزن الدفين في فؤاد الفنان حكيم؟. فرد قائلا:

لقد فتحتَ لذاكرتي من خلال استفهامكَ المنطقي، ابواباً اخرى من عالم التغريب القسري الذي عاشه الفنان والشاعر. وفي بلدِ حضاري مثل العراق، بلد افاد كل المكونات الانسانية بروحه المفتدية رغم اصابته المزمنة بالحكام الغير المنصين حتى مع ذاتهم. حضارةٌ اضافتْ ابعاداً ساميةً في اجدية الانسان التائه وراء كنه ذلك الوجود والصراع الازلي، وراء الاهتداء لفك شفرة الخلود في ملحمة كلكامش. حيث لم يستشرهذا الكائن المخلوق في تكوينه لماذا ولج الحياة بالصراخ والزعيق. ولماذا يشيّع عنوة بعد الثبات وعلى غفلة من امره بالبكاءوالحسرات المكبوتة نحو عالم ميتافيزيقي والذي يسمونه اهل تفسير رحلة الروح بالبرزخ والحجاب.رغم تعلق الانسان بالبقاء حد الخلود، ومثله مثل تلك الفراشات المحترقة والمحلّقة حول ذؤآبات الشموع طلباً لسنا العشق والفناء. فحال كل فنان وشاعر حال تلك الفراشات الهائمة يتوق لعشق الضياء. فالحزن الشفيف والتذمر من ادعياء الانسانية، رسالة كل شاعر وفنان يبتغي تعرية ملفات اللجبابرة على مر العصور ولهذه الساعة، وكيف ينحرون طيور المحبة بدم بارد امام العالم المتحضر، وكيف يعبثونَ بلا خجلِ او وجلِ بالوان الحياة باسم الشعب، وتحرير الانسان من عبودية المحتلين. وبعد المكاشفة والتحري نجدهم في كل الازمنة نفس الطينة النتنة وهم في مقدمة المستفيدين من جراح وهموم الانسان ،وحرق الطبيعة . وكيف تجرعت البشرية من آثام خطاياهم القذرة وعلى مر التاريخ الواناً من كؤوس العذاب،لذا تراهم في كل العصور والفصول كيف يتسلقون مثل القرود اكتاف الغيرلتحقيق مآربهم الذاتية الضيّقة. فهم المحتالون والسفاحون والمنتحلين لصفات المدافعين عن حقوق البشر عندما تستوجب حظورهم في الندوات والملتقيات.فالفنان والشاعر وصاحب القلم الشريف هؤلاء البشر تجدهم يدافعون باقلامهم وفرشاتهم وبصراخهم عن جلاء الحقيقة. فمفهوم الفكر والمبدأ والهدف عندهم هو العامل المشترك ، حيث تجد قصائد الشعراء ولوحات الفنانين وطروحات المفكرين كل منها تحكي قصة ذلك العذاب الانساني السرمدي. مفردات التوجع والشكوى والقنوط تجده متجسدة في اغلب نتاجات المبدعين في العالم، من حيث سيرة الالوان او الكلمات.فانا احلم في ذاكرتي واترجم جانباَ من تلك الاحلام المعذبة عبر فضاءات لونية. وماذا عن تلكَ الكوارث القاتلة التي اتت كل بنيان الفرح الطفولي. وكل معالم مرابع السعادة باسم الدفاع عن الشعارات الفاشية. والعقلية القبلية. ولا يمكن ان يستغرب الفرد الشرقي من مساحات الحزن الكبيرة في لوحات ودوواين واغاني الفرد العراقي.

فهو الذي يفطم منذ الولادة ويرضع من انين ومناجاة امه الحزينة ومن ترانيمها الشجية. وهي تشكو جَوْر الرجل وظلم المجتمع ، ومن قسوة شظف العيش وكما عبّرت عنها قصيدة المجرشة.واتفق مع الاستاذ ابراهيم الحيدري بانه سيظل العراقيون يبكون ويندبون موتاهم ما دام هناك فوضى وظلم وارهاب ليطهروابها ذاتهم الجريحة،بحيث اصبح الحزن سمة مميزة للاغنية والشعر الشعبي ولذا عندما ارسم ُاو اكتبُ ،تنساب رغماً عني وبلا تصنعِ تلك الالوان الحزينة والصور المؤلمة عبر منجزي الفني والادبي. ومن الطبيعي انْ تجد طغيان تلك المشاعر الانسانية على اعمال ونتاجات الشعراء والفنانين الذين يدافعون عن ضحايا العنف والحروب الخاسرة.وقلما تجد رساماَ لا يكتب الشعر. او شاعراَ او قاصا َلا يرسم او يعّبر عن مكنون فؤاده في لحظات التشظي او محاولة تفسير احلامه باللون والريشة. وعبر ذلك المنهل ترى الفن الجميل هو ناتج العبقرية،والعبقرية موهبة نظرية،وفي ذلك تتميز العبقرية في الفن عن العبقرية في العلم وحسب قول عمانوئيل كانط ـ في دراسة لـ د امية حلمي مطر فلسفة الجمال اعلامها ومذاهبها2002. انا في منفاي اعيش تلك اللحظات واحاول عبثا ان امسح شيئا من حزن الماضي بان القادم في بلدي وفي القاع الاخرى سوف يعيش حياة بلا حروب، ومدينة بلا نقاط تفتيش، ومدارس ورياض اطفال وحدائق بلا اسوار من المخبرين.

حدثنا يا حكيم متى عرفتَ بان للا شياء مسميات اخرى غير تلك التي تعودتَ عليها وانت تجوب ازقة كركوك وحاراتها؟.

عندما يبتعد الانسان لفترة عن ارضه ووطنه، ومهما كان هذا الكائن فانه يترجم تلك المشاعر والانفعالات والاشياء الجميلة لصور ذات مسميات تعبيرية عن تلك الواقعة المريرة. طالما هو بعيد عن اصحابه وبيئته. وكيف اذا اخذ هذا البعد طابع الهجرة القسرية، والانسلاخ الغير الطوعي عن جغرافية تكوينه.

لقد تراءت لي من تلك الصور المكثفة عبر خزين الذكريات. والتي جمعتني مع احداث مدينتي وانا اقلب صفحات الماضي بين احيائها المتواضعة وهي تحكي قصة شجنها مع الغزاة، وحرق بساتينها العامرة، وجفافها من نبع العطاء رغم نهرها الخالد بعد تساقط ثمار المحبة. اتذكر كركوك كل ليلة، والاحياء الجميلة كل صباح. اتذكر طيبة شعراءها. ومجالس القوالين وهرج اسواقها الشعبية وهم يلتفون في الخانات العامرة. حيث مشاغل الحياة وتوارد الاخبار.بعيداَ عن قرقعة السلاح وتراشق الشعارات. اتذكر القلعة والمصلى واحمد اغا ورحيم اوا والشورجة والقشلة القديمة. اشتاق لتلك الصور والاسماء الجميلة. فاعيدها الفَ مرة في مخيّلتي، وهي تولد باشكالها المرحة والشجية مئات المرات باسم العشق والعطاء، احببتُ كركوك وبيتنا القديم في محلة المصلى. وحب والدّي لها عندما عثرت من بين اوراق والدي المرحوم على دعوة زفافه لوالدتي في احدى شهور1940واكتشف لي كم كان والدي مغرماَ بكركوك ، وكم كان معتزاَ بذكريات كركوك الامل والالم. رغم تنقله الوظيفي لمدنها الجميلة في كفري وطوز.لذا اجد نفسي كل لحظة في كركوك، عبر لوحاتي وقصائدي. وكتبت قصيدة بعنوان ليالي كركوك اناجي فيها اناجي ليالي كركوك والتي نشرتها ضمن ديواني الشعري الثاني رفاتٌ تناجي ملائكة السلام .

وجهٌ من الشورجة الكادحة. بسمةٌ من بريادي المنسيّي. قلبٌ ابيضٌ في شاطرلوا يصدحُ بخوريات هابه.. كركوك تتالم منذ الازل من مخاض ثورة الكبت.. تبدو قلعتها شامخةً في بسمتها الاسطورية ... اقول في نهاية جدبي الصوفي في عشق هذه التي تسمى بلؤلوة حضارة الميديين والكردوخيين.. كركوك بوابة فردوس العشق والآهات.. كركوك سلالة الهزبر ورحلة الدّم والعذاب.. كركوك توأم النور والنّار.. وعذب الشعر والاحلام.. سمفونية الرّوح وجرح ايام النضال.. اجد اسمها في كتابات كتابها ولوحات واغاني فنانيها. فذبت شوقا وحنينا لاجواء كرميان ومسرات كركوك في رائعة ابن مدينتي زهدي الداوودي فوجت اسما آخر لتلك الاشياء الضائعة في زواية زمن الهروب، وهو يصورتلك الماضي من المشاهد والاحداث وتلاحم ذلك التنوع الاثني في المدينة بقلوبهم العامرة بالمحبة، والطافحة بالبراءة، فبعد كل زيارة لتلك الازقة الجميلة اتذكر بان ما زال لي متسع من التفاؤل للعيش. ومتسع من الود لكل من يعمر هذه المدينة ويضمد جراحها النازفة ، وان شخصياتها الوطنية والدينية والثقافية الذين ودعوا ارواحهم في جنان كركوك مازالوا ينتظرون من ابناء المدينة التكاتف والعمل الجاد واحياء تراثها..وبعد غربتي القاسية والحنين الى كركوك عرفت بان للاشياء مسميات اخرى واخرى.

اذن كيفَ ترى مستقبل الفن في المجتمعات المغلوقة ، وهل تعتبر القلم والريشة أداتين متلازمين في العملية الابداعية؟.

بكل تاكيد ان للقلم والريشة دورهما في التغيير، وتقويم الكثير من المفاهيم الغير الحضارية في المجتمع. وان دور الفنان والاديب دور ابداعي، وهو يشخص العوامل التي تزيد من خطورة تقهقر المجتمع. ولا يختلف دور القلم والريشة من دور مبضع الجراح في استئصال الاورام المميتة. والاورام التي تصيب افراد المجمتع في سلوكه وفكره وتعطيله لذاكرته في عملية التغيير والتطور نحو الرقي. وفي نظري اخطر من الورم الذي يصيب الفرد.وان تلك المجتمعات التي اسميتها بالمنغلقة على نفسها ان دور الفن فيها تكون كطاقة ابداعية خلاقة. والتدرج في ادخال مفهوم الجوانب الفنية في تعليم الصغار من الروضة والابتدائية وغرس ماهية الفن في نفوسهم. وتصوير مدى خطورة ذلك المرض والموت والجفاف والفراق امامهم بخامات الفن البسيطة والموحية للغرض. مثل التعبير عن تلك المضادات للحياة باللوحات المبسيطة. خير وسيلة للولوج في كسر قوالب جمود المجتمعات المغلوقة. فاجد مستقبلا في المستوى المنظور من خلال تفعيل تلك الآلية الفنية باعتبار الفن كفلسفة وفي راي الفيلسوفة المعاصرة "سوزان لانجر" بانه يقوم بوظيفتين عكسيتين بانه يحول الخبرة الذاتية لموضوع ندركه ادراكا فنيا والاخرى هي تحويل الموضوع لخبرة ذاتية ، وكما ذهبت د اميرة حلمي مطر في كتابها فلسفة الجمال في تاكيدها لقول سوزان بانها انتهت الى تاكيد اهمية التربية الفنية بانها تربية للوجدان والمشاعرالانسانية ، وتهذيب لهذا الجانب الذي لا تستطيع اللغة العلمية الوصول اليه، فالفن السيء رمز لشعور ووجدان سيء ـ ولا يكون لمثل هذا الفن حيزاَ بين قلوب ابناء المجتمع. ومثلما تفعل الريشة فعلها في الواقع فاللغة الابداعية والقلم الثر يصوغان جنبا لى جنب الفن تلك الرؤية الجمالية في رسم المستقبل المشرق على مراحل من حيث التنوير والتقدم نحو سلم الانفتاح.


يعرفك القارئ كشاعر وكاتب ورسام فاينَ كل ذلك مع دراستك للحقوق؟.

لقد شغفتُ بدراسة الحقوق لاجد بين كتب القانون، انسانية تلك المواد التي تسعد الانسان المعذب. ويمنع عنه الحيف والظلم. ولكي يمنعَ القانون كل انواع التحايل على اللوائح والنظام العام. كنتُ اقرا الانظمة القضائية للدول المتحضرة والمتقدمة وكيف بحترمون تطبيق القانون بلا تمييز. وكيفَ ان للمتهم حقوق وضمانات مكفولة بالقانون وانه انسان قبل كل شيء ولا يمكن ان يهان آدميته في اية ظروف. ولا يمكن ان يستبيح ماله وشرفه مهما كانت اسباب اعتقاله. ويجب ان يترافع عنه محام واذا مسه ضرر مادي اوادبي يجب ان يعوض بموجب القانون كل ما خسره طيلة فترة ايداعه في التوقيف والحبس. وهذا الشيء الجميل الذي وجدته في المبادئ الراقية في قوانين الدول المتحضرة . وبالاضافة لكوني من عائلة قانونية حيث ابي كان كاتباَ في محاكم كركوك وطوز وكفري وكويسنجق والمسيب واربيل وحذاقته بالقوانين منذ مطلع الاربعينيات لحين وفاته في بداية السبعينيات القرن الماضي. بالاضافة لاخوي وابن اخ واخت يمتهنون المحاماة . بعدما رايت الكثير من الخروقات والتجاوز على القانون باسم الحزب والعشيرة والفساد في الادارة والقضاء، جملة تلك الاسباب التي حالت بيني وبين القانون وعملت حاجزا نفسيا في ضميري كي اجمدَّ حبي للحقوق والمحاماة لحين عودة سلطة القانون ونزاهة القضاء واحترام مشاعر الانسان في بلدي سواء كان مدعيا او مدعى عليه. وكيفَ لي ان اسكتَ او اصمت امام الخروقات القانونية الفادحة في بلد يدّعي بالحرية والشعارات الشمولية وفيه يعدم السياسي المعتقل بجريرته سابع جده، بل وسابع جاره على يمينه ويساره. فمن حق القاريء ان يعرفني كفنان وكاتب وكشاعر اكثر من معرفتهم لي كمحام او حقوقي. وما كان يجدي القانون في بلد يقلد مخترق دستور بالشهادات العليا من قبل رؤساء جامعاته وكليات حقوقه خوفا من الاذابة في احواض ماء النار. فاتجهتُ الى عالم اللون والكلمة والقلم. وكنتُ اكبت دواخلي معبراَ بالرمز في التعبير كيلا تغتال الوحوش الكاسرة اسراب القطا والحمائم المحلّقة في فضاء حريتي المسكون بالطفولة والبراءة . واتذكرُ كيفَ خطف القلق والهلع في مرحلة الثانوية النوم من عيني، عندما تذكرت بعد رجوعي من المدرسة باني ابتسمتٌ لنكتةِ تذكرته، ووجهي صوب صورة الدكتاتور السابق البكر. وكيفَ هددني مخبر الصف باني اسهزئتُ من الصورة المعلّقة في الصّف. وانا احلفُ له بالسموات العُلى باني تذكرتُ نكتة بيني و وبينَ نفسي. ولم اقصد اي شيء وبعد شد وجذب عسير تم غلق تلك الفاجعة. وتصور انتَ كيف يكون نبوغ الجيل المسكون بالخوف قياساَ بالمجتمعات المدنية المتحضرة .



الذين اذا قصّوا طرفةَ او نكتةَ بينهم كيف ينكتون برئيس الوزراء او رئيس حزب معين في وسط المدرسة وامام هيئة التدريس، فقس العدل والحرية بين النظامين.فانا ارى المستقبل اكثر تفائلا ، بعد ترسيخ مبادئ النظام الديمقراطي وبناء المؤسسات المدنية وتفعيل دور الاعلام الحر بعيدا عن الرقابة، ونهوض الجيل الجديد باعباء البناء الصحيح. ولا يساورني القلق مثلما كانت تساورني في العقود السابقة، وان المجتمع الجديد استفاد الكثير من نعمة العولمة في تحديث المعلومات والابتكارات، ومن النظم المعرفية. وحماية حقوق المراة والانسان واستجابة المجتمع الدولي الفوري لكل من يتجاوز على الحقوق باسم حماية الحق المدني. فالاحلام وفقا لهذه التصوات الواقعية تبدو بينَ ليلة واخرى اكثرجمالا وروعة. فالكوابيس ترحل وتختفي امام الانوار وتهزم جحافل الظلام اذا اشرقت شمس الحرية،وتلئلئت النجوم المبهرة مع العقول المبدعة.

هل يا ترى ان الشرق مغلوق موصود امام اي تطور يناميكي، وهل ترى ان هناك أملٌ لهذه الجنينة البديعة الملونة الزاهية بالبقاء مقابل استفحال افكار العنصرية المتقوقعة والظلامية؟.

لا يصمد حتماً امام تطور العقل البشري، وتنوير التاريخ الفكري للشرق الوصود ضباب التقوقع والتحجر والاختفاء وراءبرقع الوهم، او الدوران عكس مدار الافكار الراقية والضياع في اطار الحلقات المفرغة .لا من اجل المعرفة بل لاعاقة عجلة التطور وهي التي تسرع الخطي لازاحة تلك الافكار العنصرية. امام نظرة الانسان الى الكون في مستهل القرن الجديد، وان التاريخ ابداً في حركة دينامية لا تتوقف في تراكم الماضي. بل يوقظ البشرية من سبات عميق بين متطلبات الثورة التكنولوجية ، او الانزواء في الزوايا المظلمة دون ان تسعفهم قصور تلك الافكار في مجارات ركب التقدم.بل هناك تداخل بين الثقافات، وحسب تصور فيلسوف العقل الحديث "كرين برينتون" وفي كتابه تشكيل العقل الحديث والذي ترجمه بمهارة الاستاذ شوقي جلال بانه من الممكن ان يتغير هذا الاكتفاء الروحي للغرب وخلال القرن القادم او الذي يليه ان تظهر ربما في العالم كله عقيدة توفق بين الاديان كلها وفلسفة توفيقية تصب فيها حكمة الشرق العريقة وقد يتالف عالم واحد للفكر والروح ليكون تمهيدا لعالم واحد للمادة والجسد وبعد ظهور كتاب نورثروب تحت عنوان التقاء الشرق والغرب.وان لا اتفق شخصيا مع هذا الطرح، وما نحن بالغيب عالمين،وكما يؤكد برينتون في النهاية لسنا على يقين مما يخفيه المستقبل البعيد ، ولا ماذا ستشتمل عليه نظرة الانسان الكوزمولوجية خلال القرن الحادي والعشرين او الثاني والعشرين.فاعود الى الربع الاخير من الفضفضة الفكرية لسؤالك . نعم هنالك امل في ان تزدان هذه الجنينة البديعة يوماً بعدَ يوم وتكبر مع تلاقح الفكر الانساني الراقي ، وتبقى متنورة ًبنور المعرفة لمنع طغيان دياجير الظلام. حيث لا يبقى مكانٌ لاستفحال الافكار المريضة التي تعيق تطورالانسانية من التوجه نحو الآفاق الرحبة. حيث ما طالت ايام الربيع تبقى البراري مخضرة ونظرة بالزهور والعشب الفراشات الزاهية.وكلما هطلت امطار الخير اخضرّت البراري والجبال والسهوب رغم كل الموانع والسدود. فالخير ابداً مع التفاؤل، بعد زوال الكوابيس وافول الانظمة التوتالية. وهو مع عصر نهضة الشعوب من رقدتها. بعد رنين نواقيس الديمقراطية على مقربة من نوافذ زنازينها المعتمة.


عندما نودع حكيماً قارئي الكريم، نقول له الى اللقاء لاننا ببساطة لم نشبع من غزارة كل تلك العاطفة الجياشة، وينبوع المحبة للوطن الذي احتظننا. ولم نيأسَ حتى عند جحود ابنائها وسطوتهم بجلاوزتهم ليحرموننا من احلامنا. وهم يغتصبونَ صباحاتنا بشروق شمس كل يوم جديد. وستبقى احلامنا كازلية المعرفة والعلم تتجدد كتجدد جلد الثعبان الذي سرق منا سعادة التباهي بعشب الخلود ومنذ ايام كلجامش العظيم, فلكم جميعاً احلاماً خالدة كخلود الانسان على الثرى وتحية..
 

أول الصفحة