رجوع الى مقالات

  التاريخ اللبناني انتصر على الجغرافيا ..!


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

 

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


بقلم:صبحي غندور

إنتهت الانتخابات النيابية اللبنانية بغالبٍ ومغلوب من حيث الأسماء، لكن سيعجز أيّ محلّلٍ سياسي عن إعطاء سمةٍ أو وصف لماهيّة الغلبة. أي لن يكون صحيحاً القول أنّ "المعارضة" هي التي انتصرت. فمن هذه "المعارضة"؟ إذا كانت الإجابة أنّها تلك المعارضة للحكم، فإنّ الحكومة التي أشرفت على الانتخابات كانت محسوبةً على "المعارضة" وليس على رئيس الجمهورية. كذلك، فإنّ القوى التي كانت متحالفةً في بيروت والجبل والجنوب والبقاع ضمَّت حزب الله الذي هو أكثر القوى اللبنانية دعماً للرئيس إميل لحود.
الأمر نفسه ينطبق على معنى "المعارضة" إذا كان المقصود بها معارضة سياسة الحكم السوري في لبنان. فاللوائح الانتخابية كانت مزيجاً ممَّن هم "مع" و"ضدّ" السياسة السورية في لبنان. بل إنّ من الإنصاف القول إنّ اللوائح الانتخابية السياسية قد تشكّلت في كلّ الدوائر على حساب "المصالح" وليس بناءً على أيّ مواقف سياسية مبدئيّة.
فحزب الله في بيروت والجبل تحالف مع "القوات اللبنانية" ومع وليد جنبلاط وسعد الحريري .. كذلك الأمر في الجنوب.
وميشال عون تحالف في الشمال مع سليمان فرنجية وفي الجبل مع طلال إرسلان.
ولولا دعم حزب الله اللائحة المنافسة "المعارضة" في بعبدا، لفازت لائحة عون الذي هو الوحيد المعارض أصلاً لكل الحكومات منذ إتفاق الطائف!.
إذن، هل الأكثرية النيابية الجديدة قائمة على أساس سياسي أم طائفي أم مناطقي أم حتى "خارجي"؟
الإجابة الصحيحة: ليس الوارد أعلاه كلّه. فلن تكون الأكثرية النيابية الجديدة ذات لون طائفي أو مناطقي واحد، وهي حتماً ليست متجانسةً سياسياً أو على الأقلّ لم تكن كذلك في تحالفاتها الانتخابية.
ثمّ من قال إنّ العداء المشترك الآني لجهةٍ ما (هي هنا السياسة السورية) يمكن أن يصنع أكثرية نيابية ذات برنامج سياسي مشترك للمستقبل؟

هناك استحقاقات قادمة سوف تفرز الكتل السياسية في المجلس النيابي وستعيد خلط التحالفات وسطه بما قد يحمل أيضاً صدمات سياسية. ومن هذه الاستحقاقات:
• كيفيّة التعامل مع الشقّ اللبناني في القرار 1559، إن كان من حيث سلاح حزب الله أو من حيث السلاح في المخيمات والعلاقة مع الشأن الفلسطيني عموماً.
• القانون الانتخابي الجديد وصراعات المصالح والرؤى بشأنه وحول البنود التي لم تنفّذ بعد من اتفاق الطائف.
• الموقف من رئيس الجمهورية إميل لحود، وبالتالي استحقاق مسألة الرئاسة عاجلاً أم آجلاً.
• ملفّات الفساد المالي في الحكم.
• مصير سمير جعجع المتّهم باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي، إضافة لقضايا قانونية أخرى بحق بعض السياسيين.
• الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والعجز المتراكم في الميزانية.
• المؤسسات الأمنية وصيغة عملها مستقبلاً.
• كيفيّة الحفاظ على دور مؤسسة الجيش ووحدتها وحيادها خاصّةً بعد ما حصل من انسحاب كامل للقوات السورية، ثم ما هو موقف الجيش من هذه الاستحقاقات عموماً ومن قضية نزع الأسلحة على وجه الخصوص؟
• مصير العلاقة مع سوريا والمعاهدات القائمة بين البلدين.
• الموقف من التطورات الراهنة في المنطقة العربية، ومن إسرائيل ومن السياسة الأميركية تجاه سوريا والعراق والملف الفلسطيني.

في النتائج المعلومة يمكن القول إنّ الانتخابات التي حصلت على أساس قانون انتخابي مرفوض أصلاً حتى من الأطراف كلّها، قد أدّت إلى تكريس زعامات على أسس طائفية ومذهبية وأضعفت التمثيل النيابي على أسس وطنية ومناطقية معاً.
فالتاريخ اللبناني، في حصيلة هذه الانتخابات، قد انتصر على الجغرافيا. التاريخ المليء بالمشاعر الطائفية والمذهبية، وبإثارة غرائز الانقسام لمصالح زعامات، هو الذي ربح أولاً في الانتخابات التي غابت عنها البرامج السياسية وطغت فيها تحالفات المصالح الانتخابية.

ليس صحيحاً أنّ تحالف 14 آذار هو الذي ربح، وإلا فكيف نفسّر اللوائح الانتخابية التي تنافست في بيروت والجبل والشمال، وهي كانت بين قوى شاركت في مناسبة 14 آذار؟
ليس صحيحاً أنّ الصراع كان بين قوى "تعريب" وقوى "تدويل"، فالخارج كان حاضراً في كلّ اللوائح.
ليس صحيحاً أنّ المعيار كان الموقف من سوريا أو من الحكم الرئاسي الحالي أو من مسألة المقاومة أو من القرار الدولي 1559 .. إنّما الصحيح أن المعيار كان المصالح السياسية الخاصّة لهذا الطرف أو ذاك.

لقد اقتسم الحاكمون منذ عام 1990 الحكم ومنافعه، وحاول كلّ طرف أن يجعل من نفسه ممثلاً لفئة أو طائفة أو منطقة، فاستمرّت العقلية نفسها التي كانت سائدة قبل الحرب عام 1975، ونشأ جيل ما بعد الحرب في بيئة سياسية فاسدة معتقداً أنّ المشكلة هي في "الآخر" اللبناني أو السوري (أو ربّما في اتفاق الطائف نفسه لدى البعض)، لكن لم يدرك هذا الجيل الجديد أنّ مشكلة وطنه ومشكلة مستقبله هي في التركيبة السياسية التي تتولّى إعادة البناء السياسي والتي ترفض التخلّي عن امتيازات النطق السياسي باسم هذه الطائفة أو المذهب أو المنطقة.
حبّذا لو أنّ الشباب اللبناني يطالب بحرّيته من زعامات سياسية طائفية موروثة، بعضها يورث أبناءه العمل السياسي وهو ما زال على قيد الحياة السياسية.
حبّذا لو أنّ الجيل اللبناني الجديد يطالب بسيادته على القرار السياسي اللبناني المتعلّق بمستقبله ومستقبل وطنه وذلك من خلال بناء مجتمع لبناني جديد لا طائفي، تكون خميرته هذا الجيل الجديد المتحرّر من الإرث السياسي التقليدي القابض على لبنان لعقود طويلة.
لو تساءل الشباب اللبناني: تُرى لماذا تمارس الديمقراطية في لبنان فقط من خلال توريث الحاكمين والمعارضين لأبنائهم وأقاربهم؟ ثمّ لماذا تنتقل البندقية من كتف إلى كتف على جسم هذا الزعيم أو ذاك، وتتغيّر تحالفاته الإقليمية والدولية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، لكن لا يتغيّر عنده قانون التوريث السياسي؟ أليس حال كهذا هو المسؤول عن الاستقواء بالخارج كلّما دعت الضرورة؟ ألا يجعل هذا الأمر من لبنان مزرعة لا وطناً؟ ويحوّل الناس من شعب إلى قطيع يُساس ثمّ يُذبَح عند الحاجة؟!
أليس ذلك هو السبب الأول لكثرة التدخّل الإقليمي والدولي في الساحة اللبنانية؟
***
لم تكن الانتخابات النيابية الأخيرة بداية مرحلة تغيير نحو الأفضل، بل هي مدخل لمرحلة مجهولة سيكون الفرز فيها بين القوى السياسية قائماً على أساس المصلحة الخاصّة في كلِّ استحقاقٍ قادم. فحينما تغيب برامج العمل على أساس وطنيٍّ عام، وحينما تصبح مصالح الطوائف أو المذاهب مرتبطة بشخصٍ ما، فإنّ الانقلابات في المواقف والتحالفات تصبح مشروعةً عند اللبنانيين .. عفواً عند الطوائف والمذاهب اللبنانية في "فيدرالية" الوطن اللبناني الواحد!
20 حزيران/ يونيو 2005

**********************
صبحي غندور
كاتب لبناني مقيم في واشنطن
alhewar@alhewar.com

Back to Top 


 © Arab World Books