Back to
In the News
 
إرجع الى الأخبار

محمد العشري وأسطورة الصحراء


 
 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 


 

حوار مجلة الهلال - عدد نوفمبر 2007
حاوره: إسلام شمس الدين*


Mohamed Ashryمحمد العشري أحد الروائيين الشباب أصحاب التجربة المميزة، استطاع أن يصنع تجربته الخاصة منذ روايته الأولى "غادة الأساطير الحالمة" عام 1999، وحتى روايته الأخيرة "هالة النور" عام 2002، مروراً بروايتي "نبع الذهب" عام 2000، "تفاحة الصحراء" عام 2001. اتخذ من الأسطورة والصحراء ركيزتين لكتاباته، وبرع في تصوير عوالمهما بكل ما تحمل من متناقضات، من خلال لغة خاصة تمتزج فيها الجماليات بالتقرير.
نال العشري جائزة نادى القصة في الرواية عام 1999، ثم جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2001 ... التقينا به، وكان لنا معه هذا الحوار:

§ بداياتك تنوعت بين الفن التشكيلي، والشعر، والقصة القصيرة، فلماذا اتجهت في النهاية إلى الرواية، وكيف أثرت هذه الأجناس الفنية في تجربتك الروائية؟
- كلها تجارب إبداعية، كنت أبحث من خلالها عن باب أدلف منه لأجد نفسي، ما أطمح أن يمثلني ويحمل رؤيتي تجاه نفسي أولاً، وتجاه الحياة والناس ثانياً. لم أترك عن عمد جنساً أدبياً مارسته، لكن كل اتجاه كان يأخذني لفترة، وأجدني أنتقل إلى آخر دون حدّ زمني فاصل، حتى انتهيت إلى الرواية، مارستها عن شغف وحب شديدين، ذقت متعتها ولذتها، وهو ما أقنعني في النهاية أن كتابة الرواية هو ما أطمح إليه، لِمَ للرواية الحديثة من جاذبية فائقة لاستيعاب كل الأجناس الأدبية في آتونها المستعر، رغم ما تحتاجه من احتشاد، وتفرّغ كامل، وما يصاحب كتابتها من انقطاع عن أشياء كثيرة من أجلها. بنظرة متأملة فيما نعيشه، ستجد أن الحياة روايات تكتبنا على هواها، ونحن الروائيون نعيد تشكيلها وكتابتها بدهشة لا حدود لها، كأننا لم نعشها من قبل. في رأيي أن هذا هو سحر الرواية وعالمها الآخاذ. ما أفادني بحق في كتابة وتخطيط رواياتي أنني جربت الفن التشكيلي، والشعر، والقصة، ووجدت أن كل ذلك متسرب بوضوح في متن ما أكتبه من روايات، ولا زلت من وقت لآخر، أكتب القصة، وأنثر الشعر، ولي كتاب نثري "مخطوط" بعنوان "شراهة المُحِب"، أضيف إليه كلما هدأت عاطفتي تجاه الكتابة الروائية، أو حنّت إلى فضاء الشعر المكثف.

§ فضاء الصحراء، والموروث الأسطوري، يشكلان البعدين الرئيسين لكتابتك الروائية، فما السر وراء هذا التوجه؟
- لنبدأ بالموروث الأسطوري، فاهتمامي المبكر يبحث عن الأساطير، يدخل من أبوابها إلى دهاليزها الشاسعة، ويتريض في أزمنتها البعيدة، حتى شكلت بناءاً راسخاً في تكويني. ربما للبدايات والنشأة الريفية، والإطلال على مشارف بحيرة "المنزلة"، بكل ما يكتنف حياة الماء وأحراشه من غموض تسبح فيه الأساطير، ويشكل ملمحاً رئيساً في حياة الناس البسطاء، والعيش في بيئة تحيا بالموروث الشعبي، وتتغذى على الحكايات، كوسيلة تسلية في زمن مضى تأثير في ذلك، وهو ما دفعني للسير في صفحاتها المظلمة، ومحاولة الإمساك بأصولها، نافذتي الأولى كانت أفواه الناس، والجدّة، والأب- الحكاء الشفاهي- الذي لو قُدّر له أن يكتب الرواية، لأبدع عالماً فريداً، له خصوصية شديدة، و"حكايات ألف ليلة وليلة"، وتاريخ مصر القديم وفراعينها. ربما للدراسة العلمية، والتخصص في علم طبقات الأرض، والبحث في أسباب نشأتها، وأزمنة تشكيلها، وطريقة تكوّنها. ثم مرحلة العمل في صحراوات مصر الشاسعة، والبحث عن مكامن وأماكن تجمع البترول، ذلك السائل الخرافي، الذي غيّر شكل الحياة على كوكب الأرض، ويكاد يكون السبب في كل ما نعيشه من أزمات في وقتنا الراهن، نتيجة للصراع على الحصول على أكبر حصص منه تأثير آخر، تسرب في وجدني، ورسب فيه ما أقنعني أن التفكير العلمي مهم جداً حتى بالنسبة لكتابة الأدب. والاثنان متشابهان في السبب والنتيجة، ويكملان بعضهما، أحدهما يمثل البعد الروحي، والآخر يمثل البعد المادي. فالأسطورة تنشأ نتيجة لأزمة روحية يعاني منها البشر، والاهتمام بالبترول والصراع عليه نشأ نتيجة لأزمة في الطاقة، وسيظل كذلك إلى أن ينتهي عصره، ويُكتشف بديل عنه، يكون هو محور الأزمة والصراع مرة أخرى.. هكذا هو التاريخ، يعيد تشكيل نفسه بصور مختلفة.. وربما يفصح ذلك عن سر توجهي.

§ نلمح بعض التشابه في رواياتك مع روايات عبد الرحمن منيف، كون الصحراء هي البيئة الرئيسة لها، فماذا يميز صحراء العشري عن صحراء منيف؟
- الصحراء بيئة قاسية، تجمع كل المتناقضات في متاهتها الطبيعية المفتوحة، إن لم تتوه في رمالها عن عمّد، أو تُقبل عليها كما تُقبل على امرأة تعشقها بشغف فلن تعطيك مفاتيحها، ليس كافياً أن تتجول في متحفها وتقرأ تاريخها وترصد حالات الصراع بين القبائل المتناحرة على امتلاك الفراغ، لأن ما إنّكشف واكتشف منها حتى الآن ضئيل جداً، ولا يقارن بحجم ما تملكه من ثراء نائم تحت طبقاتها المتراكمة من ملايين السنين. ما يشغلني في صحرائي أن ألمس ذلك الذهب التاريخي المخبأ في باطنها، بأصابع العصر الحديث، وأن أنبش في الأسطوري والتراثي بروح جديدة، تتناسب مع ما نعيشه الآن من تكنولوجيا، وثورات علمية خارقة فاقت كل التوقعات، وتأثير كل ذلك على الحياة البدائية في الصحراء، ونظرة البدو إلى المجتمعات الصناعية الوافدة إليها، تلك الوفود المتعددة الانتماء، والتي تتعامل مع البيئة الصحراوية باعتبارها الكنز، الذي يجب الاستحواذ عليه ونقله إلى مجتمعاتها المدنية أو بلادها، الأحق في الانتفاء به، لأنها ابتكرت من العلم ما سهل لها العثور على تلك الكنوز المخبوءة، وسحبها من تحت أقدام لا تعرف كيف تهتدي إليها. ربما تكون النظرة العلمية مسيطرة على توجهي في رؤية الصحراء، لكنها الباب السحري لاكتشاف ذلك المجهول، الذي يطمر آلاف من الروايات والأساطير، التي تحتاج إلى جيش من الروائيين لكشف طبقة واحدة من طبقات لها حصر لها، مثل عبد الرحمن منيف، وإبراهيم الكوني وغيرهما، وهو ما أشار إليه الناقد فاروق عبد القادر في كتابه "في الرواية العربية المعاصرة" الصادر في "كتاب الهلال"، حين تناول روايتي "تفاحة الصحراء" بالنقد والتحليل، واعتبارها إضافة جديدة إلى روايات الصحراء عند أستاذيها الكبيرين منيف والكوني. وما كتبه الدكتور صلاح فضل في كتابه "لذة التجريب الروائي" الصادر عن "دار أطلس" عن رواية "هالة النور"، وطرق التجريب الجديدة في الكتابة الروائية.

§ فترة توقف طويلة تفصل بين روايتك الأخيرة "هالة النور" الصادرة عام 2002، وروايتك القادمة "خيال ساخن"، والتي أعلنت عن صدورها مطلع 2008، فما أسباب هذا التوقف؟
- نعم توقفت عن النشر، لكنني لم أتوقف عن الكتابة الروائية، أدرك ما أنا بصدده، وما يحتاجه مشروعي الروائي من تعمق، لذا انشغلت لفترة بالقراءة أكثر، والكتابة عما أقرأه ويلفت انتباهي. فبعد أن نشرت أربع روايات في أربعة أعوام متوالية: "غادة الأساطير الحالمة" عن "الهيئة العامة لقصور الثقافة" في عام 1999، "نبع الذهب" عن "الهيئة العامة للكتاب" عام 2000، "تفاحة الصحراء" عن "مركز الحضارة العربية" عام 2001، والأخيرة "هالة النور" عن "مركز الحضارة العربية" عام 2002، أذكر لك ذلك، لألفت نظرك إلى شيء خاص بالطباعة والنشر. فقد جربت النشر الحكومي، والنشر الخاص، وصدرت أول هذا العام طبعة ثانية من روايتي "تفاحة الصحراء" في بيروت عن "الدار العربية للعلوم، وتناول رواياتي الكثير من النقاد والأكاديميين، لكنني اكتشفت أنه خطأ فادح أن تراكم رواياتك، خاصة في مصر، دون أن تكون لديك خبرة في تسويقها، وهو ما يفشل فيه الكثير من كتاب جيلي من الشباب، الذين نجحوا في النشر، وأخفقوا في جعله بين أيدي القراء، رغم أنه ليس دورهم، لكنهم مطالبين به للأسف.

§ كلمة "أزمة" أصبحت ملتصقة بكل حديث عن الشأن الثقافي في مجتمعاتنا، وهو ما يدفعنا إلى السؤال عن مدى ارتباط هذه الكلمة بالرواية المصرية؟
- لا يوجد توجه عقلاني عام يحكم الشأن الثقافي، الأمور متروكة بعشوائية تقود نفسها بتخبط، يبدو أن هذا هو التوجه العام في كل ما حولنا، فكيف ستنجو الرواية من ذلك المصير، الذي يقودنا إلى المجهول. نحن مجتمعات تعاني الكثير من المشكلات، أهمها: الجهل، والتخلف، والعشوائية هي السمة الوحيدة، إن كانت تُحسب كتوجه كنا سنحصل على المرتبة الأولى بإمتياز. أزمة الرواية المصرية الآن أنها تحولت إلى سلعة لدى بعض الكتّاب، مما حمّلها مسئولية أن تخضع لآلية السوق، وهو ما عرّاها من الفن والعمق، وجعلها مبتذلة تستعرض جسدها على الملأ، لتثير حواس القارىء بقشورها الخارجية، كما تفعل مغنيات القنوات الفضائية. الغريب أنها تجد من يصفق لها بحماس بإعتبارها النموذج الأمثل للرواية، وهو ما دفع الكثير من الكتاب الجدد إلى الإستسهال، وملأ كتاباتهم الروائية والقصصية بالفضفضة في الجنس، والسياسة، والتعدي على الدين، على حساب القيمة والمضمون، ودون توظيف جيد، أو أن يتم ذلك بشكل فني راقٍ يدغدغ الحواس ويغذيها.

§ بالرغم من وجود الكثير من التجارب المتميزة لجيل الروائيين الجدد، إلا أن البعض يرى أنه لم يترك بصمة واضحة في المشهد الإبداعي، برأيك ما هي العقبات التي تواجه الروائيين الشباب؟
- في رأيي أن الكتابة فعل ترسيب مستمر، يحتاج إلى وقت حتى تكتمل الطبقة، ويصبح لها ملامحها الواضحة. لذا، فهذه نظرة مستعجلة، وظالمة للحكم على جيل روائي شاب، يتمتع بحيوية وطاقة هائلة، تمنحانه القدرة على النفاذ إلى أماكن جديدة، ووطأ أرض ملغومة من أجل كتابة جديدة، ثائرة على إرث الأسلاف، ورتابته، لأن تلك الكتابة القديمة لم تعد قادرة على مجاراة روح العصر، والإستفادة من ثوراته التكنولوجية في طهي العملية الإبداعية، ودمج آليات جديدة في المتن الروائي، بدورها تخدم النص، وتطيره في فضاء أرحب وأشمل، لإصطياد لحظات مدهشة للكتابة. الروائيون الشباب في حاجة إلى من يقرأهم بوعي لِمَ آلت إليه الحياة في لحظتها الراهنة، وليس بأحكام قديمة، لا تتناسب مع ما يعيشه المبدع الآن. هذه أهم عقبة يواجهها المبدعون. إضافة إلى سيطرة الجيل القديم من الكتاب ممن يعانون من عدم التحقق، أو إنجاز ما طمحوا إليه إبداعياً، على رأس المؤسسات الثقافية، التي تخلت عن دورها في تتبع وتبني أجيال جديدة، ورعايتها ودفعها إلى الأمام، وتنعكس إحباطاتهم تلك على ما ينجزه الشباب، في ظل غياب النقد الموازي لذلك الزخم الإبداعي الثري.

§ أثيرت مؤخراً الكثير من علامات الاستفهام حول لجان ومعايير منج الجوائز الإبداعية، فإلى أي مدى أنصفت هذه اللجان جيلكم؟
- لم تنصفه بالمرة، فأحد وأهم أسباب قصور تلك اللجان، في تقييم الكتابة الإبداعية أنها مشغولة بنفسها، ولا تتابع متابعة جيدة للكتابات الجديدة الشابة، نظراً لتوغل أعضاؤها في المؤسسات الثقافية، وإضطلاعهم بأدور كثيرة، تستهلكهم ولا تترك لهم الوقت للتأمل والرصد والمتابعة عن قرب. هذه اللجان في حاجة إلى إعادة تشكيل، وتهئية تأهيلية تتناسب مع ما يقومون به من أدوار، وإدخال عناصر شابة لديها القدرة على الفرز والتنقيب إلى ساحتها، إذا توفر ذلك في لجان منح الجوائز، ربما يجد الجيل الجديد من الكتّاب من ينصفه، بعيداً عن الشللية والمحاباة. هذا ينطبق على الكثير من أعضاء تلك اللجان، وأستثني البعض القليل. وإذا كنت تشير بسؤالك إلى ما حدث من حجب جوائز الدولة التشجيعية هذا العام، خاصة في القصة القصيرة، فهذه نظرة ضيقة من تلك اللجنة، لأنه هناك الكثير من الشباب يستحقون الجائزة عن جدارة، ما حدث هو استسهال وعدم جدية في عمل تلك اللجنة، البعيدة كل البعد عن الكتابة الآنية في القصة والرواية. أقول ذلك وأنا أعلم أن الكاتب والناقد يوسف الشاروني – عضو تلك اللجنة - له تاريخ طويل مع القصة القصيرة، وأعرفه عن قرب متحمساً ونشطاً في البحث عن الأصوات الجديدة في الإبداع، والتحمس لها والكتابة عنها، ولا أظن الحجب كان من رأيه، لكنه رأي اللجنة مجتمعة أو رأي رئيسها، وهو ما ينبيء أن الأمر في حاجة ماسة إلى مراجعة وتقييم، حين لا يُعتدّ برأي عضو له أكثر من خمسين عاماً في ممارسة الإبداع والنقد، والآخذ برأي أكاديميي بحت، لمجرد أنه الرئيس، هذه أزمتنا في الثقافة.

§ عالم الإنترنت بما يحويه من مدونات وومنتديات ومواقع إلكترونية، ساهم كثيراً في تخطي شباب المبدعين لحواجز وقيود النشر الورقي، لكنه تسبب أيضاً في حدوث فوضى إبداعية أضرت بالمتميزين نتيجة غياب الدور النقدي واختلاط الحابل بالنابل، فكيف تقيم التجربة الإبداعية على الشبكة، خاصة في مجال الرواية؟
- عالم الإنترنت جعل التواصل أسرع، وساهم في الإطلاع على تجارب الآخرين، من أماكن شتى، دون انتظار المكتبات ودور النشر في توفير الإصدارات الجديدة، جعل نافذة العصر الثقافية أكثر ثراءاً وتنوعاً واشتباكاً وتواصلاً. لذا، فالوقت وحده هو الكفيل بترشيح واستخلاص التجارب الراسخة، ذات القيمة، والتي ستجد لها حضورها في النشر الورقي أيضاً سواء على المستوى الإبداعي، أو الصحفي. لا أدري لِمَ تكثر الكتابة الإبداعية على الشبكة، وتغيب الكتابة النقدية، لِمَ لا تولد أجيال نقدية شابة موازية. وتكاد تنحصر الكتابة النقدية وتجدها لدى المبدعين أنفسهم، الأمر في حاجة إلى من يبحث وراءه. رأيي أن الإنترنت وحده لن يصنع كاتباً خاصة في مجال الرواية، لأن الرواية بطبيعتها تحتاج أن تنام مطبوعة بين أيدي قراءها، في عالمنا العربي ستجد صعوبة في قراءة رواية على الجهاز، لأن القارىء لم يتربى على ذلك. لكن فكرة أن تكتب رواية وتُشرك معك القراء في تتبعها، وانتظار أحداثها يوماً بعد يوم، والتعليق عليها، قبل أن تصبح رواية مطبوعة، كما فعل بعض الروائيين في الغرب، أظنها فكرة جديرة بالانتباه لها، وهو ما أطمح في تقديمه من خلال مدونتي، التي أنشأتها خصيصاً لذلك، بعنوان: "روايات محمد العشري""http://ashrynovels.blogspot.com"، وإنّ لم أبدأ بعد في بث كتابة روائية جديدة من خلالها.

§ بعد أربع روايات، أين يقف محمد العشري الآن بين الروائيين المصريين؟ وإلى أين تتجه تجربته الإبداعية؟
- بالنسبة للشق الثاني من السؤال، يمكنني القول أنني أسعى إلى اكتشاف الصحراء روائياً، صحراءنا نحن، من خلال خبرتي الحياتية فيها، ورحلاتي المستمرة إليها، أيضاً أوظف خلفيتي العلمية في الجيولوجيا في بناء أعمدة أتكيء عليها في مسيرتي الإبداعية، من أجل الوقوف على بعض أسرار تلك المرأة الجميلة، التي اسمها الحياة، التي نشأت أول ما نشأت في الصحراء، وعمّرتها بالأسرار، والتي نعشقها رغم ما تحبطنا به كل يوم، وما تجابهنا به في مسيرتنا الطويلة نحو الحرية، هذا قدر الإنسان، السعي إلى ما لا نهاية، وتزيين الكون بما يمنحه السعادة. كتابة الرواية هي إحدى أسباب السعادة لدي. وبالنسبة للشق الأول سأدلك على بعض مفاتيح رواياتي، وأترك لك تحديد مكاني بين الروائيين المصريين والعرب: في روايتي الأولى اتجهت إلى كتابة الأسطورة بالإتكاء على مخزون الذات الحياتي، في الحب ودوره في تخليص الروح من أثر الواقع الجامد. وفي الروايات الثلاث اللاحقة، شردت وغبّت في الصحراء، لأعود ببعض الإكتشافات، اصطدت الصقور الجارحة، رسمت مسالك الطرق الملغّمة بتفاحات الصحراء القاتلة، في منطقة العلمين بالصحراء الغربية، التقطت بعض المهن الجديدة، التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وأثرت في حياة البدو مثل مهنة "جامعي الجثث" من الصحراء في مقابل خمسين قرشاً، نظير كل جثة، لدفنها في مقابر "الكومنولث" الشهيرة، اكتشفت كوكباً جديداً، يسعى سكانه إلى نقل رمال الصحراء إليه، لأنه المصدر الجديد للطاقة بعد إنتهاء زمن البترول، من خلال تفاعلها البسيط مع نيتروجين الهواء الجوي. وهي نظرية جديدة في العلم، لا ننتبه إليها مع الأسف. وفي روايتي الجديدة "خيال ساخن"، التي ستنشر أول 2008، أعود إلى كتابة الأسطورة، بالسباحة في نهر النيل، رحلة في مركب صغير، تدخل بأبطال الرواية إلى الحياة الفرعونية البعيدة، والصحراء المتاخمة لضفتي النيل، ومنطقة الفيوم، وتنتهي بهم في الزمن الحاضر، بحثاً عما يفتقده الإنسان الآن من دفء وحب وأمان.

* صحفي وشاعر

أول الصفحة