الأغنية العربية المصورة:الكائن والممكن




بقلم الباحث والمترجم المغربي محمد سعيد الريحاني


І)- البدايات الأولى لرحلة الموسيقى على الهواء نحو الجمهور:
تطور أشكال عرض الموسيقى بدأ أولى خطواته بالأغنية المسموعة (الأغنية الإذاعية، على الأثير) إلى أغاني الأفلام (الأغاني المصاحبة لأحداث الفيلم وأداء الممثلين) إلى الأوبرا السينمائية (الأغنية المضمنة في سياق فيلم) إلى الأغاني المصورة (سهرات حية أو استعراض غنائي راقص في الخلفية مع حضور المغني في الواجهة) ثم أخيرا إلى الفيديو كليب(زمن تدفق اللقطات القصيرة والغزيرة والمثيرة حيث أصبحت الخلفية خاصة بالإشهار والإعلانات مع امتلاك المغني زمام الرقص والغناء معا).

فقد كان للبث الإذاعي الفضل الأول في نقل الموسيقى للمستمعين في أي مكان. فالمتعة كانت سمعية صرفة في البداية. لذلك كان ابتكار الموسيقى الفيلمية نقلة نوعية هامة كان لها الفضل أيضا في شيوع فن السينما في بداياته الأولى حيث كانت الأفلام مجرد صور متحركة بلا صوت (Movies أو Pictures) إذ ساهمت الموسيقى الفيلمية في تفسير الأداء الفني للمثلين وتهييء المشاهد لاتخاذ مواقف وجدانية اتجاه المشاهد المعروضة. لكن الأوبرا السينمائية، مع بداية السينما الناطقة، وسعت لذة تلقي الموسيقى لتشمل السمع والبصر والوجدان في فيلم يرتكز على حكاية مركزية تمسك بخيوطها وحدة الموضوع. أما الجيل الرابع من عرض الموسيقى فكانت الأغنية التصويرية وجاءت كثورة على الأوبرا السينمائية منتصرة للتفرد على حساب الانتماء لفيلم أو الامتثال لخدمة أحداثه وتطور شخوصه مؤسسا بذلك لثقافة جديدة في العرض السمعي- البصري للموسيقى والغناء حيث الأغنية مسموعة ومرئية في آن خارج أي سياق حكائي أو سينمائي. وأخيرا،الفيديو كليب، آخر الأشكال الإعلامية في عرض النصوص الموسيقية على الجمهور، جاء ليستلهم جيدا كشوفات علم النفس وإنجازات فنون التسويق وحدد هدفه في "الضغط إعلاميا لترويج المنتوج الموسيقي الجديد في السوق الفنية" وهو ما يمكن اعتباره قطيعة مع الموسيقى المسموعة في أولى المراحل، مرحلة البث الإذاعي، حيث كان الهدف هو "إمتاع جمهور المستمعين".

وإذا اختلف الفيديو كليب عن الموسيقى المسموعة/ الإذاعية، فإنه يختلف أيضا عن الموسيقى الفيلمية اختلافا يمكن إجماله في خاصيتين تميز كل واحد منها عن الآخر. فبينما تنضبط الموسيقى الفيلمية لسياق حكائي يجمع تفاصيل الفيلم في بوتقة واحدة عبر لقطات تتراوح بين الطول والقصر حسب مضمون الفيلم، ينزع الفيديو كليب بشكل ثابت نحو الاستقلال عن أية سياقات خارجية تربطه بأغنية أخرى عبر تدفق الصور نظرا للتشغيل الثابت للقطات القصيرة. فإذا كانت وظيفة الموسيقى الفيلمية هي تجميع التفاصيل لتكوين الكل النظامي والمعنى الإجمالي، فإن وظيفة الفيديو كليب هي تشظية هذا النظام وهذا المعنى عن طريق تدفق الصور والأفكار والقيم والإثارة والعجائبية... من باب الاستهلاك لا من باب المشاركة في الإنتاج.
كما يختلف الفيديو كليب عن الأوبرا السينمائية في الطول: في طول مدة عرض الفيلم، وفي طول اللقطات ... فالفيديو كليب أقرب إلى "ثقافة القصر" التي تميز أغلب الإنتاجات الرمزية في العصر الحديث من قصة قصيرة وفيلم قصير ووصلات الإشهار وتصاميم الأزياء القصيرة...
كما يختلف الفيديو كليب عن الموسيقى التصويرية حيث صارت الكاميرات مع الفيديو كليب أكثر عددا وصارت معها اللقطات أغزر. كما طرا تغيير في توزيع المهام والفضاءات إذ أصبحت خلفية الصورة، وهي أهم ما في الفيديو كليب ومرتكزه الربحي الاول، خاصة بالإشهار والإعلانات بعدما كانت في الموسيقى التصويرية في المرحلة السابقة خاصة باستعراضات الراقصين والراقصات. بينما عوض المغني استعراضات هؤلاء الراقصين حيث أصبح المطرب في الثقافة الغربية مغنيا وراقصا في الغالب الأعم.

IІ)- البدايات الأولى للفيديو كليب:
بدايات الفيديو كليب دشنت أول ظهور لها مع نهاية السبعينيات من القرن الماضي. وكانت بذلك تتويجا لتطور ملحوظ عرفه المسار الموسيقي في العالم من الموسيقى المسموعة في الإذاعات والحفلات إلى الموسيقى المصاحبة للفيلم للتأثير على المشاهد، إلى الأوبرا السينمائية حيث القطع الغنائية تؤطرها قصة وسيناريو وحوار الفيلم، إلى الأغنية التصويرية المستقلة عن الفيلم السينمائي، ثم أخيرا إلى الفيديو كليب الذي يعتبر احتياطيا كبيرا لتغطية الثغرات في الأداء الغنائي للمطرب أو الضعف الموسيقي في التلحين والتوزيع أو هشاشة الكلمات في النص الشعري أو الزجلي... وبذلك، يكون الفيديو كليب قد فتح شراعا ثالثة للأغنية: فمن نص شعري مكتوب إلى نص ملحن مسموع، إلى نص ممثل مرئي.

IIІ)- أصناف للفيديو كليب:
كلمة (Clip) تعني "لقطات غير متصلة بعضها ببعض" معتمدة في تجميعها في كل واحد على المونتاج. وهذه إحدى أهم خاصيات الفيديو كليب: "التقطيع" في اللقطات التصويرية مقابل "الاسترسال" في الفيلم السينمائي. والفيديو كليب، في ظل هذه الخاصية، يتفرع في عروضه إلى ثلاثة أشكال فيكون:
* إما "رقصا استعراضيا" يؤثث "خلفية المشهد" وراء المغني الذي يقف في الواجهة: وهذا أبسط أشكال الفيديو كليب وأكثرها شيوعا لأنه يصور أبسط الأغاني وأكثرها شيوعا، الأغنية التجارية.
* وإما "مشهدا تمثيليا" يُجَسِِّد موضوع الأغنية ويتحكم في خيوطه الكبرى سيناريو ينظم الأحداث وتطوراتها: وهذا الصنف من الفيديو كليب يخص نوعا محددا من الأغاني، الأغنية المتميزة "شعريا". فوجود أغنية تحمل "رسالة إنسانية" يتطلب شكلا من الفيديو كليب يجسدها في مشهد تمثيلي يقرب القيم الواردة في الرسالة الغنائية إلى جمهور المشاهدين عبر قصة هي أقرب إلى الفيلم القصير جدا.
* وإما سلسلة من اللقطات الفنية "التجريدية" بحيث تشكل "إضافة" جمالية للأغنية المنجزة: وهذا الصنف من الفيديو كليب يماشي أكثر موسيقى الهارد روك أند رول والموسيقى التجريدية في أغاني دجيمي هندريكس وأغاني مجموعة البينك فلويد...
وعليه، فالفيديو كليب سلاح ذو حدين. فهو قد يغني الأغنية إغناء إن أحسن فهم وظيفته وأتقن تشغيله كما يمكنه بنفس الدرجة أن يفسدها إفسادا إن ترك في أيدي العبيطين.

VІ)- هل الفيديو كليب مرآة للمجتمع العربي؟
الشائع في الرأي أن الفيديو كليب العربي الراهن يعكس واقع الطبقات الاجتماعية العليا، تماما كما فعلت السينما العربية في بداياتها قبل أن تتدرج في نزولها نحو واقع وهموم الإنسان البسيط. فكل شيء متوفر: السيارات الفاخرة ودخول المطاعم الباذخة مع الفتاة الساحرة ثم الاستجمام في المنتجعات الخاصة بالخواص من خاصة الناس... لكن الحقيقة أن الفيديو كليب، مثل السينما العربية في بداياتها مرة أخرى، لم يعكس في يوم من الأيام واقع الطبقات الاجتماعية لا العليا ولا الوسطى ولا الدنيا. هناك دور إنتاج في بلدان عربية محافظة تكتري راقصات من بلدان عربية أخرى ليؤدين رقصات لا تجرؤ على أدائها بنات بلدانهم "المحافظة". كما ثمة دور إنتاج في دول عربية أخرى عريفة في الفن ولا تعتبر ضمن لائحة "المحافظين"، تكتري بدورها "أجنبيات" من أوروبا الشرقية أو من غيرها ليؤدين أدوارا أكثر حميمية مع مطرب الشريط موضوع الفيديو كليب، وهو ما لا تستطيع القيام به بنات البلد. فما دام أبناء وبنات البلد غير قادرين على أداء أدوار فنية في شريط فني، فهل يمكن اعتبار الشريط انعكاسا لواقع هؤلاء؟
هل يمكن اعتبار كراء الممثلين والراقصين من الخارج مجرد صدفة؟
هل يمكن اعتبار كراء الممثلين والراقصين من الخارج مجرد انفتاح على الآخر؟
هل يمكن اعتبار كراء الممثلين والراقصين من الخارج مجرد إرادة في تنويع الوجوه؟...
إن للأمر علاقة بغياب فلسفة عامة تستلهم مفهوم الفيديو كليب وتكيفه مع البيئة العربية وتؤصله في الحياة العربية والوجدان العربي. فالمتتبع للإنتاج الغنائي العربي المصور، الفيديو كليب، ينتبه منذ الوهلة الأولى لمشاهدته لأغلب الفيديو كليبات العربية، هيمنة مثيرة وغير مبررة للإيقاع الغربي والأدوات الموسيقية الغربية واللباس الغربي وأشكال التحية الغربية والإيماءة الغربية والفضاءات الغربية (برج إيفل، ساحات روما، ساحات لندن)...
الفيديو كليب نقل من الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية "بحذافيره" دون أن يعرف "تأصيلا" في الذاكرة الغنائية أو "تكييفا" مع الواقع العربي كما حدث مع أغلب الفنون التي نشأت في الغرب وحجت إلينا. الفيديو كليب "فرض فرضا" على المشاهد العربي ليظل محافظا على أصوله الغربية مغيرا فقط لغة تواصله ليصبح فيديو كليبا غربيا بلغة عربية.

VІ)- الفيديو كليب الحالي أداة بصرية لأمركة العالم؟
الفيديو كليب العربي، في طبعته الحالية، سليل ثقافة "الأمركة" ورسالته تغريبية من الجيل الثاني وأهم أدواته في تحقيق أغراضه التغريبية هو "التكرار": التكرار لتعويد المشاهد على المضامين والقيم المتدفقة من الفيديو كليب، التكرار لترسيخ القيم الأمريكية، التكرار لجعل المضامين المعروضة ذوقا عاما...
"الأمركة"، في سياق النظام الدولي الجديد، مشروع ثقافي رديف ل"العولمة" سبيله الهيمنة على العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا. و"الأمركة" تشكل تجاوزا ل"التغريب" الذي كان في القرنين الماضيين مشروعا ثقافيا رديفا ل"الاستعمار الأوروبي التقليدي". و"الأمركة" مشروع أمريكي يهدف إلى تطويع السياسة الدولية والاقتصاد العالمي و الثقافة والفن الإنسانيين عبر امتلاكها للرأسمال: الرأسمال الاقتصادي والإعلامي...
إذا كانت الولايات المتحدة، وهي القطب الوحيد المتحكم في النظام العالمي الجديد تمتلك بمفردها 95% من مصادر المعلومات على الشبكة الدولية للمعلومات (الأنترنت) وتمتلك 65% من مواد الإعلام والاتصال في كافة ربوع العالم، فإن باستطاعتها بواسطة هذين الكماشتين إحكام السيطرة على رقاب العالمين فتوجه قناعاتهم السياسية وأذواقهم الفنية. والفيديو كليب هو احد أهم هذه الأدوات: "أمركة الأذواق" في سياق "عولمة الأذواق". لكن أن تقوم دور إنتاج عربية بهذا الدور فهذا أمر يستدعي وقفة لتعقب الأسباب واستشراف الحلول الممكنة للازمة.

V)- الفيديو كليب وسيلة لتأصيل الفنون الإنسانية في الثقافة العربية أم لتغريب المشاهد العربي؟
الخطر، كل الخطر، الكامن وراء استيراد "النسخ المقدسة" من مفهوم الفيديو كليب الغربي وتطبيقها "حرفيا" يكمن في "اجثتات" المشاهد العربي من هويته. ففي غياب تأصيل ثقافة الفيديو كليب، يبقى الخطر المحذق هو "تغريب" المشاهد حيث لا شيء في الفيديو كليب العربي يشبه الحياة العربية. حتى المطرب البدوي بلباسه البدوي ولهجته البدوية يغني في برودواي (BROADWAY) رفقة شقراوات يرقصن في الشارع على إيقاع الأغنية المصورة ويدرن حوله في غنج لا هو بالعربي ولا هو بالأمريكي.
والتساؤل التالي هو تساؤل مشروع: ما دام الفيديو كليب ليس ضرورة تاريخية ولا هو غاية فنية في حد ذاتها، فما هي مبررات وجوده؟
التسلية؟
الركوب على الموجة: الموضة؟
الضغط لترويج المنتوج: الإشهار والإعلان باستغلال الموسيقى؟...

IV)- العجز عن تأصيل الفيديو كليب في الثقافة العربية والهروب نحو التجارة بالفن وذوق المشاهد العربي؟
نظرا لاستغناء دور الإنتاج العربية عن المثقفين،واكتفائها بالأصوات الغنائية والعازفين و"التقننين" عموما فقد كانت أهم عقبة في وجهها هي تأسيس مدرسة فنية تستمد منها خصوصيتها. لذلك، فقد كان عجزها عن تأصيل الفيديو كليب في الثقافة العربية دافعا لها لتجريب الطريق السهل: طريق الهروب بالفيديو كليب لتجريب فاعليته في الربح المالي ورفع عائدات الأشرطة الغنائية. ولكون الفيديو كليب حلقة وصل بين التلفزة والسينما، يأخذ من التلفزة جمهورها الكبير ومن السينما تقنياتها الفنية في الإثارة والتشويق، فقد كان الربح أسرع مما كان في الحسبان لكن على الواجهة المالية فحسب.
الفيديو كليب، في طبعته العربية، يحيل كل شيء إلى سلعة معروضة للبيع وتبقى المرأة أهم أدواته الإشهارية وأهم سلعه في الآن ذاته. فالمرأة، كجسد، وسيلة ناجعة ل"جَرَّ" المشاهد لمشاهدة آخر "تخريجة" غنائية مصحوبة بآخر الإعلانات المشحونة شحنا في خلفية الفيديو كليب: الفضاء المفضل لتأثير الإعلانات والإشهار على "لا وعي المشاهد". لذلك، لا يتورع مخرج الفيديو كليب التجاري في استثمار "العري الجسدي"، لبس كشكل تعبيري في سياق تحرري، وإنما في أشكاله المجانية وغير الوظيفية واللا مبررة ارتضاء لجلب أكبر عدد من العيون والقلوب... والنتيجة: عودة إلى أزمنة الرق والنخاسة واختزال المراة إلى مجرد جسد مغري.
لقد استفاد الفيديو كليب من تجارب الإشهار في تحقيق الأهداف التجارية. فهو يدرس ميول الناس ورغباتهم ثم "يجسدها" في الكليب. فهدفه الأول، إذن، ليس "الإضافة الفنية" أو "الرقي بالذوق العام"، وإنما كل همه هو استمالة الجمهور لتسويق الأغنية بشكل مباشر وتسويق الثقافة المرافقة له بشكل غير مباشر. وفي سبيل ذلك، يتم طبخ أسماء نجومية تفرض على الجمهور ويفرض معها إيقاع أغانيه ومواقفه إن كانت له مواقف وكل شيء "فرض في فرض".ولذلك فقد انفتح الفيديو كليب على عارضات الأزياء وفتيات الإشهار والراقصات والممثلاث والممثلين فصار منعشا لسوق الأشرطة الموسيقية بنفس الدرجة التي صار بها صانعا لنجوم الشاشتين، الكبيرة والصغيرة.

IIV)- من سلطة المطرب إلى سلطة المبدع على سلطة دار إنتاج الفيديو كليب؟
قديما، كان الفيلم السينمائي يصنع الأغنية بدافع القصة الغرامية المحورية في الفيلم: "ممنوع الحب" بطولة محمد عبد الوهاب، "أبي فوق الشجرة" بطولة عبد الحليم حافظ، "لحن الخلود" بطولة فريد الأطرش، "دموع الندم" بطولة محمد الحياني... لكن مع ظهور الفيديو كليب، حدث انقلاب جذري في عملية تحقيق الأهداف في الإنتاج الغنائي. إذ تحولت العلاقة المتبادلة بين الصوت (الأغنية أو النص الموسيقي) والصورة (الفيلم) من الخدمة الفنية المتبادلة إلى خدمة الأهداف الاقتصادية. هكذا صار للفيديو كليب أثره البالغ على رفع "إيرادات" الشريط الموسيقي. وتجذر حضور الفيديو كليب أكثر فصار له موسم قار يدشن فيه دخوله الإقتصادي أو الفني أو هما معا. فإذا كان للكتاب موسم يبدأ بالدخول المدرسي في خريف كل سنة مع شهر سبتمبر، فإن للسينما موسمها وهو فصل الشتاء مع شهر ديسمبر، وللمسلسلات التلفزيونية العربية والإسلامية موسمها وهو شهر رمضان، وللأشرطة الموسيقية والفيديو كليب موسمهما الثابت وهو فصل الصيف: فصل العطلة السنوية والرحلات والحفلات والاستجمام...
في البدء كان دور الموسيقى المسموعة هو "الإمتاع" عن طريق الطرب والموسيقى، ومع موسيقى الأفلام تحول الهدف إلى "إنجاح الفيلم" عبر بوابة الموسيقى حيث كانت الخلفية الموسيقية للفيلم تعزز الأثر الفني لدى مشاهد الفيلم. أما في زمن الفيديو كليب فقد انقلبت الأدوار وصارت دلالة "إنجاح الأغنية بين جمهور الأغنية" هي "رواجها في السوق". إنه انقلاب من سلطة الإبداع والرأسمال الرمزي إلى سلطة المال والرأسمال المالي. لقد انقلبت السلطة الفنية في الزمن الراهن منتقلة من "سلطة المطرب" أو "سلطة المبدع/الملحن" في وقت من أوقات الزمن الماضي إلى "سلطة الفيديو كليب" وسلطة دار إنتاج الفيديو كليب.
لقد كانت المطربة أم كلثوم سلطة فنية تتدخل في كل كبيرة وصغيرة ابتداء من النص الشعري على الألحان والتوزيع وانتهاء باختيار العازفين وهي نفس السلطة التي كان يتمتع بها ويمارسها عبد الحليم حافظ وآخرين من كبار المطربين العرب، بحكم كونهم واجهة الأغنية أمام الجمهور، في زمن كان فيه الهدف هو "الطرب والإمتاع".
كما كان المبدع/الملحن يتمتع بسلطة فنية إزاء المطرب المرشح لأداء نصه الغنائي. فقد كان الموسيقار المغربي الراحل عبد السلام عامر أثناء اختباره للصوت الأنسب لأداء رائعته "راحلة"، يجلس أمامه المطربين محمد الحياني وعبد الهادي بلخياط ويمتحنهما بالتناوب إلى أن استقر اختياره على محمد الحياني في النهاية. فسلطة المبدع/الملحن، بحكم كونه مبدع الأغنية ومؤطرها، سادت في زمن كان الهدف فيه هو"الحس بالدورالتاريخي في الرقي بالذوق الفني العام ".
أما الآن، في زمن صعود الصورة وأفول الاهتمام بالبث الإذاعي المسموع، فالسلطة قد انتقلت إلى شركات إنتاج الفيديو كليب فأصبحت تتحكم في أذواق الأمة بإنتاج أغاني "الواوا" و"البح" و"الدح" واصطناع نجوم عمرهم الفني "ثلاثة أيام"...

خاتمة:
الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية كانت دوما هي تلك المنعطفات الحاسمة التي غيرت ملامح الإنسان ورؤيته للوجود وأشكال تذوقه للحياة. فمن الثورة الزراعية إلى الثورة العلمية (عصر النهضة الأوروبية) إلى الثورة الصناعية (القرن التاسع عشر) إلى الثورة الرقمية (أواخر القرن العشرين)، كانت علاقات الإنسان بذاته ومحيطه تتغير. فكل مرة تغيرت فيها أدواته يجد نفسه قد تغير معها في نهاية المطاف سعيا للتكيف مع البيئة الجديدة والمعطى الجديد. لكن تكييف مع الفيديو كليب كمعطى جديد في ثقافة التلقي البصري للموسيقى مع الواقع العربي لم يستلهم هذه القاعدة، على ما يبدو. فالفيديو كليب العربي استورد، عن جهل، ك"تقنية بصرية" جديدة في عالم التصويرالغنائي لغرض "ترويج" الأغنية في السوق. ولم يتم الانتباه إلى انه تم استيراده ك"أيديولوجيا" أمريكية لغرض "تثبيتها"، عن جهل كالعادة، في رؤوس أبناء الأمة العربية.ُ