رجوع الى مقالات

  عن «الأحزاب الدينية»


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


بقلم/  طارق حجِّي ٢٢/٣/٢٠٠٧


هناك أكثر من سبب منطقي وعقلاني ووجيه لكي تتجه الأمة «أي الأمة المصرية» من خلال التعديلات الدستورية المرتقبة، للنص الصريح علي عدم جواز تأسيس الأحزاب السياسية علي أسس دينية فهناك أولاً اعتقاد الكثيرين بأن ما يضفي كثيرون عليه هالة من التقديس وأعني «الفقه الإسلامي» هو - أي التقديس- أمر لا أساس أو مبرر أو تسويغ له فالفقه الإسلامي عمل بشري محض،

ولعله من المفيد أن أشير هنا لأكثر التعريفات استقرارا وانتشارا للفقه الإسلامي وهو التعريف الذي يقول: «إن علم أصول الفقه هو علم استنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية» ولا نحتاج لأن نصرف كثيراً من جهد في إثبات أن أي «عملية استنباط» هي عمل بشري بحتمية اللغة والمنطق كذلك فإن تعاقب الفقهاء السنيين الأربعة الكبار «وأتحدث هنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل» وقد عاشوا وماتوا خلال أقل من قرنين وتعاصر منهم الثاني والثالث علي الأقل..

إنما يؤكد أننا بصدد عمل بشري وإلا فكيف يجرؤ «مالك» علي وضع مذهب فقهي مختلف عن مذهب أبي حنيفة لو كان العمل الذي قام به أبوحنيفة أي شيء عدا كونه عملا بشريا؟ ناهيك عن أن ثالث فقهاء السنة الأربعة الكبار كان له مذهبان: مذهبه للعراق ومذهبه لمصر، وهو أمر له دلالات بالغة الوضوح وأهمها أننا بصدد عمل بشري إنساني محض «من ألفه إلي يائه».

وبالتالي، فإن المبادئ التي يعتقد البعض أنها مبادئ الإسلام في نظم الحكم، ما هي إلا «اجتهاد»، وهذا الاجتهاد هو ما سمي «الأحكام السلطانية».. ويعرف المتخصصون أن الحكام «سواء حكام حقبة بني أمية أو حكام الحقبة العباسية»، كانوا وراء معظم ما كتب عن الأحكام السلطانية ليضمنوا أن ما سيكتب سيأتي مواتياً لرغباتهم وفهمهم هم، وهو أمر تكرر في مجتمعات أخري «وأشير هنا لعلاقة آراء وكتابات المفكر السياسي البريطاني هوبز بالعرش البريطاني أو بالتحديد بأهواء العرش البريطاني في مسألة تكييف العلاقة بين الحاكم والمحكومين».

وهكذا فإن وجود أحزاب سياسية علي أسس دينية هو أمر غير منطقي، حيث إن المبادئ التي يقال إنها مذهب الإسلام في شؤون الحكم لا تعكس إلا فهم بشر مثلنا قد يخطئون وقد يصيبون، والأمر كله عمل بشري.. وخلاصة القول هنا، أن الإسلام لم يقم بوضع نظام شامل كامل لقواعد، ونظم الحكم تصلح لأن تكون بديلا عن القواعد الدستورية التفصيلية المعاصرة، وذلك لأن هذه ليست هي مهمة أو غاية الإسلام، فالذي يعيب علي الإسلام خلوه من النظام السياسي كمن يعيب علي الإسلام أنه لم يقدم نظرية متكاملة في علم النفس أو في علم الاجتماع أو في علوم الإدارة!!

والواقع أن الإسلام جاء بمجموعة عامة من القواعد الكلية التي من الأفضل والأنفع الاستهداء بها عند وضع القواعد التفصيلية. أما هذه القواعد التفصيلية «مثال: كل ما جاء بكتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي وبعشرات الكتب المماثلة في الموضوع والعنوان» فإن ذلك عمل بشري محض يعكس اجتهادا إنسانيا يترجم هو أيضا القدرات العلمية والعقلية والمكونات الثقافية ودوافع كاتبها، كما يعكس حقائق الزمان والمكان.

وما أريد أن أركز عليه في هذا المقال هو أن هناك منطقا لم يسلط عليه كثيرون الضوء من قبل وهو جدير بنسف وجهة النظر التي تدعو لتأسيس أحزاب سياسية علي أسس دينية، فلو بدأنا من أن مجمل القواعد التي يسميها البعض نظم الحكم في الإسلام ما هي إلا استنباطات لرجال عاشوا منذ أكثر من ألف سنة وأعملوا فكرهم وعقولهم وحاولوا تقديم القواعد التي يظنون أنها ستؤدي «في زمانهم ومكانهم وعلي قدر فهمهم وعلمهم وظروفهم» لإقامة نظام حكم يعبر عن القيم الاساسية التي يدعو لها الإسلام ويتوخي شيوعها وذيوعها في المجتمعات الإسلامية،

إذا بدأنا من هذا المنطلق فإننا نكون قد اتفقنا علي أن ما يسمي «نظم الحكم في الإسلام» هو تعبير عام «غير دقيق» عما كتبه فقهاء مسلمون منذ أكثر من ألف سنة في محاولة «جادة ومحترمة» منهم لإيجاد نظم حكم في مجتمعاتهم تتماشي وتنسجم وتتوافق مع مبادئ وقيم الإسلام.

ومعني هذا أننا حتي لو سلمنا بأن مؤلفي كل ما وصلنا من كتابات المسلمين الأقدمين عن قواعد ونظم الحكم هو كتابات قيمة وتستلهم «روح الإسلام» «وهذا أقصي ما يستطيع أي صاحب عقل أن يصل إليه» فإن علي الجميع أن يؤمنوا بأنه نظرا لتقاعس المسلمين «لمدة تبلغ الآن قرابة الألف سنة» عن التجديد والإضافة لكتابات الفقهاء الأقدمين في مجال الأحكام السلطانية «وهو ما يعكس من المصطلحات المعاصرة نظم وقواعد الحكم الدستورية والسياسية»..

فإن أي حديث عن الاقتباس من هذه المؤلفات- كما وضعت منذ ألف سنة قبل حدوث نهضة فقهية إسلامية معاصرة تدلي بدلوها في هذا المجال مجال الأحكام السلطانية بالتعبير القديم الذي يجب أن يتبدل بمصطلح يعبر عن حقائق الزمن- إنما سيكون مثل من يفتح كتابا وضع في القرن العاشر الميلادي في الطب والصيدلة، ويريد أن يؤسس عليه نظاما ومؤسسات طبية معاصرة..!! فإن ذلك سيؤدي -لا محالة- لموت كل المرضي!!

وكما قلت في مواضع أخري، فكما أن الإسلام تكلم عن الدواب والأنعام كوسائل انتقال، ولا عيب في ذلك، فقد تكلم عن الشوري وليس عن الديمقراطية وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان وأيضا لا عيب في ذلك وإنما العيب أن يتمسك إنسان بالدواب كوسيلة انتقال كما أراد الوهابيون بقيادة فيصل الدويش في معركتهم مع الملك عبدالعزيز في عشرينيات القرن العشرين عندما رفضوا كل مظاهر المدنية والحداثة مثل السيارة والتليفون والراديو.

وفي اعتقادي أن الذي يتمسك بمصطلح الشوري وهو مصطلح بسيط يعكس حقائق العصر والجغرافيا ودرجة التقدم، يكون كمن يتمسك بأن وسائل المواصلات يجب أن تكون هي الدواب والأنعام، لأن الإسلام تكلم عن الدواب ولم يتكلم عن السيارة والقطار والطائرة، ولكن البعض قد يقول: ولماذا لا نستطيع نحن كمسلمين تأسيس أحزاب سياسية علي أسس دينية، بينما يوجد العديد من الأحزاب السياسية التي توصف بالمسيحية في أوروبا ولعل أشهرها الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تنتمي إليه السيدة ميركل التي تحكم ألمانيا اليوم..

وأمامي وأنا أكتب هذه الكلمات دساتير كل الدول التي بها أحزاب مسيحية وأيضا مبادئ هذه الأحزاب وأهمها الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني، ولا توجد كلمة واحدة لا بتلك الدساتير ولا بتلك المبادئ.. تشير إلي أن هذه الأحزاب ستحكم بمبادئ دينية أو بمبادئ غير قواعد الدستور بل إنها «رغم تسميتها بالمسيحية» لا تحمل من هذه الصفة إلا الاسم، فهي أحزاب تمثل أجنحة محافظة تستلهم القيم من المسيحية ولكنها حاكمة ومحكومة ومنضبطة بقواعد الدستور والقوانين الوضعية، ولا أظن أن أنصار حركة مثل الإخوان المسلمين في مصر وغيرها، يمكن أن يعلنوا أن هدفهم من تحويل حركة الإخوان المسلمين لحزب سياسي هو أن يصلوا لشكل مماثل للحزب الديمقراطي المسيحي!!

وتبقي جزئية مهمة وهي اعتقادي الجازم بأن الأحزاب السياسية التي تسمي نفسها أحزابا إسلامية هي «أحزاب سياسية محض» بلا فارق بينها وبين غيرها فكلها كيانات سياسية صرف تحاول الوصول للحكم «وهو أمر مشروع» إلا أن البعض يلعب علي أوتار عاطفية عندما يسمي نفسه بـ«الإسلامي» وما هم إلا محض حركة سلفية تعيش علي فهم واستنباطات بشر عاشوا منذ أكثر من ألف سنة وتعاملوا مع مسائل عصرهم وزمانهم وحاولوا إيجاد الحلول لها وهي حلول كانت ابنة الزمان والمكان ولا أدل علي ذلك من وضع محمد بن إدريس «الإمام الشافعي» مذهبا جديدا عندما جاء لمصر «لأن مذهبه الأسبق كان مناسبا لبيئة أخري هي العراق»

والكارثة أن يأتي بشر يتميزون بالكسل والعطالة الفكرية إذ إنهم لم يجتهدوا لا هم ولا آباؤهم ولا أجدادهم لمدة ألف سنة ولكنهم يريدون أن يعيشوا عالة علي فهم بشر آخرين حاولوا واجتهدوا منذ عشرة قرون.

وفي اعتقادي أن الحركات التي تسمي حركات الإسلام السياسي ومنها حركات الإخوان المسلمين تعاني دون أن تدرك من إشكاليات فكرية هائلة وذات آثار بالغة القوة والسلبية، فالإسلام تطرق لمبادئ عليا عن العدل والإنصاف والمساواة وفضائل العلم و«الذين يعلمون في مقابل الذين لا يعلمون» بما يمكن أن نسميه مبادئ كلية أو «ماكرو»، ولكنه ولكي يبقي صالحا لأزمنة وأمكنة غير أزمنة وأمكنة فجر الإسلام لم يأت بأحكام تفصيلية أي علي مستوي الجزئيات ودقائق التفاصيل والآليات أي علي مستوي «الميكرو»، وفي ظل هذا الوضع الذي لا يقبل بتوصيفنا هذا له أتباع حركات الإسلام السياسي فإنهم يبحثون بجهد جهيد عن نظام متكامل عدا المبادئ الكلية

ونظرا لعدم وجود هذا النظام المتكامل فإنهم يتمسكون بذات المواضيع «مثل حرمة فوائد البنوك والنظام العقابي وغيرهما» والأسلم والأكثر جلبا للصالح المفقود بينهم وبين الإنسانية أن يعترفوا بأن الإسلام جاء كدين سامٍ وليس ككتاب اقتصاد أو سياسة أو اجتماع أو علم نفس أو كيمياء أو طب ولكن كيف لهم أن يلعبوا لعبة السياسة بعد أن يعترفوا بهذا الاعتراف الذي ندعوهم إليه؟ إنهم إن فعلوا تخلوا عن أقوي مواد الدعاية السياسية التي بأيديهم كما أنهم سيكونون مطالبين بتقديم برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي عدا مسألة «تطبيق أوامر الله» و«الإسلام هو الحل» و«البركة» وما لا يوجد لديهم سواه من شعارات عامة مجردة، ما إن يهبط بها الإنسان المدقق لمستوي الحياة ومعمل العلم والتجربة والفحص والتدقيق حتي يجد أنها بالونات هائلة ليس بداخلها إلا الهواء

وهو هواء سياسي محض لا دين فيه بأي شكل أو أي قدر. وتبقي مسألة البركة فكثير من المسلمين الطيبين البسطاء يعتقدون أن وجود أشخاص علي رأس المجتمع يحكمون باسم الإسلام هو أمر كفيل بتحقيق الخير والبركة ولهؤلاء أقول: إن المسلمين الأوائل الصحابة من المهاجرين والأنصار قد هزموا في معركة موقعة «أُحد» وفي وسطهم الرسول صلي الله عليه وسلم ولو كان النصر أو النجاح أو التقدم أو الخير يتحقق بالبركة لانتصر المسلمون «يوم أُحد» وبين ظهرانيهم البركة كلها الرسول صلي الله عليه وسلم،

ولكن هزيمة المسلمين الصحابة، من المهاجرين والأنصار، ووسطهم النبي صلي الله عليه وسلم، جاءت لتؤكد أن الله كما خلق الخلق فقد خلق قواعد وقوانين سير الكون ومنها قوانين الطبيعة، ومن بين هذه القوانين أن من يحارب دون مؤهلات النصر العلمية والمادية الصرف لابد أن يهزم.. بهذه القوانين انتصر المسلمون بقيادة طارق بن زياد عند غزوهم الاندلس وبذات القوانين انهزم المسلمون بعد عدة عقود في معركة «بو» في جنوب فرنسا ولا دخل للبركة في النصر الأول ولا دخل للبركة في الهزيمة الثانية..

وهكذا فإن من يظن أنه سيحكم باسم الإسلام وأن البركة ستحل «لأنه يحكم باسم الاسلام» فسوف يأخذ النتائج «في كل المجالات» مثل نتيجة معركة موقعة أحد، فالنصر والتقدم والحكم الناجح يحدث فقط بالعلم وحسن الإدارة وهي كلها أقانيم إنسانية لا دين ولا ملة ولا جنسية لها وهي أقانيم لا يوجد دليل واحد علي أن من يريدون أن يحكموا مجتمعاتهم باسم الدين يتحلون بها بل هناك أدلة وأدلة «مستقاة كلها من خلفياتهم ومحصولهم المعرفي وصلتهم بعالمية العلم والمعرفة وقيم التقدم» علي أنهم لا ولا يمكن أن يحوزوها..

 

Back to Top 


 © Arab World Books