رجوع الى مقالات

لا عقلانية الرد الإسلامي قد تؤكد بعض اتهامات البابا للمسلمين


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 



د. عبدالوهاب الافندي
القدس العربي 2006/09/19

في حديث لنائب المرشد العام للإخوان المسلمين تعليقاً علي الاعتذار الذي صدر عن البابا بينيديكت السادس عشر الأحد الماضي عن تصريحاته السابقة التي أغضبت المسلمين، قال نائب المرشد إن اعتذار البابا غير كافٍ، وأن عليه أن يتقدم باعتذار واضح وصريح للمسلمين وأن يسحب انتقاداته للإسلام وأن يعلن للعالم بأن الإسلام دين سلام يؤيد التعايش بين الأديان وينبذ العنف. ونسي أن يضيف ان عليه أيضاً أن ينطق بالشهادتين ويعلن إسلامه ويدعو كل الكاثوليك لاعتناق الملة المحمدية. ولم يكن هذا الموقف منعزلاً، بل هناك مطالب مماثلة من قيادات إسلامية كثيرة، إضافة إلي ما تشهده شوارع المدن الإسلامية من أعمال تظاهر واحتجاج لا تعكس صورة حسنة للإسلام، بل تظهره علي أنه دين متشنج لا يتقبل النقد والحوار. وكان من الأفضل أن يتولي الرد علي تصريحات البابا عقلاء الأمة وعلماؤها، بعد أن يكونوا درسوا مزاعم زعيم الكنيسة الكاثوليكية بدقة وعناية، وإلا فإن انتقادات البابا للإسلام بأنه دين لا عقلاني تجد التصديق والتأكيد من ردود الأفعال غير العقلانية وغير المدروسة من النوع الذي نشاهده اليوم.
من الواضح أن معظم من تصدوا لتصريحات البابا، بمن في ذلك كثير من العلماء، لم يقرأوا بدقة محاضرته التي ألقاها يوم الثلاثاء الماضي في جامعة ريغنسبيرغ بألمانيا، وإلا لأدركوا أن الاقتباس المنسوب إلي الامبراطور مانويل الثاني والذي اتهم فيه نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام بأنه لم يأت إلا بما هو شرير ولاإنساني حين دعا إلي نشر الإسلام بالقوة، هذا الاقتباس هو أهون ما جاء في انتقادات البابا للإسلام. فالبابا يستخدم هذا الاقتباس ليصل إلي نتيجة أخري، هي أن الإسلام عقيدة خالية من العقلانية. وينطلق البابا من هذا الاستنتاج ليقول إن الحداثة الغربية العلمانية هي عقلانية رافضة للعقيدة، فيما يمتدح المسيحية بأنها تجمع الحسنيين، لأنها وحدت منذ نشأتها بين العقلانية الإغريقية والعقيدة التوراتية الشرقية. ويضيف البابا (وهذا لب أطروحته) إن التقاء المسيحية مع العقلانية الإغريقية لم يكن مصادفة، لأن القديس بولس كان قد رأي رؤيا دعته إلي التوجه إلي بلاد اليونان. ويعترف البابا بأن العقيدة المسيحية قد تعرضت لشيء من التحريف بالتأثير الإغريقي، خاصة فيما يتعلق بالترجمات غير الدقيقة للنصوص، ولكنه يرفض بشدة المطالبات المتكررة بتنقية العقيدة المسيحية من هذه الشوائب، ويري أن امتزاج العقيدة المسيحية بالفكر الإغريقي أصبح عماد هوية أوروبا الجديدة وأن المحافظة علي هذا التمازج هو محافظة علي صلب العقيدة المسيحية.
في عقده للمقابلة بين الإسلام والمسيحية، يستشهد البابا بكاتب ومرجع واحد، وهو ثيودور خوري، الذي اقتبس بدوره من المستشرق الفرنسي أرنالديز ليؤكد أن مقولة الامبراطور البيزنطي بأن ما يرفضه العقل مخالف لطبيعة الله تعتبر من البديهيات عند الإمبراطور الإغريقي ولكنها غريبة علي العقل الإسلامي الذي يري أن الله تعالي مطلق الإرادة لا يقيده العقل ولا غيره. ويورد البابا آراء منسوبة لابن حزم (الذي ورد اسمه خطأ في نص المحاضرة المنشور) تقول بأن الله تعالي غير ملزم حتي بالعهود التي يقطعها علي نفسه كما أنه ليس ملزماً بأن يكشف لنا الحقيقة. ويخلص البابا من هذا إلي أن الإسلام يرفض العقلانية.
هذا التناول يعكس الضحالة الاستشراقية في أبشع صورها، بدءاً بالاستشهاد بمقولات ابن حزم باعتباره يمثل المرجعية في العقيدة الإسلامية رغم أن مذهبه الظاهري لا يدين به أحد ولم يكن له أتباع كثر في يوم من الأيام، وانتهاء بالخلط الفاضح بين مستويات التناول. علي سبيل المثال، فإن الحديث عما يجوز ولا يجوز في حقه تعالي هو من قبيل التأملات النظرية، ولا يعكس ما ألزم به تعالي نفسه فعلاً فيما أخبرنا به الوحي. فالقرآن والحديث حافلان بالنصوص المحكمة التي تؤكد أن الله تعالي لا يأمر بالفحشاء ولا بالشر، كما أنه تعالي حرم الظلم علي نفسه. الإسلام قدم نفسه علي أنه دين العقلانية في جوهر نصوصه، مثل التمييز بينه وبين الأديان السماوية السابقة بأنه أحل الطيبات وحرم الخبائث، أي أنه لا توجد فيه محرمات من الطيبات لمجرد العقوبة كما كان حال اليهود، كما أنه دين معجزته هي نص يخاطب العقل. ومهما يكن فإن المسلمين في إجماع بأن الإنسان ملزم بفعل الخير واتباع العقل، مما يجعل الحديث عن الانفصام بين الدين الإسلامي والعقل علي أساس تأملات ابن حزم وتهويمات الأشاعرة خارج الموضوع تماماً. فما يجوز أو لا يجوز في حقه تعالي لا ينطبق علي العباد.
الخلاصة التي ينتهي إليها البابا، بعد الاحتفال بعقلانية الدين المسيحي وهويته الأوروبية، هي توجيه الدعوة للعقلانية العلمانية المهيمنة علي أوروبا حالياً لأن تفتح أبوابها للعقيدة وأن تستنير بنورها، لأن العقلانية المجردة غير قادرة بزعمه علي تزويد الإنسانية ببوصلة أخلاقية. فالعقلانية يجب ألا تصم آذانها عن الاستماع إلي صوت الإيمان، لأن الاستماع إلي تجارب وبصائر الأديان العظيمة عامة والمسيحية خاصة تمثل إضافة مهمة للمعرفة، بينما الإعراض عنها هو تضييق لمجال العقل. فالعقل المهتدي بنور الإيمان هو الطريق إلي حوار الثقافات، والأساس الذي ينبغي أن يقوم هذا الحوار علي أساسه.
إذن بالنظر إلي مجمل محاضرة البابا، نجد أن جوهرها هو دعوة للعقل الحديث لتقبل الحوار مع أهل الإيمان، وهي دعوة لا يستطيع عقلاء المسلمين إلا مشاركته فيها. أما مقدمته حول الإسلام فتحتوي علي جملة من المغالطات لا يمكن الرد عليها بالمظاهرات والاحتجاجات، وإنما تحتاج إلي مؤسسات علمية من الوزن الثقيل نفتقدها للأسف. ولا شك أن إهمال الرد العلمي المدروس والاكتفاء بنشاط الشوارع فإنه يمثل كارثة مزدوجة، لأنه يعطي الانطباع بصحة الاتهامات بينما يشكل أساساً لاتهامات جديدة للمسلمين بالغوغائية والتصرفات اللاعقلانية. فلا يمكن أن يتفجر الشارع الإسلامي في مظاهرات وأعمال عنف في كل مرة يستهدف فيها الإسلام بقول أو فعل، في حين لا توجد مؤسسات رسمية او شعبية تتعامل مع هذه التحديات بعقلانية وفعالية. فكما أن الحكومات تركت الدفاع عن البلدان للجماعات غير المنضبطة فأصبح الإسلام يوصم بالإرهاب، فإن تخلي المؤسسات العلمية والدينية عن الدفاع عن العقيدة وإيكال ذلك إلي جهاديي الشوارع سيجعل الإسلام في نظر الكثيرين قرين الغوغائية.
من جهة أخري فإن حوار الأديان والتعايش بينها لا يعني الاتفاق حول العقائد. فلا يخفي أن المسيحيين واليهود لا يؤمنون بنبوة محمد صلي الله عليه وسلم ولا صحة الإسلام، مما يجعل التلميح الذي ورد في محاضرة البابا إلي أن القرآن هو من تأليف النبي أمراً عادياً في عرفهم. ولا يمكن مطالبة الآخرين بالتخلي عن عقائدهم كشرط للحوار. والمعروف أن المرء لا يبلغ موقعاً مثل رئاسة الكنيسة الكاثوليكية لو كان يؤمن بالمساواة بين الأديان، بل إنه لا بد أن يكون أبلي أحسن البلاء في الدفاع عن العقيدة وانتقاد منافسيها، وهذا أيضاً أمر مشروع.
سياسياً فإن الإصرار علي إذلال رئيس الكنيسة الكاثوليكية وعدم قبول اعتذاره غير المباشر (وهو أمر كبير عندهم، لأن البابا في عقيدة الكاثوليك معصوم لا يخطئ) يعني افتعال معركة نحن في غني عنها مع الكاثوليك في العالم، وهم اليوم ـ خاصة في مناطق مثل أمريكا اللاتينية ـ من أقرب الناس إلي المسلمين. وهناك فرق كبير بين افتعال معركة مع صحيفة أو حكومة، وإذكاء صراع مع طائفة دينية لها أتباع كثر في عالمنا العربي والإسلامي.
لكل هذا فإنه من الحكمة أن يقوم العلماء بتهدئة الشارع الإسلامي، وأن يقبلوا اعتذار البابا، حيث من الواضح أنه لم يقصد بحديثه خلق عداوة مع المسلمين، وأن ينتقل الحوار حول هذه القضية الخلافية إلي الكواليس والمؤسسات العلمية وأن يتولي أمره أهل العلم بمعزل عن الانفعالات والتحركات الغاضبة التي تضر بسمعة وصورة الإسلام والمسلمين مهما بدا للبعض أن لها مردوداً حسناً علي المدي القصير.
هناك بالطبع مبررات مقدرة للانفعال والغضب في الشارع الإسلامي، خاصة أن المسلمين هم اليوم ضحايا العنف من الغرب، كما أن مقولات البابا تتسق مع هجمة ثقافية ـ سياسية شرسة ضد الإسلام والمسلمين. وإنه لمن الخطل والتبسيط المخل أن يستصحب شخص في مكانة البابا المقولة السائدة بأن العنف المشتعل في كثير من بقاع العالم الإسلامي اليوم سببه العقيدة الإسلامية أو حتي التطرف الإسلامي. فالفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون والشيشان وأهل كشمير وجنوب الفلبين، وقبلهم مسلمو البوسنة وكوسوفو لم يقولوا إنهم يحاربون لنشر الإسلام بحد السيف في أوروبا أو أي مكان آخر، بل هم يدافعون عن بيوتهم وأنفسهم ضد هجوم خارجي يتولي أمره في الغالب مسيحيون أو جهات متحالفة معهم. ليس المسلمون هم من زعموا أن الله أقطعهم أرض فلسطين من فوق سبع سماوات مما يجيز لهم طرد وإبادة أهلها، وليست السعودية هي التي بعثت جنودها إلي أمريكا لنشر الوهابية، وإنما هناك من بعث الجيوش إلي العراق وأفغانستان لنشر الديمقراطية بزعمه.
ولوكان البابا وبقية القيادات الدينية المسيحية واليهودية صادقين في دعوتهم للنقد الذاتي، لكان أولي بهم أن ينتقدوا ما نشاهده اليوم من سعي لنشر العقائد الديمقراطية وغيرها بحد السيف. وحتي لو رجعنا إلي الماضي الذي سعي البابا إلي نبشه معتقداً أنه وجد نقطة ضعف في الهجمة التركية علي أوروبا، فإننا سنجد أن المشاكل التي تعانيها أوروبا اليوم في البلقان سببها أن الأتراك لم يسعوا إلي فرض الإسلام بحد السيف علي سنة أسلاف البابا الكاثوليك في التطهير الديني والعرقي في أسبانيا والبرتغال. فالمسلمون هم أقلية مضطهدة اليوم في أراضي الدولة العثمانية السابقة التي تمتد من اليونان إلي تخوم النمسا تحديداً بسبب التسامح الديني المفروض في صلب العقيدة الإسلامية، بينما التسامح لم يصل إلي أوروبا إلا بعد أن أدارت ظهرها للدين المسيحي وانتهجت العقلانية التي ينتقدها البابا اليوم. وقد دفع هذا بكثير من المفكرين الإسلاميين مثل العلامة محمد إقبال للقول بأن التنوير الأوروبي وما سبقه من إصلاح هو اقتراب من الإسلام عند الأوروبيين.
لكن السبيل الأفضل للرد علي مغالطات البابا وغيره من المستشرقين والمتحاملين لا يكون بردود الفعل العاطفية والمتعجلة، ولكن وفق عمليات مدروسة تحترم عقول الآخرين وتشرف الدين الإسلامي، وتستثمر أفضل ثرواته العقلية. وهذا بدوره يتطلب دعم وتقوية المؤسسات العلمية والبحثية في العالم الإسلامي التي طال إهمالها إن لم نقل استهدافها وتهميشها بصورة متعمدة.

 

Back to Top 


 © Arab World Books