دفاعاً عن العروبة
سليم الحص يرد على محمد الرميحي



مقال ظلام القومية لمحمد الرميحي

ورد سليم الحص- رئيس مجلس الوزراء اللبناني السابق
الحياة 2005/01/8

حفزني الى تسطير هذه الخواطر الدكتور محمد غانم الرميحي, المفكر الكويتي المعروف, في ما كتب في صحيفة "الحياة" في 5/1/5002 تحت عنوان "ظلام القومية". يقول الدكتور الرميحي في مقاله: "باسم الدين او القومية ارتكبت حماقات ضخمة, انها اكثر من جرائم بل حماقات سوداء, فقد أصبحت القومية تشكل عبئاً من جانبين: الاول على تطور "الدولة" العربية والثاني الوقوف امام العولمة باتصال العرب مع العالم الحديث". هذا الحكم الذي أطلقه يستوجب وضع بعض النقاط على بعض الحروف دفاعاً عن العروبة, وإنا من المؤمنين بها.

اذا ارتكبت "حماقات ضخمة" باسم الدين والقومية, فهذا لا يضير الدين او القومية في شيء. فالأحمق مسؤول عن حماقاته, والمجرم عن جرائمه, والمرتكب عن ارتكاباته. فلا تبعة على الدين او القومية, والا لجاز اخذ الكثرة بجريرة القلة, وحمّلت القيم والمبادئ والشرائع تبعات المتجاوزين والخارجين عليها. فكما ان ممارسات الصليبيين في القرون الوسطى لا تدين المسيحية, وممارسة الصهاينة في القرن العشرين لا تدين اليهودية, وممارسة الجند الأميركيين في افغانستان والعراق وقبل ذلك في كوريا وفيتنام لا تدين الديموقراطية, فإن من يرتكبون "الحماقات الضخمة" اليوم باسم القومية والاسلام لا يدينون العروبة
او الاسلام.

باسم الحرية والديموقراطية ترتكب الدولة العظمى, أميركا, أبشع الجرائم في حق الانسانية في العراق وفي أفغانستان حيث تقتل الاطفال والنساء والشيوخ والعزّل من الشباب في سياق ما تسميه حرباً على الارهاب. وهي ترتكب مثل هذه الكبائر يومياً في دعمها المطلق لاسرائيل في عدوانها الهمجي على شعب فلسطين . فعل يستتبع ذلك ادانة لقيم الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان التي تتذرع بها الدولة العظمى في اعتداءاتها؟ هل تدان العولمة التي تقود أميركا مسيرتها على ما تسببت به وتتسبب الدولة العظمى في عملياتها العسكرية منذ منتصف القرن العشرين؟ فلا نجورنّ على الدين او القومية. ما أخطر التعميم انطلاقاً من الجزئيات.

الكاتب يخلط, على ما يتراءى لنا, بين الرسالة والعصبية. جوهر المواطنة رسالة في خدمة الوطن, وجوهر القومية كما جوهر الدين رسالة في خدمة الانسانية. الرسالات تتكامل وتتفاعل, اما العصبيات فتتصارع فتنزع كل منها الى الغاء الاخرى. المواطنة رسالة, اما الانعزالية القطرية فهي عصبية. العروبة رسالة. اما العنصرية الإثنية فعصبية. والدين رسالة, اما المذهبية والطائفية فعصبية. من الطبيعي ان ندين القطرية لا الوطنية. والعنصرية لا القومية, والطائفية لا الدين.

يقع الكاتب في شيء من الالتباس اذ يتحدث عن الدولة العربية, وهو يقصد الدولة القطرية في العالم العربي. فهو اذ ينعتها بالعربية, انما يعترف شمناً
بالهوية العربية, وهو اذ يسلّم بواقع الدول العربية في حدودها القائمة انما يتبنى ضمناً حيثيات منشأ تلك الكيانات, اي انه يسلّم بنهاية قرارات اتخذها المستعمر البريطاني او الفرنسي في القرنين التاسع عشر والعشرين, كما يسلّم بقدر فرضته اتفاقات بين المستعمرين على تقسيم منطقتنا, ولعل أهمها اتفاق سايكس بيكو, وقرار تقسيم فلسطين في الامم المتحدة. ان الكيانات التي يدعو مناهضو القومية ضمناً الى تكرسها هي نتاج قرارات المستعمرين والمستكبرين.

فلماذا تسلم بقرارات هؤلاء في حقنا ولا تكون لنا قراراتنا في صنع مصيرنا؟
ثم هل صحيح ان القومية عقبة في طريق العولمة؟ اذا نظرنا الى العروبة بأنها رسالة في خدمة الانسانية, حكمها في ذلك في نهاية التحليل حكم المواطنة والدين, فكيف تكون عائقاً للعولمة؟ الى ذلك, ألا نسمع يومياً تبريرات للعنف الذي تمارسه الدولة العظمى باسم الدفاع عن الامن القومي في أميركا وتحت راية الذود عن مصالحها العليا؟ ألا يدل ذلك على تميّز وطني أو قومي أميركي؟
ألا يصح ذلك ايضاً على سائر دول الغرب التي تتصدر حركة العولمة؟ لماذا اذاً نتنازل عن قوميتنا ويتمسك رواد العولمة بهوياتهم القومية؟ الانبهار بالغرب كثيراً ما يعمي بصيرتنا.

اما التذرع بوجود اقليات دينية او عنصرية داخل المجتمع العربي لتسخيف مقولة القومية العربية, فما أيسر دحضه. التعددية الاثنية والدينية في أميركا لم تمنع الأميركيين من التشبث بأميركيتهم والمفاخرة بها, وكذلك التعددية في بريطانيا وفرنسا واسبانيا والهند والصين وروسيا وسائر مجتمعات العالم. ووجود أقلية الباسك في اسبانيا لم يلغِ الهوية الاسبانية. وكذلك يجب ان يكون وجود الاكراد والأرمن والبربر وخلافهم في بعض المجتمعات العربية.

اذا كانت الاقليات في المجتمعات العربية طموحات لاقامة كياناتهم المستقلة, واذا توافرت مقومات الحياة لمثل هذه الكيانات, فيجب الا تكون العروبة حائلاً بينهم وبين تحقيق طموحاتهم. اما اذا لم يكن ثمة شيء من ذلك, فالأقليات تبقى من صلب مجتمعاتنا, لهؤلاء ما لسواهم من الحقوق عليهم ما على سواهم من الواجبات. كما في سائر المجتمعات التعددية الاكثر تقدماً. وكان من أعلام التاريخ العربي الذين نعتز بهم من كانوا في أصولهم من غير العرب, من أمثال صلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد. وكذلك الامر بين فلاسفة العرب ومفكريهم وشعرائهم. فالاستثناء يثبت القاعدة ولا يدحضها.

قيل ان القومية كانت حائلاً دون التنمية اذ آلت الى النظر الى الدولة القطرية على انها كيان موقت. فلم تعد تنفذ فيها برامج طويلة الامد. هذا منطق عقيم ومضلل. كل الدول العربية تسعى اليوم الى تنمية اقتصاداتها بشتى الوسائل المتاحة. واذا كانت قصرت عن تحقيق كل اهدافها الانمائية, فلا يجوز ان ننحي باللائمة جوراً على فكرة القومية. فالسبب هو عجز المسؤول العربي, وربما, في حالات كثيرة, فساده. وهذا عائد الى حد بعيد الى فقدان آليات المساءلة والمحاسبة في الانظمة العربية السائدة نظراً لهزال الممارسة الديموقراطية او انعدامها. اذا كان هذا هو الواقع, فليكن مطلبنا اشاعة الحريات وتفعيل الديموقراطية في بلداننا العربية, وليس جلد النفس والتثريب على قوميتنا.

اما التذرع بخلافات ناشبة بين الحكام العرب وبمشاريع وحدوية فشلت في السابق, كما بين مصر وسورية, او بين بعث العراق وبعث سورية, او بين دول الخليج, فحبله قصير. الخلافات والصراعات هي بين انظمة لا ديموقراطية, لا علاقة لها بارادة الشعوب. واذا كنا نطمح الى اتحاد عربي في يوم من الايام, فنحن لا نرى سبيلاً اليه الا عبر الاصلاح الديموقراطي في شتى الاقطار العربية, بحيث يأتي الاتحاد, ولو بعد اجيال, نتاجاً لارادة شعبية جامعة. كما كان الاتحاد الأوروبي, وليس بناء على أمزجة الحكام العرب التي تبقى خاضعة لعصف الاهواء والنزوات والمصالح الذاتية او الرضوخ الى ارادات قوى خارجية.

في معايير العصر الحديث, للأسف الشديد, الحاكم الناجح في عالمنا العربي هو ذاك الذي يحسن قراءة ما تريده الدولة العظمى ويعمل بموجبه. والواقع الرديء يجب الا يحجب رؤية الغد الأبعد. فمصير الامم لا تقرره حسابات أسابيع او اشهر او حتى سنوات معدودات. هذه تركيا تحلم بالانضمام الى الاتحاد الأوروبي بموجب محادثات يقدر لها ان تستغرق عشر سنوات وربما خمس عشرة سنة.
كان بعض الحكام العرب هم الذين أساؤوا أيما اساءة الى مسيرتنا القومية, في مقدمهم السفاح الطاغية صدام حسين الذي افتعل حرباً فاجرة ضد الكويت وأخرى ضد ايران, ومنهم من هرول الى التوقيع منفرداً على ما سمي سلاماً مع عدو الامة فحفر في جسمنا القومي جروحاً عميقة. اننا نلعن هؤلاء, ولكننا لا نفكر بقوميتنا. ويبقى الرهان في تقرير مصيرنا معقوداً على ارادتنا وارادة الاجيال المقبلة. ونرفض احتلال ارضنا في كل الاحوال.

الاتحاد الأوروبي كان اعظم مشروع انمائي في القرن العشرين. ونحن العرب لا بد لنا من السير على طريق مماثلة, توصلاً الى اتحاد مماثل. نحن أولى بالاتحاد من الأوروبيين. فما يجمع بيننا من لغة وثقافة وتاريخ ومصالح اعظم كثيراً مما يجمع بين الأوروبيين. وفي كنف حال التشرذم التي تسود ساحتنا العربية اليوم, بفعل سياسات حكامنا كما بفعل استهدافنا من الصهيونية العالمية وكذلك من قوى دولية كبرى لها مآرب ومصالح في منطقتنا وثرواتنا, فإن تعذر تحقيق حلم الاتحاد اليوم يجب الا يدفعنا الى التخلي عن هذا الحلم. ان لم يتحقق في أيامنا, فلا بد من ان يتحقق على ايدي أجيال مقبلة. والطريق الى تحقيق هذا الحلم انما يمر بالاصلاح الديموقراطي. ما أسهل التذرع بواقع أليم نعيشه لنعلن يأسنا. وما أحوجنا الى قيادة تاريخية تتحرى واقعنا الأليم لتذلله وتتخطاه وتقود المسيرة الى مستقبل افضل.


ظلام القومية
محمد الرميحي- كاتب كويتي
الحياة 2005/01/5


في الأسبوع الماضي عُقدت في الكويت ندوة حول "الإصلاحات العربية" أقامها مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة الكويت, بالاشتراك مع جمعية العلوم السياسية الأردنية, وهي واحدة من سلسلة ندوات أقيمت على مساحة كبيرة من الأرض الثقافية العربية. قُدمت في الندوة ورقة بعينها عن "الأمن القومي العربي", وكان تعليقي العام على الورقة أن (الأمن القومي العربي, كالوحدة العربية) هي مزارات وهمية يستحسن البعض زيارتها ثقافياً, لكنها ليست ذات معنى واقعي, وهي جزء من "الهوية العربية" المنشطرة على نفسها!

ذلك التعليق أثار بعض رُدود الفعل من أصدقاء, ربما يختلفون في الرؤى معي, وربما لا يزالون مقيدين بقيود الفكر الصلبة, وهي أكبر واقسى من قيود السجّان. إلا أن ما سرني هو قراءتي في جريدة "الحياة", والسنة الماضية تلفظ أنفاسها, وبعد أيام من تلك الندوة, مقالاً للصديق المفكر كريم مروة (29 كانون الاول/ ديسمبر الماضي) وكان بعنوان مثير للغير من أمثال من ناقش اطرُوحتي الناقدة للقومية من الأصدقاء, في ذلك اللقاء الكويتي - الأردني. اذ تساءل: ماذا يعني أن تكون عربياً!

ليس المقام ترديد ما كتبه المفكر كريم مروة, إلا أن البحث ذا صلة, فالمتفق علية عالمياً وعقلياً أن "الدولة" هي جوهر ومحور "العالم السياسي", و"الدولة" العربية ليست استثناء من ذلك, فلا يجوز في عالمنا الذي نعيش فيه اليوم أن نستمر في الاختباء خلف أصابعنا لنقول أن "الدولة العربية" غير موجودة, وان وجدت فهي موقتة, الموجود هو "الدولة القومية العربية"!

باسم الدين أو القومية ارتكبت حماقات ضخمة, أنها أكثر من جرائم بل حماقات سوداء, فقد أصبحت القومية تشكل عبئاً من جانبين, الأول على تطور "الدولة" العربية, والثاني "الوقوف أمام العولمة" باتصال العرب مع العالم الحديث. هذه المقاومة "القومية" ليست حكراً على العرب, بل هي منتشرة في أماكن أخرى, وهي تتراوح في الشدة والتأثير, فقومية "الهنود, الهندوس" ضد الآخرين من المواطنين الهنود كادت أن تُؤدي إلى حرب أهلية هندية, ونسبة التصويت ضد اليورو "العملة الأوروبية" من جانب مواطني الدنمارك, هي تعبير عن القومية بشكل ما.

ضمور المفهوم أو خلطه في العربية بين القومي "الخاص بالدولة المستقلة", والقومي "فوق الدولة" هو ضمور تاريخي, وفي الترجمة تتضح الأمور جلية, فالوطني هو قومي لديهم, ومفهوم "القومي والوطني" لدينا متطابقان! القومية فات زمنها, فهي تقف في وجه أي حل للمشكلات الصراعية في عالم اليوم, خذ ما حدث في قبرص الجزيرة الصغيرة التي قسمت إلى شطرين, عنف القوميات ضد بعضها في أفريقيا أرسلت ملايين من البشر إلى قبورهم, ما حدث في كوسوفو, وفي تيمور الشرقية وفي غيرها من مناطق الصراع العالمي الناشبة حتى اليوم, هي أمثلة متكررة.

القومية "في البلاد الموحدة" مثل إيران أو الولايات المتحدة, على سبيل المثال لا الحصر, عقيدة تُمجد الأمة, وتعتبرها قيمة جوهرية, وهي تؤثر إلى حد بعيد في شعور المواطنين وارتباطهم اليقيني بهوية واحدة. هذا في الدولة "الوطنية", أما القومية, عبر الدولة, حتى وان كانت ذات نسيج متقارب, فمن الصعب الحديث عنها كـ "قومية", في الوقت الذي يدخل بعض تلك الدول مع غيره في حروب ومشاكسات وتنافس لا حصر له, على الحدود, وعلى الموارد. فالقومية هنا تعني الحصول على اكبر قدر من النفوذ و الهيمنة, على الجار الضعيف أو الصغير.

يعتقد الأشخاص الذين تشربوا فكرة القومية أن استقلالهم وقدرتهم على التحكم في مصيرهم هي ميزة "ثقافية" مرتبطة بأمنهم, وغالباً ما يظهر في الموقف القومي, شعور بالتفوق على الآخرين, بالإضافة إلى الرهبة من الأجانب, وتظهر القومية في أوجها حين ما تكون الأمة في حالة حرب.
حالة العرب, كما اقترب منها كريم مروة, ليست حالة "قومية" بالمعنى الكلاسيكي, ولا هي حالة "دولة", وفي هذا تشوّش لا حد له. فترتفع المطالب الشعبية العربية ارتكاناً الى ما اختمر في وعي البعض من أننا في "حالة قومية", وتتنافر المصالح بين "الدول" إلى درجة الاحتراب الساخن أو البارد.

في الحالة العربية يبدو الاحتماء بالجماعة العربية انتماء ثقافياً, وحتى هذا وكما في حالات أخرى, يظهر الشعور "القومي" قوياً مع الصعود الدكتاتوري أو حتى الفاشي. القومية هي حالة فاشية, لها نظرة تفوق عن الآخر وعليه, ومن الملاحظ أن القومية تكون ساكنة في المجتمعات الديموقراطية أو حتى شبه الديموقراطية.

لعل من أهم ما قدمه الدارسون في "القومية العربية" أن من نادوا بها في ما بعد الحرب العالمية الثانية هي الحركة الناصرية في مصر, إن صحّت التسمية, فقبلها كان التوجه "المصري" وطنياً في مصر وأكثر بروزاً في الدعوات السياسية, بل كان العرب في الدعوة الوطنية المصرية "شرقيون". إلا إن التناقض هو أن بعض "الشرقيين" كان لهم امتيازات تقدمها الدولة الحديثة ما قبل الاستقلال, كان الليبي مثلاً أو الفلسطيني يستطيع أن يتعاطى التجارة دون كثير من القيود, كان التونسي أو اللبناني يعيش ويعمل و"يغني" من دون عوائق. بدأت العوائق مع النظام الذي أدعى "القومية" ومن يدرس القوانين التي صدرت في الخمسينات وما بعدها في مصر, يجد تلك الظاهرة واضحة للعيان!

أما المثال الأكثر وضوحاً فهو الحالة العراقية - السورية "البعثية" فرغم الحزب الواحد, ضرب الفراق جُذوره بين أهل "الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة". حتى في الدول التي أرادت تطبيق ايديولوجيا مختلفة عن القومية في شرقنا, كمثال الجمهورية الإسلامية الإيرانية, فهي لا تزال خاضعة للسلوك "القومي" في معظم تصرفاتها, لقد منع احد المرشحين للرئاسة الجمهورية من التنافس بسبب عرقه العربي, ولا يزال كثير من الرسميين الإيرانيين, رغم معرفتهم باللغة العربية, خيراً من بعض أبنائها, يُصرون في اللقاءات المختلفة على التحدث بالفارسية, بل إن حرباً إعلامية شعواء اندلعت إذ أُرسلت رسالة إلى طهران, كتب على غلافها, الخليج "العربي" بدلاً من الفارسي!

الدكتاتورية تطرب لإشاعة الشعور القومي, بسبب ما يشكله هذا من حشد وجهوزية رخيصة الثمن, فقد أطلقت ماكينة صدام حسين الإعلامية في سنوات طويلة تعبير "المجوس" على الإيرانيين, كونهم شيعة, رغم وجود أكثرية شيعية في العراق. بل إن حسن الترابي عندما أراد أن يحول السودان إلى قاعدة متقدمة للثورة العالمية, أطلق على تنظيمه "الجبهة القومية الإسلامية" ولم يتوقف احد من حاشيته أو مريديه, ليسأل كيف؟ "قومية", و"إسلامية" في آن واحد!

أما القسم ( العظيم) لبن لادن فقد قال: ( اقسم بالله العظيم أن أمريكا لن تعيش بسلام قبل أن يسود السلام فلسطين,وقبل رحيل جيش الكافرين عن ارض محمد) بصرف النظر عن بساطة التفكير ذاك, فان هذا القسم إن لم يكن (وطنيقومي) فما هو؟

القومية تتجاوز الاعتراف بقوميات أخرى, أو بآخرين مختلفين عنها, لهذا عانى الأكراد ما عانوه, إبان صعود الدكتاتورية القومية, وكذلك عانى أهل الجنوب في السودان, وانفتح جرح الامازيغ في الشمال الإفريقي, ودخلت بلاد عربية أخرى في حروب أهلية أكلت الأخضر واليابس, وشردت ملايين كما قتلت ملايين آخرين, كل ذلك باسم تفوق القومية على غيرها.

القومية اليوم تقف حجر عثرة أمام التقدم العربي, فباسم القومية, نُظر إلى الدولة العربية وكأنها موقتة, وأُجلت التنمية بإشكالها المختلفة, سياسية واقتصادية في انتظار الخلاص القومي, واستبيحت شعوب ولا تزال تحت هذا المعنى الضبابي, وانتشر مجتمع المراقبة واستخدمت الرموز والمسميات خدمة لهذا الوهم الكبير. ولا أظن أن قدرة المجتمع الأهلي العربية قادرة على التوسع في ظل مثل هذه المفاهيم التي تستخدم من بعض الساسة لتخدير الناس, والزعم بالاحتكام إلى مصالح لا يلمسها أحد! في عالم اليوم يحل القضايا القومية مؤسسات دولية, فكثيراً من خلاف الحدود العربية وغيرها حل عن طريق إما الأمم المتحدة, أو محكمة العدل الدولية, وبقيت "القومية" لزيارة البسطاء والهاء الُسذج.

ذلك هو الوجه ألظلامي الذي إن لنا أن نضعه أمام مشرحة العقل النير.
ولكن اليس من مخرج, بلى, فهناك مصالح وجب تنظيمها وتعظيمها, وترتكز على صيغة عقلانية اذا قامت الدولة العربية على قاعدة المشاركة, وإن صلح الجزء, صلح الكل, اليس ذلك هو خبرة شعوب أخرى! وهو أيضاً الجزء المضيء من القومية الحديثة.