أربعون قصيدة عن الحرف


 شعر أديب كمال الدين

الكتاب كان اختيار نادي القراء لشهر أكتوبر 2012
لتصفح ملف كامل عن الشاعر وأعماله اذهب الى صفحة الكتاب هنا
للمشاركة برأيك في كتاب الشهر شارك في الحوار هنا


Adeeb Kamal Ad-Deen
Forty Poems about the Letter

دار أزمنة للنشر والتوزيع – عمّان- الأردن 2009
128  صفحة من القطع المتوسط

كُتِبتْ قصائد المجموعة في مدينتي سدني وأديلايد الأستراليتين
في عامي 2007 و2008

لوحات المجموعة للأديبة والمترجمة د. أسماء غريب



جاء نوح ومضى

ستموت الآن.
أعرفُ، يا صديقي الحرف، أنكَ ستموت الآن.
لم تعد نقطتكَ الأنقى من ندى الوردة
تتحمّل كلّ هذا العذاب السحريّ
والكمائن وسط الظلام
والوحدة ذات السياط السبعة.
لم تعد، أيّها البسيط مثلي
والضائع مثلي
والساذج مثلي،
تتحمل وحشةَ هذه الرحلة التي لم نُهيىءْ
لها أيّ شيء
ولم يخبرنا أحد
عن مصائبها التي لا تنتهي.
انتظرنا – أنا وأنتَ – طويلاً سفينةَ نوح.
جاءَ نوح ومضى!
لوحّنا له طويلاً
بأيدينا
وقمصاننا
وملابسنا
ودموعنا الحرّى.
لوحّنا له بيتمنا الأبديّ
وبضياعنا الأزليّ.
لوحّنا له بطفولتنا العارية
وبشمسنا الصغيرة التي تغيّر طعمها
وأصبحتْ بحجمِ ليمونةٍ ذابلة.
لوحّنا له بكلّ شيء يُرى
وبكلّ شيء لا يُرى.
لم ينتبه الرجلُ إلينا
كان طيّباً ومسالماً
ومهموماً بسفينته وابنه وطيوره.
وكنّا لا نطلب شيئاً سوى النجدة!
النجدة!
نعم، يا صديقي الحرف،
دعنا نصرخ الآن:
ال........ن............ج.............دة!
ربما سيسمعنا ذلك الرجلُ الطيّب
أو مَن أرسله في مهمته العجيبة.
دعنا نصرخ أيّها الحرف الطيّب
ربّما سينتبه لنا.
لا تمت الآن أرجوك!
انظرْ هذا رغيف خبز لك
وهذه جرعة ماء أيضاً.
انظرْ هذه شمسنا لم تزل تشرق
رغم أنها بحجمِ حبّةِ قمح.
لكنّها شمس على أيّةِ حال!
لا تستسلمْ!
تمسّكْ بحلمكَ وإنْ كان خفيفاً كالغبار!
أرجوك
أنا لم أفقد الأملَ بعد!
أرجوك
ال........ن............ج.............دة!
ال........ن............ج.............دة!
ال........ن............ج.............دة!



دراهم كلكامش

(1)
في حديقةٍ أصغر مما ينبغي
قدّام لحية كلكامش في المتحفِ العراقي
وفوق عشبٍ أكله الحنينُ الرطب
ومزّقه الدمع
وتحت غروبٍ أثقل من الحجر
ضيّع الطفلُ دراهمه السبعة،
فبكى.
يا إلهي، لِمَ يبكي هذا الطفل؟
(2)
تلك التي اسمها الحياة
متلفّعة بعباءةِ السوادِ والحلم
بعباءةِ الفقرِ والتعاسة
هي مَن أعطاني الدراهم التي ضاعتْ سريعاً.
كان لقاءً عابراً
يشبه حياةً عابرة
وكان أنكيدو عابراً
يشبه أفعى عابرة
سرقت السرَّ كما يزعمون
تشبه كلكامش العابر هو الآخر.
يا إلهي، لِمَ يبكي هذا الطفل؟
أمِن أجل الدراهم حقاً؟
(3)
صغرت الحديقة
(هي في الواقع أصغر مما ينبغي)
وكبرَ الطفل
وتزوّج
وهاجر
وكتبَ حرفاً عجيباً
وماتَ أو كاد
لكنّه لم يزلْ ينظر إلى الحديقة:
أين هي الدراهم يا إلهي؟
كلّ درهمٍ كانَ اسمه السعادة.
وكلّ درهمٍ كانَ اسمه العيد
أو الغيمة
أو الشمس
أو البحر
أو قُبْلَة الأمِ متلفّعة بالسواد.
كلّ درهم
كان عبارة عن سرٍّ وجده كلكامش
ثم ضيّعه معي في الحديقة.
(4)
بعد أربعين عاماً
كتبتُ رسائل مستعجلةً إلى كلكامش
ليعينني على استرجاع دراهمي الضائعة.
فوجدتُ تمثاله الحجري
دون لحية طويلة تغطّي صدره.
فانتبهتُ إلى أن كلكامش
قد زوّر تمثاله ليعيش بعيداً عن السرّ،
ربّما بعيداً عن التعاسة
ولكن ليس بعيداً عن دراهمي السبعة.
(5)
مَن يعرف السرَّ يا إلهي؟
مَن يعرف كيف ضيّع كلكامش سرّه؟
ومَن سرقه منه؟
مَن يعرف كيف ضيّعتُ دراهمي السبعة
قرب الحديقة التي تقع تحت لحيته
أو قدّام لحيته؟
مَن سرقَ دراهمي يا إلهي؟
(6)
حتّى أنكيدو الذي ماتَ لأسبابٍ غامضة
لم يعرف السرّ.
حتّى أتونابشتم
أو صاحبة الحانة
أو صاحبة اللعنة...
ليس من أحدٍ يعرفُ السرَّ أبداً.
(7)
أنا
فقط
أعرف:
إنني أعيش منذ أربعين عاماً
قدّام لحية كلكامش
فوق عشبٍ أكله الحنين الرطب
ومزّقه الدمع
وتحت غروبٍ أثقل من الحجر،
أبحثُ
حتّى
الموت
عن دراهمي السبعة التي ضيّعتُها
في حياةٍ عابرة
كملمسِ الأفعى العابرة،
كلحيةِ كلكامش العابرة هي الأخرى
نحو غروبٍ أثقل من الحجر.

المبحر منفرداً

(1)
أيّها الحرف
سيحاربك القرصانُ الأحمر،
القرصانُ الذي قوّض العرشَ وسلّمه للرعاع،
لأنّ في قلبكَ موجة لأقمار الطفولة.
وسيحاربك القرصانُ الأزرق،
القرصانُ الذي أدخلَ كلَّ شيء في دوّامةِ الموت
بعد أن قتل إخوته
وباعَ أبناءه في سوق العبيد،
لأنّ في قلبكَ موجة من شموس.
وسيحاربك القرصانُ الأصفر:
قرصانُ المجانين والمخنّثين وآكلي جثث الموتى.
وسيحاربك القرصانُ الأسود:
قرصانُ الكَفَرة الفَجَرة.
وسيحاربكَ قرصانُ الريح
ذاك الذي يغيّر وجهته
كلّما غيّرت الريحُ عنوانها.
(2)
نعم،
ذلك مجدكَ أيّها الحرف.
فالقراصنةُ كلّهم يجيدون كراهيتك
لأنّكَ اقترحتَ نقطةً للجمالِ والحُبّ
وحاولتَ أن تؤسس
- ولو في الخيال-
بحراً جديداً
لا يجيد القراصنةُ الإبحار فيه.
نعم،
ذلك مجدك
أيّها المبحر منفرداً
إلاّ من نقطته: خشبته العارية التي يتقاذفها الموج
إلى أبد الآبدين.

المتبرقع
;بجسدٍ دون رأس
وضع آبائي الأرضَ فوق كتفيّ
وقالوا: مبارك أنت!
نعم، قالَ المتبرقعُ بالنبوّة،
هذي كهيعص علامةُ دربك.
وقالَ المتبرقعُ بالشقشقة:
هذا التراب
منه خُلِقتَ وإليه سترجع.
وقالَ المتبرقعُ بدمِ الشهادة:
رأسكَ مثل رأسي
غير أنّ رأسي حُمِلَ فوق الرماح
حمله الكَفَرةُ الفَجَرة
وأنتَ ستحمل رأسكَ بين يديك
ستحمله مقطوعاً بين يديك
طوال عمرك
والأرض،
كلّ الأرض،
مثبّتة فوق كتفيك
فانظر الآن ماذا ترى؟!

رقصة سرّية

(1)
إلهي
غنّتْ ربّةُ المعبدِ الحبَّ والحبَّ كلّه
ورقصت الحلمَ والحلمَ كلّه
لتكتب فوق لوح الوجود
السرّ وسرّ السرّ.
فَمَن لي،
إلهي،
بقلبٍ يتحمّلُ كلّ هذا الجمال
وهذا الجنون؟!
(2)
رقصتْ وغنّتْ.
فغنّى معها كمانُ الجسد
صاعداً مثل أفعى.
ودمدمَ الطبلُ: طبلُ الجسد
كاهناً يتلو آيةَ الزلزلة،
عاشقاً يجرّبُ أن ينتحر
وقت الغروب في دجلة العابثة.
وضحكَ الناي: ناي الجسد
نافورةً تبعثُ للأطفال
ماءً من الوردِ والمسرّة.
ورقصَ الدفُّ: دفُّ الجسد
ساحراً يستبيحُ بحراً من اللذةِ والقُبَل.
ورقصَ الضوءُ: ضوءُ الجسد
شاعراً يكتبُ النون
ليختمها بنقطةِ الكون
نافثاً سرّها إلى آخر الأرض
ومطلقاً طائرَ الروح
إلى سمواتكَ السابعة!
(3)
إلهي
رقصتْ ربّةُ المعبد
ساعةً واحدة.
فَرقصتُ من فرحٍ وجنون
سبعين عاماً
وكتبتُ عنها سبعين كتاباً
وتبتُ سبعين مرّة
ومتُّ سبعين مرّة
ولم أزلْ أراقصها
أو أراقص صوتها أو حلمها
درويشاً نصفه نارٌ ونصفه طين!

تناص مع الموت

(1)
في الطريقِ إلى الموت:
الموتِ القديمِ المقدّس،
فاجأني موتٌ جديد
موتٌ لذيذٌ بطعمِ السمّ
موتٌ لم أحجز له موعداً أو مقعداً.
(2)
في حضرةِ الموسيقى التي تندلق
لتكتب حاءَ الحياةِ وباء الحُبّ
ينبغي أن أكتبَ شعراً
مليئاً بالبحرِ والطيور.
لكنني،
ولسببٍ غير واضحٍ أو مفهوم،
أكتبُ عن الموت.
ربّما لأنّ الموت هو نديمي الوحيد
أو صاحبي الذي يحسنُ الرقصَ قربي
حين أنهارُ وسط الطريق.
(3)
"مرحى" قلتُ للموت!
هل قلتُ للموتِ: "مرحى"؟
أم إنّه الموت
قالَ لي في برود:
"أهلاً وسهلاً"؟
(4)
في أفريقيا يقرعون الطبول
حينما يحضرُ الموت
وفي الأسكيمو يطلقون الطيور
وفي بلادِ الكنغرِ يعزفون الموسيقى البهيجة.
ربّما لأنّهم يظنّون الموتَ طبولاً فقط
أو طيوراً فقط
أو موسيقى عذبة تبهجُ السامعين!
(5)
مَن سيصدّق أنّ الحرفَ الذي حملَ المعجزة
سينهارُ أمام الموت
على هذهِ الشاكلة؟
ومَن سيصدّق أنّ النقطة
النقطة التي واجهت الأعاصيرَ والنارَ والزلزلة
ستبكي في حضرةِ الموت
مثل أعمى أضاعَ الطريقَ إلى البيت؟
(6)
لك المجد يا إلهي
خلقتَ الموتَ ليكنسنا في هدوءٍ مريب
مثلما تكنسُ الريح
أوراقَ الشجرِ المتناثرة على الأرض.
لك المجد أيّها الموت.
لك المجد أيّتها الخاتمة.
(7)
قالَ لي الحرف:
لا تأبه كثيراً
فالكلُّ سيموت،
حتّى الموت نفسه سيموت!
قالَ لي الحرفُ ذلك
وأفردَ جناحيه
ليحلّق كالنسرِ وسط السماء.
أما النقطة
فتحوّلتْ إلى غيمةٍ عظيمة
رحلتْ باتجاهِ البحر البعيد.
كم تمنّيتُ أن تأخذني معها
ولا تتركني بين يدي الأشباح
الأشباح الذين أحاطوا بي
كما أحاطَ اللصوص
بدرويشٍ نصف عار
ونصف مجنون!

معاً على السرير

ثمة بحر
أحمله بيدي اليمنى
وثمة موت
أحمله بيدي اليسرى.
وحين أتعب
أضع البحرَ في يدي اليسرى
والموتَ في يدي اليمنى.
وحين أنام
ينامُ البحرُ بجانبي على السريرِ مطمئناً
لكنّ الموت يتظاهرُ بالنوم
ويبقى يعدُّ عليَّ أنفاسي،
يبقى ينظرُ إليَّ بارتيابٍ وشكّ
مضطجعاً بجانبي، كذلك، على السرير!

أغنية سوداء القلب

توقّف الحرفُ عن النظر إلى المرآة
كي لا يرى المستقبلَ بلا يدين
والماضي بلا أقنعة.
توقّفَ الحرفُ عن إرسال رسائل التهديد إليّ
ورسائل الوعيدِ واللومِ والتأنيب
ورسائل الأملِ واللاأمل
ورسائل الحبّ، أعني رسائل الحمامة البيضاء.
توقّفَ الحرفُ عن مخاطبتي باسمي المجرد
أو تشبيهي بشيء
أو ترميزي
أو تأليهي
أو اتخاذي باباً أو قطباً أو محراباً.
توقّفَ الحرفُ عن تذكيري بشبابي المدمّى
وطفولتي الحافية
وحبيباتي الخائنات والجاحدات
وأصدقائي الأوغاد والمنفيين والسذّج
وقصائدي التي كتبتها كي لا أبكي
مثل يتيمٍ ببابِ الملجأ
أو مثل مجنون يرميه الصبيةُ بالحجارة
كي يضحكوا ويبددوا الوقت
أو مثل شحّاذٍ سرق السكارى رغيفه
كي تكتمل نشوتهم
ويكتمل موتُ الشحّاذ.
توقّفَ الحرفُ عن كلِّ ذلك.
حينها كانت الشمسُ مشرقةً كما ينبغي
وكان الحرف
يجلس أمامي مثل نهر
يدمدمُ بأغنيةٍ خفيفةٍ جداً،
عذبةٍ
وسوداء القلب.

أحمر ناريّ

كان من الممكن أن تكوني
أكثر ثراءً
أكثر بهجةً وجمالاً
لو سمحتِ للطائرِ المحلّقِ خلف النافذة
بعينين دامعتين
وجناحين بريئين
بالطيران قليلاً
فوق سريركِ العاري.
وكان من الممكن أن تكوني
أكثر سماءً
أكثر زرقةً وأقماراً
لو سمحتِ لي
أن أقترب من غيمتكِ اللذيذة
لأركع في جنون مؤكّد
لفراتكِ السرّي الذي سحرني
العمر كلّه
ورماني في آخر الدنيا
حرفاً لا معنى له
إلا حين يلهج
بأسطورتكِ المعلّقةِ في الأعالي،
ونقطةً لا تجيد
سوى أناشيد الحبِّ بالأحمر الناري،
أعني بالأحمر الممسوس
باللوعةِ والهذيان.
لكنّك
اخترتِ أن تسلّمي فراتكِ السرّي
وبيادر حنطتكِ الذهبيّة
للقناعِ الذي يلبسُ غرابَ الزوج،
أعني للغرابِ الذي يلبسُ قناع الزوج،
أعني للزوجِ الذي يلبسُ قناع الغراب
والذي لا يجيد سوى نهش لحمكِ البضّ
دونما رحمة
ليدفعك
شيئاً فشيئاً
إلى جفافِ الينابيع
بل ليدفعكِ حيث البئر السوداء
وإصبعكِ الذي رأيته يبكي،
ذات يومٍ،
وجعَ اللذة
وأغنيةَ الحرمان.


قطارات سدني

(1)
قطاراتُ سدني
تركضُ من الفجرِ إلى الفجر.
تركضُ مرّةً إلى البحر
ومرّةً إلى الملاهي
ومرّاتٍ إلى الموت.
(2)
قطاراتُ سدني
تضجُّ بهذيان الدولارات:
دولارات سوداء
أو سود كما يفضّلُ علماءُ اللغةِ القول.
ولو حضرَ علماءُ اللغةِ إلى هنا
لاسودّتْ وجوههم من الحلم
بالدولارات.
(3)
يا لها من ركضةٍ مخيفة:
الدولاراتُ تطيرُ في الهواء
والناسُ يركبون القطارات ليلحقوا بها.
انظرْ اليهم:
إنّهم يخرجون رؤوسهم من النوافذ المسرعة
ويخرجون أيديهم وأرجلهم وأعضاءَهم التناسلية
علّهم يمسكون الدولارات!
(4)
نعم، دولارات ساحرات
تطيرُ في الفضاء.
والكلُّ يقاتلُ في جنونٍ عظيم:
الصينيّ، بملامح القطّ، يبكي
وهو يمدّ يديه
والأستراليّ الضخمُ يشتم
والهنديّ صاحبُ العمامةِ يتمتم
والعراقيّ المسكينُ يسخر
والتايلنديةُ ترفع ساقها العارية أعلى فأعلى
واليابانيةُ تنحني باحترامٍ عبثي
والتركيةُ تضربُ رأسها بيدها
والأفريقيةُ تزعقُ وكأنّها تطلبُ النجدة.
(5)
الدولاراتُ تطيرُ وتطير
وترتطمُ حيناً بنوافذ القطار
وحيناً بمقدمته
وحيناً آخر بمؤخرته
لتصعد إلى الأعالي
زوبعةً من الأوراق الصفراء أو الخضراء
أو الصفر أو الخضر
كما يفضّلُ علماءُ اللغةِ القول.
ولو ركبَ علماءُ اللغةِ القطارات هنا
لاصفرّتْ وجوههم مما يرون.
(6)
لم تزل الدولاراتُ تطير.
الطلابُ الجامعيون يتابعونها بشغفٍ طفوليّ
ورجالُ الأعمالِ بحدّةٍ يتناقشون
والمزوّرون يصرخون في تلفوناتهم المحمولة
والعمالُ يصفرون
والعاهراتُ يقهقهن
والحمقى يتبادلون الشتائم
والمرضى يشكون من الصداع
والسوّاحُ القادمون من وراء البحار
يتساءلون مذهولين.
فقط
كان الموتى في قطارات سدني
يتأمّلون المشهدَ بانضباطٍ تام
وهم يتنفسون بصعوبة.
وبين حينٍ وآخر
كنتُ أراهم يبتسمون
أو خُيّلَ إليَّ أنّهم يبتسمون!


سأقبّلكِ الآن

الفجرُ عنيف.
الفجرُ ملآن بالشمس
والشمسُ قوية
كنصلٍ يدخلُ في العين.
الفجرُ فراق.
لا تدعوني باسمي.
اسمي الموت
وقد كان اسمي التفّاحة أو القُبْلة.
لا أعرف
لكنّي سأقبّلكِ الآن، فَمَن أنتِ؟
هل أنتِ حبيبة قلبي؟
امرأتي؟
فاتنتي؟
قاتلتي؟
وهمي الأعظم؟
مَن وضعَ السمَّ بكأسي؟
مَن بددَ أيامي وشبابي
ونثرَ رمادي في الريح؟
مَن ألقى القبض على حرفي؟
مَن ألقى ذاكرتي في بحر الظلمات؟
لا أعرفُ اسمك
أعرفُ أنكِ مرتبكة جداً
وأنا الارتباك نفسه.
سأقبّلكِ الآن.
ماذا حدث ليكون الفجرُ عنيفاً
كسفينةٍ تغرق؟
ماذا حدث
ليكون الفجرُ جثةً يلقيها البحّارة
وسط البحر؟
الفجرُ فراق.
سأودّعكِ الآن.
أعرفُ شيئاً ما
أعرفُ أنكِ سبب موتي
وأنّ الموت أحاط بي
كما يحيط الجنودُ بمجنونٍ أعزل.
فوداعاً
فالفجرُ عنيف
كسماءٍ اسودّتْ بخطايا الناس،
كسماءٍ ارتبكتْ
وسقطتْ قطعاً قطعاً وسط البحر.

اعتذار

(1)
حين ذابَ ثلجُ شتاءِ القصيدة
فاضت الورقةُ البيضاء
بالحروفِ والنقاط.
(2)
كي أشفى من مرضِ حبّك
جربّتُ كلّ شيء
بدأتُ بالكيّ والنار
وأدمنتُ كأسَ الخمرةِ وشوارع التشرّدِ الخلفيّة
وعطفتُ على طلاسم السحر
وجنّه وجنونه ودخانه
ثم لبستُ خرقةَ الصوفيّة
حتّى انتهيتُ إلى الموت
إلى بوابةِ الموتِ الحديديّة.
لكنّي لم أشفَ أبداً!
شيء عجيب
جربّتُ كلَ شيء
كي أشفى من مرضِ حبّك
ولم أجرّبْ
مرّةً واحدة
أن أراك!
(3)
في البلدِ البعيد
أجلسُ في مقهى مظلمٍ منعزل
لأستحضر صورتكِ التي دفنتُها
بيديّ
قبل أربعين عاماً
وسط الرماد
ووسط نار التنّور الذي اشتعل
فجأةً
وكادَ يقضي عليَّ إلى الأبد.
(4)
في حياتي
قرأتُ الكثيرَ من قصائد الشعراء الموتى
حتّى امتلأتُ باليأسِ والموت
فمتّ.
في حياتي القادمة
سأقرأ الكثير
من قصائد الشعراء الذين لم يولدوا بعد
علّي أحيط بأسباب الحياة
إلى الأبد.
(5)
كنتُ أخاف أن أراك
وأرى سريرك
لأنني أعرفُ أنه قد ارتحل
ذات اليمين وذات الشمال
وأنّ عصافيره قد ماتتْ
منذ زمن بعيد
ولم يبقَ إلا الغراب
ناعقاً منذ أربعين عاماً
بخاءِ الخسارةِ والخيانة،
بغينِ الغروبِ والغبار.
(6)
وهكذا قبل أن أموت
كنتُ ذكياً بما يكفي لأعتذر للغراب
وأعتذر للشتاءِ وللورقةِ البيضاء
وأعتذر للخمرةِ والتشرّدِ والسحرِ والتصوّف
وأعتذر للبلدِ البعيدِ وللمقهى المظلمِ المنعزل
وأعتذر للرمادِ والنار
وأعتذر للشعراء الموتى والأحياء
وأعتذر لليأس
وللسريرِ الذي قادني
من منفى إلى منفى
ومن حرفٍ إلى حرف
وأعتذر للعصافير التي ماتتْ منذ زمن بعيد
وأعتذر للحياةِ وأسباب الحياة
وأعتذر للموتِ مرّةً واحدة
وإلى الأبد!

تناص مع الحرف

حين أراد الحرفُ، ذات يومٍ، أن يلعب
جاءَ إليّ
فوجدني ضائعاً أكثر مما ينبغي
فتركني.
وذهبَ إلى حبيبتي
فوجدها أكثر بدائية منه
وأكثر عرياً منه
فتركها.
ثم ذهبَ إلى الله
فلم يستطعْ كشف سرّ غموضه وجبروته.
ثم ذهبَ إلى النبيّ
فلم يستطعْ كشف سرّ زهده وصمته.
ثم ذهبَ إلى الوليّ
فلم يستطعْ كشف سرّ صومه
وصلاته وتسبيحه.
ثم ذهبَ إلى الصوفيّ
فلم يعجبه بحثه عن المجهول.
ثم ذهبَ إلى المجهول
فالتقى بالموتِ الذي صفعه على أمّ رأسه
صفعةً واحدة
حوّلته إلى قطعةِ فحم.
جاء الأطفال
فكتبوا بها على الحائط أسماءهم.
وجاء العشاق
فكتبوا بها على الأشجارِ أحلامهم.
وجئتُ أنا
فأمسكتُ بالحرفِ المتفحّم
وكتبتُ قصائدي السود التي لا تكفّ أبداً
عن الرقصِ والهذيان!


البيضة والبحر والقمر

(1)
سقطَ الماضي
فاحتجَّ الحاضر
وخرجَ المستقبلُ في مظاهرةٍ حاشدة.
(2)
سقطت البيضة
فبكى الطائرُ وهو جالسٌ على الشجرة
بيضته المكسورة.
فيما احتفلت الديدان
على الأرض
بهذه الوليمة الأسطورية.
(3)
سقط البحر
فانقلبت السفن
وخرجت الساحراتُ إلى الشاطئ
ليرقصن حتّى مطلع الفجر
وهنّ في قمّةِ العري والابتهاج
يحملن المشاعل والجماجم والطبول.
(4)
سقط القمر
فاختفت الشمس
وبكى العشّاقُ جميعاً
بدموعٍ من لوعةٍ وندم
طوال ذلك اليوم المشؤوم.
(5)
سقط الشاعرُ: المهرّج
فاندلقتْ ذائقتهُ الأدبيةُ الفاسدة
على الرصيف
وتحطّمَ زجاجُ روحه القذر.
(6)
سقط الطاغية
فبكى كرسيّه الذهبي
وبكتْ كلابه الشرسة
وبكتْ بوّاباتُ سجنه العظيم.
(7)
سقط الحرف
فتلقّفته النقطة
لتعالج جروحه وآلامه وغربته
بصبرِها الأيّوبي
وجمالِها اليوسفي
وسرِّها الإلهي.

طائرة ورقية
(1)
في طفولتي
صنعتُ من حرفي طائرةً ورقية،
طائرة ما أن رآها الأطفال
تطيرُ عالياً في السماء
حتّى سرقوا خيطها الطويل.
لم أعر انتباهاً لما حصل
وصرتُ أحملُ طائرتي بيدي
وأمشي فرحاً في الأسواق.
وحين أصبحتُ شابّاً
قبّلتْني امرأةٌ أجملُ من اللذة
لتسرق ذيلَ طائرتي وتمضي.
لم أعر انتباهاً لما حصل
لأنَّ الحربَ بانتظاري
لتسرق هي الأخرى
لتسرق العودَ الصغيرَ في وسطِ الطائرة.
(2)
هكذا أصبحتْ طائرتي مجرّد ورقة
ليس إلاّ
حملتُها ومضيتُ لأعبر البحر.
لكنّ البحر،
بحركةٍ عنيفةٍ ومفاجئة،
أسقطَ طائرتي في مائه المالح.
ولكي أُخرجها منه
كُتِبَ عليَّ أن أموت كلّ ليلة
لأربعين عاماً
حتّى أُخرجها في آخرِ المطاف
ورقةً مبلّلة
ليس فيها من مباهج الطفولة
سوى لونها،
سوى لونها الباهت المّمزَّق!

عن المطر والحُبّ

(1)
سأكتبُ عنكِ قصيدةَ المطر.
سأكتبُ عنكِ قصيدةَ الحُبّ.
سأكتبُ عنكِ قصيدةَ الموت.
وسأسألكِ ببراءةِ الطفل:
أيكونُ المطر أقوى من الحُبّ؟
أيكونُ الحُبّ أقوى من الموت؟
أم هو الموت أقوى من المطر؟
(2)
سأسألكِ، إذن،
قُبلةً في المطر.
وسأسألكِ، إذن،
قُبلةً في الحُبّ.
وسأسألكِ، إذن،
قُبلةً في الموت!
(3)
أعرفُ أنكِ لن تستجيبي
فطلباتي جنونيةٌ خالصة
تربكُ قلبَكِ الباردَ المستكين
وناري سوداء مثل نار المجوس
لا تُبقي ولا تَذَر.
أعرفُ أنكِ لن تستجيبي
ولذا أعتدتُ على شمسكِ الحامضة.
فحين أقبّلكِ يختفي مطرُ قلبك
بل يختفي أرنبكِ الصغير.
وحين تقررين أن تمطري
يكون مطرُكِ، واأسفاه،
مصحوباً بالزلازل
لأنه يكون وقت انحسار البحر
وسيطرة الموت على سمائه العارية.
(4)
سأسألكِ، إذن،
موتاً مريحاً وسط المطر.
سأسألكِ حُبّاًً وسط البحر
حين يتهادى بنا مركبُ الشوق والعنفوان
عاريين وسط زرقة المدّ والجَزر.
سأسألكِ أن تكتبي بسرِّ المطر
حرفي الملتاع
لأكتب بسرِّ السرّ
نقطتكِ الغامضة.
(5)
سأسألكِ العمر كلّه
وأعرفُ أنْ لا جواب.
وسأكررُ السؤالَ كلّ يوم
فالشعرُ هو الحُبّ
والحُبُّ هو المطر
والموتُ هو المطرُ والبحر.
(6)
سأكتبُ عنكِ، إذن،
قصيدةَ الموت:
قصيدة حرفها البحر والحُبّ
ونقطتها المطر.
وسأكتبُ عنكِ، إذن،
قصيدةَ الحُبّ،
أيتها العاشقة التي تبدّلُ اسمها
كلّ يوم،
أعني سأكتبُ عنك،
بصبرٍ عظيم،
قصيدةَ البحر
حين يغرقُ شيئاً فشيئاً
وسط المطر!

أعماق

في أعماقي
طائرٌ أبيض
يسقطُ مذبوحاً في أعماقِ المسرح.
وفي أعماقِ المسرح
صراخٌ وأنين وثيابٌ ممزَّقة
وفي أعماقِ الثيابِ الممزَّقةِ حلم
وفي أعماقِ الحلمِ نهر
وفي أعماقِ النهرِ صبيّ
وفي أعماقِ الصبيّ قلب
وفي أعماقِ القلبِ قصيدة
وفي أعماقِ القصيدةِ حرف
وفي أعماقِ الحرفِ نقطة
وفي أعماقِ النقطةِ متصوّف
وفي أعماقِ المتصوّفِ إله
إله ينظرُ إلى طائري المذبوح بعينين دامعتين.

قمر أسود وكلب رماديّ


(1)
ربّما أنتِ قصيدة بلا عنوان
أو قصيدة بلا معنى
أو ربّما أنتِ حرف لا يخصّ أحداً سواي
في آخر المطاف
مشينا معاً في مدينةِ الجوعِ والمزابل الليلية.
كنّا ثلاثة
والقمرُ الأسودُ يحرسنا بعبثه الأسود.
كان يحرسنا من أنفسنا
ومن الخديعةِ التي وجدتُكِ فيها
تتأرجحين كالجحيم.
ياليته لم يحرسنا
وياليته لم يكن معنا
وياليتني لم أكن معك.
وصولاً اليك
ياليتني بقيتُ مخدوعاً من دونِ قمرٍ أسود
وياليتني بقيتُ قمراً أسود
من دونِ كلبٍ رماديّ.
(2)
كنتِ ترتجفين؟
كنتِ ترتعدين من الهلعِ؟
استجرتِ عليّ بالكلبِ الرماديّ؟
كنتِ تموتين من هولِ المفاجأة؟
أم من هولِ ما بعد المفاجأة؟
ولكنك كنتِ بين ذراعيّ المرتبكتين
تبتسمين بحروفِ الشهوة!
لماذا أخرجتُكِ، إذن، من جنّةِ الكلب؟
الكلبُ يلهثُ، يا إلهي، ونحن نتعرّى في الفراش!
لماذا أخرجتُكِ، إذن، من جنّةِ الخديعة؟
لأضيّعكِ فيما بعد؟
ولأضيع معكِ في حديقةِ الحيواناتِ البشرية؟
ولكنكِ كنتِ ضائعة حدّ اللعنة!
هل أنتِ كابوس؟
كابوسٌ مقدّسٌ أم رماديّ؟
(3)
السطرُ يمتدّ كتاء التابوت.
لاجدوى، بالطبعِ، من البكاء ومن الدمع.
لاجدوى، بالطبع، من لهاثِ الكلب
ولاجدوى، بالطبع، من حديقةِ الحيواناتِ البشرية:
حديقة القمر الأسود والكلب الرماديّ.

الشبيه


سيكون معك:
اسمه سيتكرر أمامك
مثل كوارثكَ التي لا تكفّ
عن الحضور.
وسيتنفّس معك:
نَفَسَهُ ثقيلٌ أثقلُ من دخانِ الموت
وطلعته كئيبة
مثل جمجمة متروكة في العراء.
قد يكون صديقكَ، إذن،
وقد يكون زميلكَ أو شبيهك.
مَن يدري!
ربّما هو مثلكَ يحبّ التمثيل.
لذا سيزعم أنه مَثّلَ مِن قبل
دورَ هاملت أو ماكبث
أو الحلاّج أو النفّري
أو حتّى زوربا اليوناني.
لا تنزعجْ
قد يكون هو الممثل الحقيقي
وأنتَ المزيّف!
وربّما هو المُخرج
وأنتَ الممثل الثانوي
أو المشاهد الكسول
أو بائع الفلافل ببابِ المسرح.
مَن يدري!
ولذا ينبغي أن تحترم أكاذيبه اللامعات
بل ينبغي أن تجيد فنَ الكذب
حينما يسألكَ عن دوره المسرحي الجديد،
فتختار له دورَ الأسد
- وأنتَ تعرفُ كم هو خرتيت-
بل ربّما ستدعوه أسداً
حتّى بعد انتهاء حطام المسرحية.
ولكي ترتاح بعض الوقت
ستسمّيه فيلاً
وتمنحه دورَ الفيلِِ بسعادةٍ غامرة،
وأنتَ تعرفه قرداً
يقفزُ على الأشجارِ العالية
أمام عينيكَ كلّ يوم
ليملأ الهواءَ صراخاً وزعيقاً.
إنه مَن سيشارككَ الشاطئ والبحرَ والسفينة
وربّما سيشارككَ الملجأ في الصحراء
ويركب معكَ قاطرةَ الخوف
أو طائرةَ المجهول.
وربّما،
إن كنتَ محظوظاً،
يجلس معك
غامضاًً مرعباً
مثل جثّة مُحنّطة
في بهوِ الانتظارِ الكبير!

سلاماً عمّان

سلاماً عمّان.
سلاماً يا سلّةَ الحلمِ والحرمان!
سلاماً يا مَن جلستِ على التلّ
وتركتِ خلفكِ الفقراء يرقصون في الوادي
والغرباء يفترشون الساحةَ الهاشميّة
والضائعون يبكون على أبوابِ السفارتِ الثلجيّة
والمحرومون واللصوص والعاطلون
يبحثون عن رغيفكِ اليابس!
سلاماً يا مَن تبكي على الماء
وتبكي على الغيمة
وتبكي على اللذةِ وجسدِ اللذة .
سلاماً على جمالكِ الجبليّ
وعلى فقركِ الأزليّ.
سلاماً على غربائكِ الذين ضاعوا
جميعاً
واحداً بعد الآخر.
سلاماً على لصوصكِ الذين سرقوا
دمعةَ عيني
في وضحِ النهار،
وعلى محروميكِ الذي يدورون
في أزقّتكِ الضيّقة
كالدراويش.
سلاماً على عاطليكِ الذين يزدادون
كلّ يوم
وكأنّهم يتناسلون!
سلاماً على نسائكِ الناعماتِ كالماس،
وعلى سنواتكِ الملآى بالقشِّ والانتظار
وعلى مقاهيك
وعلى مطاعمك
وعلى عماراتك
وعلى خرائبك
وعلى خرافاتك
وعلى مآسيكِ التي لا تكفّ عن الرقصِ في الوادي
فيما أنتِ تنظرين إليها باكيةً مرّةً
وضاحكةً مرّةً
وساهمةً مرّةً في أعماق الغيوم.


أسرّة


سرير الله
يسمّونه: العرش
وسرير العشّاق
يسمّونه: الحُبّ.
سرير الجسد
يسمّونه: الرغبة
وسرير القُبْلة
يسمّونه: اللذة.
سرير الأمومة
يسمّونه: الشمس
ثم سرير الطفولة
يسمّونه: العيد أو ثياب العيد.
(2)
سرير الطائر
يسمّونه: البيضة
وسرير القلق
يسمّونه: الغربة.
ثم سرير البحر
يسمّونه: المرأة أو الغيمة.
(3)
نسيتُ أن أتحدّثَ عن سريرِ الحرف
يسمّونه: الكلمة
وأسمّيه: النقطة!
(4)
وماذا بعد؟
هناك سرير الذكرى
يسمّونه- خطأً- القصيدة.
وماذا عن سريرِ الحياة؟
إنه الموت.
يسمّونه: الموت.
وهو خطأ شائعٌ
كما أخبرني الموتُ نفسه
حين جلسنا مرّةً على السرير!

وصايا

(1)
أيّها الحرف
في اللحظةِ التي ستدخل فيها إلى المسرح
عارياً كسمكةٍ في الماء،
ستُفاجَأ بالحروفِ التي تحيطُ بك:
حروف مرتزقةٍ وأوغاد،
حروف مجانين وأدعياء،
حروف متصوّفةٍ، عشّاقٍ وأنبياء.
ستُفاجَأ، وأنتَ تدخلُ إلى المسرح
عارياً كطفلٍ وُلِدَ الساعة،
بدموعِ تلك الحروف
أو ندمها
أو ارتباكها
أو أكاذيبها
أو هلْوَسَتها
أو ضياعها.
(2)
ولكي تمسك غيمةَ الروحِ على المسرح
وتطلقها إلى سماءِ الله،
ينبغي عليكَ أن تتماسك
وسط السيرك
وأن تتأمّل وسط حديقة النقطة
وأن تبتهج وسط الحلَبة
وتغنّي خارج- داخل الجوقة
وترقص على الصراط.
(3)
حين تكمل دوركَ الصعب
- بنجاحٍ ساحقٍ أو فشلٍ أكيد-
متّجهاً إلى بابِ الخروج
تذكّرْ،
أيّها الحرف،
تلك الحروف التي التقيتَها
في السيركِ أو الحلَبة،
في الجوقةِ أو الحديقة
أو على الصراط.
تذكّرْ وجعَها الأليم ومباهجها الزائلة.
تذكّرْ كيفَ كشفتَ بسرِّ العارفين
ولوعةِ المُحبّين
دموعَها،
ندمَها،
ارتباكَها،
أكاذيبها،
هلْوَسَتها،
وضياعَها الأبدي!

أنين حرفي وتوسّل نقطتي

إلهي
أحببتكَ أكثر مما أحبّكَ الأنبياءُ والأولياء.
فهم أحبّوك
لأنّكَ أرسلتهم بمعجزاتِ النارِ والنور.
أما أنا فأحببتك
لأنّكَ أوّلي وآخري
وظاهري وباطني،
لأنّكَ سقفي الوحيد الذي يقيني
من المطرِ والجوعِ والصواعق،
من الوحشةِ وانزلاقِ الأرضِ والذاكرة.
ولأنّكَ الوحيد الذي يستمع
إلى دموعي كلّ ليلة
دون أن يتعب
من أنين حرفي
وتوسّلِ نقطتي!

طفلة

(1)
مثل ورقةٍ سقطتْ من الشجرةِ اللعوب،
مثل ريشةٍ أُقتُلِعَتْ من جناحِ طائرٍ ما
وجدت الطفلةُ نفسها:
اسمها لا ينطبقُ على ذاكرتها.
فأبوها يشبهُ طائراً
بل كان طائراً حقيقياً
مذبوحاً من الرقبةِ حتّى القلب
وهي الريشةُ التي سقطتْ من جناحه الكسير
وأمها كانت اللعوب: الشجرة اللعوب.
(2)
بعد قرون من الضياع
اكتشفت الورقةُ الشجرةَ التي سقطتْ منها.
فنادتها مستغيثةً: أنا ابنتك!
أنا الطفلةُ، الورقةُ، الريشة!
قالت الشجرةُ: نعم، يا ابنتي.
أردفت الطفلةُ قائلةً: مَن أبي يا أماه؟
أيّ طائرٍ هو؟
صرخت الشجرةُ باسم الطائر
لكنّ الاسمَ ضاع
في الهواء الأسود القاسي.
فالسماءُ كانت ممطرةً جدّاً
والصواعقُ تملأُ الأرض
والرعدُ كان هو الآخر
مبتهجاً حدّ الجنون!

طاغية

الحرفُ الذي لا معنى له
سيشعلُُ للنقطةِ حرباً لا معنى لها،
حرباً تأكلُ الزرعَ والضرع.
وحين يتمّ له ذلك
سيجبرُ الحروفَ كلّها
على المشاركةِ في حربه الغبيّة هذه
حتّى تستسلم له الأبجديات
وتتحول الكتابةُ إلى هذيان عظيم!

عابر سبيل

كلّ عام
كانَ يدخلُ إلى المدينة
ليلتقي بشاعرٍ ما.
أول الأمر التقى بشاعرِ الغرابةِ والقهقهات،
شاعر يشبه نخلةً دون رأس.
كانت المدينةُ تطلّ على بحرِ المزابل.
ثم التقى بشاعرِ الضياع،
شاعر نصف عارٍ ونصف مجنون.
كانت المدينة
تطلّ على بحرِ الجوعِ والقسوةِ والعنف.
ثم التقى بشاعرِ الملوكِ الظَلَمة
فوجده قبيحاً بصلعته الكبيرة
ومسدسه الكبير
وسيل شتائمه الذي لا ينتهي.
كانت المدينة
تطلّ على بحرِ المدافع والقنابل والمشاعل.
وحين انتهت المدافع والقنابل والمشاعل
دخلَ المدينةَ من جديد
فالتقى بشاعرِ الغباءِ الأزليِّ والتفاهةِ المعاصرة
فوجده كلباً في هيئةِ دبّ
ووغداً في هيئةِ مهرّج.
كانت المدينة
تطلّ على بحرِ الجثثِ والفئران والأشباح.
تطلّ؟
لا!
بل كانت تغرقُ كلّ يوم
في بحرِ الجثثِ والفئران والأشباح.
ولذا كفَّ عابرُ السبيل
عن دخولِ المدينة
إلى أبدِ الآبدين!

كنتَ سعيداً بموتك

في الوداع الأخير
أدهشتني كثرةُ مَن رثاك:
مَن ادعى محبّتكَ ليذرف دمعاً وحرفاً.
ولم أستطعْ أن أضيف إلى مأدبةِ الحزنِ شيئاً
فاكتفيتُ بصمتٍ فسيح.
ولكنني قبل أن أموت تذكّرتُك
- ولي في كلّ يومٍ موتٌ بليغ-
فقررتُ أن أنادي على نوح
علّه يسمعنا هذه المرّة
أو أنادي على حمامته أو غرابه
أو أنادي على مَن نجا في سفينته.
وقررتُ أن أنادي، كذلك،
على آلامكَ الباسلة:
أنادي على بودليرك
وعلى متنبّيكَ وسيّابك
وعلى خرابكَ الأزلي
وعلى حاناتكَ السبع
وخساراتكَ الشاسعة.
فاكتشفتُ أنكَ كنتَ سعيداً بموتك!
نعم، فلقد سحقكَ الصَلْب
وزلزلكَ الصليب
وأتعبكَ الحرفُ وخذلتكَ النقطة
وضيّعكَ المنفى وباعكَ البحر
وسرقكَ اللصوصُ والشعراءُ المؤدلَجون
وسط الصحراء الكبرى.
هكذا ارتبكتُ وأنا وسط الرقصة
وذهلتُ وأنا وسط الدمعة
حيث رأيتُ مشهدَ موتي
وحيداً
فريداً
إلا من التابوتِ الذي كان طويلاً
كسفينةِ نوح.

جمجمة

كلّما حاصرَ الشاعرَ الخوفُ أو الملل
أو خَطَرَ له خاطرٌ من الشوق لماضٍ قتيل،
أسرعَ ليقرأ في كتابِ مجنونٍ حكيم.
مجنون حكيم متهم بالغواية
والهذيان المركّز،
ومتهم بقتلِ نفسه
بسكّين طفولته الحافية،
ومتهم بقتلِ أبيه
وصاحبته وبنيه،
ومتهم، كذلك، بقتلِ ذاكرته
ذات الألف ثقب وثقب.
كان الكتابُ كبيراً
وسطوره مكتوبة بلغتين: ميتة ومنقرضة.
لكنْ حين أخذ الشاعرُ الكتابَ معه
إلى البلدِ البعيد
صارتْ سطورُه مكتوبةً بالدمِ والفحم
والصراخِ العجيب.
بل إنّ الكتاب
تحوّلَ في مساءٍ مركّز
إلى جمجمة!
ليس مِن خيارٍ إذن:
لبسَ الشاعرُ الجمجمة!
فصارَ خوفُه ومللُه وشوقُه
جماجمَ صغيرةً مكتوبةً بلسانٍ عربيّ مبين!

قرد الصحراء

حين أتوا به من الصحراءِ إلى الملك
أُعجِبَ به الملكُ جدّاً
إذ لم يرَ قرداً
يرقص من قبل
بهذه الخفّة
وهذا الاحتراف!
ولذا أصبح تسلية الملك الأولى
صباحاً ومساءً
مساءً وصباحاً
بل صار الملكُ يصحبه
ليقدّم رقصته
أمام زوجاته البدينات
أو ضيوفه الإمّعات.
وحين يصيب القردَ الملل
يُؤخَذُ إلى الغابةِ البعيدة
ليلتقي بأصدقائه القِرَدة،
فيعرض القردُ عليهم
مزهواً هدايا الملك:
موز ذهبيّ،
تفّاح ذهبيّ،
عرموط ذهبيّ.
تفرحُ القِرَدة
لمنظرِ الفاكهةِ العجيبة
وتحاولُ جاهدةً
أن تمضغ الموزَ الذهبيّ
والتفّاحَ الذهبيّ
والعرموطَ الذهبيّ.
وحين تفشل في مضغها
ترمي القِرَدةُ الفاكهةَ الذهبيّة
على الأرض
وتتسلّق الأشجار
لتطلقَ أصواتاً منكرةً
ساخرةً
من قردِ الملكِ الذي يشعر،
وقتئذٍ،
بالخزي من نفسه،
ومن الأصدقاء القِرَدة،
ومن الملكِ وَهَداياه:
الموز الذهبيّ،
والتفّاح الذهبيّ،
والعرموط الذهبيّ!

حاء باء


حينما متّ
لم يشأ أحدٌ أن يخبر الحروف
بالنبأ الأليم.
عدا الحاء الذي أعلمه قلبُه بالنبأ
والباء الذي خَطَرَ له خاطرٌ في المنام
فأصرّا أن يرافقاني إلى مثواي الأبدي
في أقصى قارّاتِ الماءِ والمساء
باكيين
مذهولين
كمركبِ لاجئين
يغرقُ في بحرِ الظلمات.
نعم،
فالحاءُ رفيقُ طفولتي المُحنّطة
بالبردِ والحرمان
وشبابي الذي يشبهُ جَمَلاً تائهاً
في الصحراء.
والباءُ رفيقُ شيخوختي التي بددتُها
على الشاطئ البعيد
أتأمّل زرقةَ البحر
وأكاذيبه
أعني قصائده العارية التي لا تكفّ
عن الموتِ والهذيان.

العلقم

(1)
في بيتِ الطينِ ووطنِ الطين
سيعطونكَ صحناً من البطّيخ لتنسى.
بطّيخ حلو
ما أن تضعه في فمك
حتّى يصبح مرّاً كالعلقم.
(2)
المشهدُ قاسٍ حتماً.
فكراجُ السياراتِ موحشٌ ومظلم
وأنتَ تهربُ من شمسٍ سوداء إلى شمسٍ خضراء.
ينبغي عليكَ وأنتَ في صميمِ طفولتكَ اليومية
أن تخفي أسماءَ أمطاركَ الموسمية،
أن تخفي شعاعَ الروحِ في قلبك
وتحذر من السائقِِ المرتاب
وقاطعِ التذاكرِ البشع
والركّابِ الذين يشبهون سجناء
يُقادون إلى منصةِ الإعدام.
(3)
لم تكن الرحلةُ سوى رحلة يوسفية.
فابتلاعُ البطّيخ تكرر ثانية
بل أصبح يتمّ تحت التهديد
ليشي بفسادِ الأمكنة
وتفاهةِ البئر
وتخاذلِ المطر!
نعم،
فمرارةُ البطّيخ صارَ لها طعم الأيديولوجيا
وطعم الشرطةِ السرّيةِ والعلنية
وطعم المهرّجين والمهرّجات
وطعم المدنِ المنكوبةِ بالجوعِ والمزابل الليلية.
(4)
ستستبدل، إذن، بطّيخةً بأخرى.
المرارةُ تقودُ إلى الموت.
المرارةُ تتكرر.
المرارةُ ترافقها الوحشة
وقاموسُ الأخطاء
وبلاهاتُ الرغبةِ والحُبّ.
(5)
احذرْ فالموتُ آتٍ
وسوطُ الأيديولوجيا يجعلُ الناسَ سكارى
وما هم بسكارى.
ستستبدل، إذن، بطّيخَ الطينِ ببطّيخِ البحر،
أعني ببطّيخِ بلادِ البحر.
لا يهم،
فسوءُ الفهمِ أضحى أزليّاً
كما يقولُ الفلاسفة
وأضحى مزمناً كما يقولُ الأطباء.
واحذرْ فالبحرُ آتٍ.
(6)
واسيّداه
الرحلةُ أقسى مما أتصوّر.
وأمطاري الموسميةُ تحاصرني
فأبتهجُ في حلمي لحظات
لألتقي في بلادِ البحر
بالخنزيزِ خادمِ الملوكِ الظَلَمة
وبالخرتيتِ آكلِ القمامة
وكاتبِ مقالاتِ القمامة
وبالقردِ الذي قضّى عمره
في سجنِ الصحراء.
واسيّداه
الرحلةُ أقسى مما أتصوّر.
والموتُ صارَ لي عنواناً
أستبدلُ التاءَ فيه بالواو
والواوَ بالميم
فلا ينفع
ثم أكتبُ الألفَ بمدادِ دمي
وآمرهُ بالطيران
فلا يستطيع.
وأنتبهُ للدالِ: دال الطفولة،
دال الأمطارِ الموسمية،
دال الحبرِ الأخضرِ والشمسِ الخضراء
ولباس الحبيبةِ الأخضر،
آمرهُ بالحضور
فلا يستطيع.
والياء باء
والباء آخر ماتبقّى
والباء باؤك واسيّداه!
(7)
واسيّداه
البطّيخ مرّ كالعلقم.
والعلقمُ صارَ كالسكّين يمزّقُ البلعوم
وأنتَ أقربُ من حبلِ الوريد.
فما العمل؟
واسيّداه
البطّيخ صارَ أكثر مرارة من الموت.
والموتُ اختفى في ماضٍ
يجيدُ لبسَ القناع والسير وسط الظلام،
وحاضرٍ يجيدُ رفقةَ القِرَدَة والخنازير،
ومستقبلٍ يخفي شمساً سوداء
يسمَيها الفلاسفةُ شمسَ العدم
ويسمّيها الشعراءُ شمسَ الحقيقة
ويسمّيها الحالمونُ شمسَ الأمطارِ الموسمية
ويسمّيها أو يسمّونها أو تسمّيها...
وما الفائدة؟
الفاكهةُ الوحيدةُ هنا هي البطّيخ
والبطّيخ مظلمٌ وموحش،
البطّيخ مصابٌ بأيديولوجيا سوء الفهم
وسوء الحظّ،
البطّيخ هو الحظّ،
البطّيخ هو الطفولة،
البطّيخ هو العيدُ وثياب العيد،
البطّيخ هو الفرات،
البطّيخ هو لباسُ المرأةِ الأخضر
وشمس الله الخضراء.
واسيّداه
الرحلةُ أقسى مما أتصوّر.
الرحلة يسمّونها أو أسمّيها أو تسمّيها...
وما الفائدة؟

ذات ربيع

ذات ربيع
أقامت الحروفُ معرضاً في الهواء الطلق.
رسمت الباءُ امرأةً عارية
تبيع البيضَ في السوق.
ورسمت الحاءُ دماً يتدفّق
وجلاّدين يتقاتلون كالوحوش.
ولثغت الراءُ باسمها
فتساقطتْ طفولةُ الفراتِ من كأسها
وسطعتْ ألوان العيدِ البعيدِ في عينيها
لتضحك أفلامُ الغرامِ والانتقام
في جيوبها التي مزّقها الدهر.
وتألّقت السين في مشهدِ الطينِ والماء.
ولوّنت النقطةُ مشهدَ الارتباك
حيث يعزّي الأنبياءُ والأولياءُ والشعراء
بعضهم بعضاً
بمناسبةِ حضورِ مشهدِ الجنازة
ممتلئاً برفيفِ أجنحةِ الملائكة
وصيحاتِ الأتباعِ والخاطئين، والمخلصين والمرتدّين.
وحده الألف
كان يراقبُ المشهدَ من شرفته العالية
مذهولاً
إذ أنفق العمرَ كلّه
يتأمّلُ في مشهدِ المرأةِ العارية
والدمِ المتدفّقِ وصيحاتِ الجلاّدين
والفراتِ الطفل
وأفلامِ الغرامِ والانتقام
ومشهدِ الارتباك
مزدحماً بالأنبياءِ والملائكةِ والخاطئين والمرتدّين.
وحده الألف
كان يراقبُ المشهدَ المضحكَ المُبكي.
لكنّه في ربيعٍ عجيب
سقطَ من شرفته العالية.
( قيل إنّ رفيفَ الملائكة
شجّعه على الطيران
وقيل إنّ الشيطانَ أغراه)
فلما سقطَ على الأرض
وانفصلت الهمزةُ عن رأسه الشريف
أفاقَ وصاحَ: لِمَ؟
;وكيف؟
ومّم؟
وعلامَ؟
وإلامَ؟!
غير أنّ الحروف
لم تأبه كثيراً لأسئلته الكبرى
ولا لدموعه الحرّى
وبقيت تقيمُ معرضها في الهواء الطلق
كلّ ربيع.

لا فائدة!

حين ولِدَ الحرف (هل لولادته فائدة؟)
نزلَ ليسبح في بحرِ اللغة
حتّى كاد يغرق في بحرها المتلاطم العجيب.
قيلَ له: ابحثْ عن نقطتكَ يا هذا!
قال: هل من فائدة؟
قيلَ له: لا معنى لك دونما نقطةٍ فانتبهْ!
وإذ بدأَ رحلةَ البحثِ هذه
واجهته كوارثُ البحرِ كلّها
فأُصيبَ بسوء الحظّ
وسوء التوقيت
وسوء التقدير
وسوء الاختيار
وسوء التدبير.
لم يستسلم الحرف
كان قلبه مثل شمسٍ استوائيةٍ مبهجة.
قيل له: إياكَ أن تستسلم
فاللغةُ بحر عنيد
وليست هي العيد أو مركب العيد.
هكذا كافح الحرفُ سبعين عاماً
هي العمر كلّه
حتّى أُصيبَ، أخيراً، بسوء العاقبة!
واأسفاه
لا فائدة!

قصيدة بلا عنوان

(1)
حين نثرتُ حروفي على الورقة
رأيتُها في مشهدٍ عجيب:
رأيتُ حرفاً يشعلُ الحرائق
في كلّ مكان.
ورأيتُ الآخرَ يخنقُ الماضي
ويذرُّ رمادَ المستقبل.
ورأيتُ الثالثَ يجلدُ نفسه
والرابعَ يحلمُ بغيمةِ حبّ
تأخذه بعيداً بعيداً
حيث الأجساد بنعومةِ الزبدة
وبلذّةِ قُبْلةِ الوصال.
ورأيتُ الخامسَ يمارسُ الغشّ
مستمتعاً بالأكاذيب والترّهات.
ورأيتُ السادسَ باكياً على طفولته
والسابعَ مصعوقاً من نقطته
والثامنَ غاطساً في الياء والسين
والتاسعَ ضائعاً في كأسه وخمرته.
(2)
كان المشهدُ رماديّاً.
والقصيدة،
أعني الجملة،
أعني الكلمة،
بحروفها التسعة
عصيّة على الولادة
مادامت عصيّة على الوصول إلى نفسها
في آخر المطاف!

أنتِ أنتِ وأنا أنا

قالَ الحرف:
أيّتها النقطة،
كنتِ أنتِ أنا
وأنا أنتِ
حين كنّا في منتصفِ القُبْلة،
في منتصفِ السريرِ الضيّق،
في منتصفِ ربيعِ الحُبّ،
في منتصفِ حلمِ الطائرِ فوق البحر.
فماذا حدث للقُبْلة،
للسريرِ الضيّق،
لربيعِ الحُبّ،
لحلمِ الطائرِ فوق البحر،
لتصبحي أنتِ أنتِ
وأنا أنا؟

بلد سحريّ

في بلادِ الكنغر
ينبغي أن تمارس الطيران
دون رأسٍ أو جناح
دون بوصلةٍ أو اتجاه.
ينبغي أن تنام
وأنتَ تقطع المحيط
طافياً فوق خشبتك،
وأن تقطع المحيط
طافياً فوق خشبتكَ وأنتَ تتلاشى،
وأن تتلاشى وأنتَ تحلم،
وأن تحلم وأنتَ تحترق،
وأن تحترق وأنتَ تمارس النوم.
أعني أن تحترق وأنتَ تنام
في هدوءٍ عظيم!


صديقي تولستوي

ليس من حقّك،
يا صديقي العظيم تولستوي،
أن تلقي بآنا كارينينا
- بطلة روايتك-
تحت عجلات القطار!
كيف سمحتَ لعجلاتِ القطار
أن تقطّع أصابع آنا المترفة
ووجهها المضيء بالعذوبةِ والرقّةِ والجمال
وشعرها الفاتن
وجسدها الذي عشقه كلُّ مَن رآه؟
ليس من حقّكَ، يا صديقي العزيز،
أن تقتل آنا
أمام عينيّ المثقلتين بالدموع
وقلبي الغاطس في الأسى
وجسدي الذي يفنى بهدوء
في أقاصي الدنيا
لتجعلني شاهداً أخرس
لا يستطيع أن يفعل أيَّ شيء
سوى الاعتذار لآنا كارينينا
كلّ ليلة
بكلماتٍ لا معنى لها
ولا هيئة لها
عن جريمةٍ
لم يقترفها على الإطلاق!

سقوط الحرف وصعود النقطة

عندما بدأنا نشربُ الخمرة
في حانةِ المسرّة
فرحين وسط الموسيقى العجيبة
ومنتشين كما ينبغي لأمثالنا من الفانين،
سقطَ الحرف
سقطَ الحرفُ من كرسيّه العالي
على الأرض
مغشيّاً عليه
وتناثرَ جسده طيوراً وبلابل،
دماً ودموعاً،
أدعيةً وصرخات.
وحين التفتُ إلى النقطة
وجدتها تنهض
لتصعد إلى مسرحِ حانةِ المسرّة
لتتعرّى وترقص،
لترقص وتتعرّى
بكلِّ ما أوتيتْ
من رغبةٍ وشهوةٍ وجنون.


لماذا

إلهي
لقد غيّبَ الموتُ العاشقَ والمعشوق
والمغنّي
والأغنية
والمستمعين واحداً بعد الآخر.
ثم غيّبَ الموتُ صاحبَ المقهى الذي كان
يذيع الأغنيةَ كلّ يوم
من مذياعه العتيق.
ثم غيّبَ المذياعَ العتيق
وكراسي المقهى ومراياه الكبيرة.
وأخيراً،
دون مقدمةٍ ذات مغزى أو معنى،
غيّبَ الموتُ النهرَ الغامضَ الذي كان
يعطي المقهى
والأغنية
والمغنّي
والمستمعين
وصاحبَ المقهى ومذياعه العتيق
سحرَ الحياة.
إلهي
وحدي كنتُ الحيّ الباقي،
الحيّ الشاهد على ما حدث،
أعني الحيّ الذي يكتبُ هذه الحروف
بقلمه المرتبك حدّ اللعنة
والذي يتوقف كلّ دقيقة
ليتأكد من أن أصابعه لم تزلْ
تستطيع الكتابة!

بكاء


(1)
جلسَ الصبيّ وسط حشدٍ كبيرٍ من الشعراء:
كانوا يرثون والدَ الصبيّ الذي مات
دون مقدمةٍ أو بَسْملة
وتركَ الصبيّ في غربةٍ مثخنةٍ بالأسى.
أفرطَ الشعراءُ في مدحهم لأبيه
قالوا عنه كلاماً بليغاًً
لم يفهم الصبيّ منه كلمةً واحدة.
قالوا: لقد كان شاعراً
بزّ في شعره القدماءَ والمحدثين،
شاعراً لا يشقّ له غبار.
قالَ الصبيّ في سرّه:
(ما معنى بزّ في شعره؟
وما معنى لا يشقّ له غبار؟)
ثم أكملَ الشعراءُ أمسيتهم
بتناولِ عشاء فخمٍ أعدّه رجلٌ محسنٌ وغريب.
وبدأوا يتناقشون في الكاسِ والطاس
بل إنّ بعضهم صار يضحكُ بفمٍ أدرد
لآخر يلقي طرفةً داعرة
بصوتٍ خفيض.
( 2)
حين غادرَ الشعراءُ في آخر الأمسية،
بكى الصبيّ  بكاءً مرّاً.
بكى على أبيه
وعلى فراقِ أبيه
وبكى من كلامٍ لم يفقه منه شيئاً
وبكى، كذلك،
على عشاء لم يذقْ منه
لقمةً واحدة!