رجوع الى مقالات

  السينما التسجيلية والتسطيح التلفزيوني


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 



عائد نبعة*


تشهد القنوات والفضائيات التلفزيونية في الآونة الأخيرة قريحة عالية في عروض الأفلام التسجيلية,وتنوع موضوعاتها وملاحقتها لما يسمى بالموضه الخبرية, فوقوع حدث ما في بلد ما يعني عرض فيلم تسجيلي عن هذا الحدث وفي أسرع وقت ممكن, وبعد ساعات قليلة من وقوع الحدث يبدأ التلويح بمادة أعلانية عن فيلم تسجيلي سيبث عن هذا الحدث الهام قريباً وهذا يعني أنه سيكون في الغد أو بعد غد,تبين أن هذه القنوات تسلم رقابها إلى مجموعة من الشركات المستقلة ,أو تأسس بدورها شركات إنتاج تلفزيونية خاصة تابعة لها, ومهمة هذه الشركات إنتاج أفلام تسجيلية بالجملة ,حيث ترسل القناة قائمة بالعناوين المراد إنتاجها وتقوم هذه الشركات بإنتاج هذه الأفلام بمدة قياسية مذهلة,وبوقت وجهد وكلفة أقل,وتسليمها في الأوقات التي حددتها القناة ضمن عقود مبرمة,النتيجة أن مجمل هذه الأفلام لا تصلح أن تسمى أفلاماً,لأنها مجردة من سمتها الفنية والسينمائية,إنما تصلح ريبورتاجات للبث خلف مذيعي الأخبار,فالبحث غير الجيد والإعتماد الكبير على التعليق الذي يمكن أن يكون مقالاً في مجلة,وإستخدام الصور الأرشيفية المتنوعة دون نسيج فيلمي أو صيغة لإيجاد علاقة بين هذه الصور, أمور أدت إلى تسطيح الفيلم التسجيلي وتجريده من مضمونة,وسلبه للحقيقة التي جاء أصلاً ليمكنها.

Screen Shot from Ahlam Manfa Film
لقطة من فيلم أحلام المنفى

فإن أي عملية إتصال في هذا العالم تتكون من مرسل ومستقبل ووسيلة إتصال, والسينما التسجيلة لها خصوصية وديناميكية عالية كوسيلة إتصال لأنها تتيح للمستقبل رؤية الواقع دون تزييف أو تحريف أو تجميل أو حتى تقبيح, فلغة الخطاب السينمائي في هذه الأفلام هي لغة الواقع والحقيقة,لذى نرى بعض المخرجين في السينما العالمية يلجؤون وبشكل مباشر للقطات التسجيلية ضمن نسيج الفيلم الروائي عندما يعجزون عن إعادة تمثيل بعض الأحداث أو حتى محاكاتها,لأن كل لقطة في الفيلم التسجيلي هي نتيجة للتسجيل المباشر لمادة الواقع,ولا يمكن مقاربتها بلقطات أعيد إنتاجها لمحاكاة الواقع لأن الحدث لا يقع مرتين في الواقع وإن وقع فإن تأثيره يكون مختلفاً في كل مرة,فاللقطة التسجيلية هي التي تدل على الحقيقة ,أما اللقطة المعاد إنتاجها للمقاربة من الحقيقة فهي إنتاج آخر للحقيقة من خلال إسقاط الوعي البشري على هذا الواقع,ونلحظ أن كثير من مخرجي الأفلام التسجيلة لجؤوا إلى نفس اللقطات لإستخدامها في أفلامهم وخصوصاً الأفلام التسجيلية التي طرحت مواضيع الحرب العالمية الثانية, التي كان لها الدور الأكبر أي الحرب في إزدياد أهمية الوثيقة السينمائية,ولكن نجد هناك إختلافاً في طرق تركيب الفيلم أو إختلافاً في طرق معالجة الموضوع نفسه,لأن الوثيقة السينمائية موجودة لخدمة الحقيقة أينما وجدت وفي أي سياق,ولكن هذا يختلف في السينما الروائية فاللقطة صالحة لمرة واحدة فقط وإذا أنتزعت من نسيجها السينمائي ستكون بلا قيمة إلا إذا اعيدت ضمن سياقها الفيلمي.

ويجب التميز هنا بين الفيلم التسجيلي و العمل الإخباري, وإستحالة إلتقاء كل منهما فالتقرير الإخباري أعد ليوضح شيءً ما أو ليظهر خبر ما, أما الفيلم التسجيلي فالأصل فيه أنه أعد ليعرض في صالات السينما, فيحمل هذا الفيلم فكرة ما أو مجموعة أفكار وهوعبارة عن تجميع مواد من الواقع حيث يتم فصل كل لقطة عن واقعها ومحيطها الإجتماعي وتجميعها مع بعضها البعض ضمن صيغة سينمائية جديدة ذات قصدية ممنهجة, وأي خلل يؤدي في هذا الجمع ستكون هذه اللقطات منعزلة وتمثل كل لقطة منها حقيقة مختلفة ليس علاقة بالأخرى,فالأصل وضع كل هذه الحقائق لخدمة حقيقة واحدة وهي الحقيقة المركزية التي تدور في عقل صانع الفيلم والتي نتجت بالضرورة عن مخزون فكري ووعيوي عميق وبحث مكثف, والذي يعد ثلثي الفيلم التسجيلي والهدف الأساسي من هذا البحث هو الوصول إلى الحقيقة التي هي غاية كل سينمائي ,يقول الفيلسوف فريدرك نيتشة في هذا المقام "لا يكفي لطالب الحقيقة أن يكون مخلصاً في قصدة بل عليه أن يترصد إخلاصة ويقف موقف الشك فيه ,لأن عاشق الحقيقة يهيم بها لذاتها "هذا البحث و التقصي العميق للحقيقة يمكّن السينمائي من تحديد شكل هذا الفيلم وترتيب مضمونة ضمن صيغة سينمائية ويكون ذلك من خلال ما يمتلكة من أدوات فنية وخلق جو عام لهذا الفيلم والإشتغال على جماليات اللغة السينمائية التي تكمن في زوايا الكاميرا واللقطات بكافة احجامها واللون والصوت والتركيب المونتاجي الجيد والمدروس وغير ذلك.

قد نجح عدد من المخرجين المحترفين في إضافة الكثير إلى الفيلم التسجيلي, وأظهروا من خلال تجاربهم التي قذفوا أرواحهم وخبرتهم فيها تطوراً عالياً على شكل الفيلم ومضامينه, وخرجوا عن أشكال الفيلم التسجيلي التي وضعها كبار مخرجي الفيلم التسجيلي أمثال الروسي "دزيغا فيرتوف" صاحب الفيلم المعروف "الرجل والكاميرا" والذي يلتقط فيها مشاهد حياتية متنوعة من خلال تجوال الكاميرا في المدينة, والأمريكي "روبرت فلاهارتي" صاحب الفيلم الشهير "نانووك من الشمال" والذي يرصد فيه حياة صياد من الأسكيمو وعمل على صنع هذا الفيلم أكثر من عام ونصف,وتعد التجارب الحديثة متميزة وذلك لتعدد وتنوع موضوعاتها وإدخالهم تقنيات السينما الحديثة على أفلامهم وإعتنائهم بجماليات المشاهد البصرية, وتجريب طرق جديدة لمحاكاة الواقع ضمن وعي عميق, وهذا النوع من الأفلام قد لاقى إستحسان كثير من جمهور السينما التسجيلية ,ومن أمثال هؤلاء المبدعين المخرج "ميشيل خليفي" صاحب الفيلم الشهير "صور من ذكريات خصبة"والذي عرض من خلاله نموذجان للمرأة المتعلمة والمرأه المربية وقد حاز هذا الفيلم على جائزة الكاميرا الذهبية في إحدى المهرجانات الدولية دليلاً على إعتناء المخرج بجماليات المشاهد البصرية,وهناك أيضاً تجربة المخرجة "مي المصري" صاحبة فيلم "أحلام المنفى"والذي حاز على جوائز دولية أيضاً والتي صورت فيه موضوعاً إنسانياً لا يتوانى عن وخز القلب الإنساني ,ولا شك أن هذه الأفلام وغيرها العديد أثرت المشهد التسجيلي العربي ولا بد لكل صانع فيلم تسجيلي دراسة هذه الأفلام وغيرها والوقوف جيداً على هذه التجارب قبل البدء بصنع فيلمه التسجيلي والتسليم بحقيقة واحدة هي:"أن ضخامة الإنتاج لا تعني بالضرورة فيلماً جيداً".

*مخرج فلسطيني

Back to Top 


 © Arab World Books