أكتبوا للأطفــال .. ولكن .. ؟

أصبح كل من يعرف الكتابة يتطلَّـع لأن يكتب للأطفــال ! أعرف كاتب قصة، نصف موهوب، طلب مني ( شــــــويَّة ) موضوعات علمية، ليعيد صياغتهـا، لتناسب الطفل، لأنه – حسب قوله – عرف لنفسه ( سكَّة ) في مجلة أطفال تصدر بالقاهــــرة. وأعرف كاتباً آخر، يكتب في كل شيئ، من السينما إلى أخبار الحوادث، وقد دخـــــل إلى الميدان مؤخَّـــراً، وهو يحدثني عن نشــــاطه، من حين لآخــــر، فيقول – بالنص – أنه ( رمي ) ( حــتَّةً ) في مجلـــة كذا، و ( حتتين ) في مجلة كيت، وينتظر ( التساهيل ) !. كما أن مجلة للأطفـال، تصدرها مؤسسة صحافية كبرى، في مصر، يكتب فيها المحررون العسكريون والدبلوماسيون ومحررات الشؤون النسوية، وكتَّاب المؤسسة من الصحافيين الذين ينشـــــرون كتاباتهم في إصدارات أخرى للمؤسسة، ويعملون على ( زيادة مدخولاتهم ) بالكتابة للأطفال ! أعرف كاتب قصة، نصف موهوب، طلب مني ( شــــــويَّة ) موضوعات علمية، ليعيد صياغتهـا، لتناسب الطفل، لأنه – حسب قوله – عرف لنفسه ( سكَّة ) في مجلة أطفال تصدر بالقاهــــرة. وأعرف كاتباً آخر، يكتب في كل شيئ، من السينما إلى أخبار الحوادث، وقد دخـــــل إلى الميدان مؤخَّـــراً، وهو يحدثني عن نشــــاطه، من حين لآخــــر، فيقول – بالنص – أنه ( رمي ) ( حــتَّةً ) في مجلـــة كذا، و ( حتتين ) في مجلة كيت، وينتظر ( التساهيل ) !. كما أن مجلة للأطفـال، تصدرها مؤسسة صحافية كبرى، في مصر، يكتب فيها المحررون العسكريون والدبلوماسيون ومحررات الشؤون النسوية، وكتَّاب المؤسسة من الصحافيين الذين ينشـــــرون كتاباتهم في إصدارات أخرى للمؤسسة، ويعملون على ( زيادة مدخولاتهم ) بالكتابة للأطفال !

 إذن، فقد أصبح الكتَّــاب يستسهلون الكتابة للأطفـال؛ ومن جهة أخرى، فإن هذا النوع من الكتابة أصبح مربحاً، أكثر من الكتابة الأدبية أو العلمية للقراء الكبار؛ وتدفع المجلات العربية الموجهة للأطفال بســـخاء لمن يكتبون لهـا، رغبة في اجتذاب أفضل الأقلام والمواد لقــرَّائها الصغار؛ وهو هدف نبيل بحد ذاته، غير أنه تحوَّل إلى دافع قوي، يحفز كل من يعرف بتسعيرة هذه المجلات إلى تعديل مسار قلمه، ليصبح كاتب أطفال !. وكانت النتيجة أن تزايد عدد كتَّاب الأطفال العرب؛ فبعد أن كانوا لا يزيدون عن عدد أصابع اليد الواحدة، منذ نصف قرن، أصبحوا الآن يعدون بالمئات، إذا اعتبرنا أن كاتب الأطفال هو كل من ينشر موضوعاً أو أكثر في سلاسل كتب ومجلات الأطفال. أما إذا خضع التعريف للتدقيق، فإن العدد يمكن أن يتضـاءل إلى بضع عشرات؛ ولكن – للأسف – لم يهتم أحد، حتى الآن، بهذا التدقيق الضروري.
 
ويبدو أن هذه الظاهرة لا تخص العرب وحدهم، فقد قرأت مقالاً لمحررة مجلة أطفال أمريكية، تقول فيه إن الكتابة للأطفال أصبحت ( تجارة ) مربحة، وأنها – المحررة – تدفع ألف دولار أمريكي في مقابل الموضوع الموجَّـه للطفل – قصة أو مقال – الذي لا يزيد طوله عن 350 كلمة؛ وتضيف قائلة، إن صديقاً لها يتقاضى من مجلة للناشئة 1100 دولار، كل شهر، مقابل موضوعين
يكتبهما بالمجلة، وهي تعرف عنه أنه لا يحب الأطفال، بل ويرفض إنجابهم !. وقد تضاعف عدد كتَّــاب الأطفـال الأمريكييـن، أيضاً، فتشير إحصائيات معهد أدب الأطفـال، بالولايات المتحدة الأمريكية، إلى أن عـــدد كتَّــــــاب الأطفال المستقلين، أو المراسلين ( من منازلهم )، كان 354 كاتباً، بالعام 1985؛ وقفز إلى 600 كاتب، مع نهاية القرن العشرين.

فهل الكتابة للأطفـال مهمة ســهلة، حتى أنها تغري الكتَّــاب وتجتذبهـم ؟

ومن واقع تجربتنا، نقول إنها ليست عملية سهلة – على الأقل في بداية الدخول إليها – فأنت حين تجلس لتكتب لهذه الكائنات البشرية الطالعة، ينبغي عليك أن تقدِّم لها قدراً مناسباً من المعلومات، في حيِّز صغير؛ وهذه هي أول صعوبة تقابل كاتب الأطفال. ثم تأتي صعوبة، أو تحدى، اللغة الخاصة، التي يجب صياغتها بحيث يتقبلها الطفل القارئ ويتفهمها. وقبل كل ذلك، عليك أن تبحث عن أفكار جديدة، مثيرة للدهشـة، تجذب انتباه الطفل، وتستولي على حواسه، وإلاَّ فإنه سيجد طريقه الســهل إلى تكنولوجيا المعلومات والتسلية، المرئية والمسموعة؛ فلماذا يجهد عينيه في عملية قراءة ( بغيضة ) لأفكار وموضوعات لا تهمه، ولا يراها جذابة، في حين أن ضغطة واحدة على زرٍ تفتح له أبواباً سحرية، لعوالم مليئة بالحركة، ولا حدود للخيال فيها ؟!. إن المنافسة بين المادة المكتوبة للطفل، وما تقدمه له الوسائط الأخرى المتعددة، غير متكافئة، وتميل كفتها لصالح هذه الوسائط المتجددة، في معظم الأحيان؛ ويساعد كتَّاب الأطفال غير المجيدين، وغير الموهوبين، على تكريس خسارة المادة المكتوبة، في مواجهة مصادر المتعة المعرفية التكنولوجية، التي تحيط بالأطفال، من كل جانب، وفي كل مكان.

ويميل كثيرون، ممن يكتبون للأطفال، إلى إنتاج المواد غير القصصية؛ ولعلهم – في معظمهم – يجدون ذلك أسهل من التعرض لتأليف قصص، فتكشف التجربة سوءات مواهبهم المحدودة. وإذا كانت الكتابة للطفل، بعامة، ليست سهلة، فإن كتابة قصة للأطفال أصعب. ومن مراجعتنا لجانب كبير من الإصدارات الموجهة للطفل، في عالمنا العربي، لاحظنـا أن المواد القصصية تحظى بمساحة ( معقولة ) – في المتوسط العام – بين هذه الإصدارات؛ وإن كنا نعلم – من واقع خبرة منقولة لنـا من أصدقاء يعملون في تحرير مجلات الأطفال – أن ثمة نقصاً واضحـاً في المواد القصصية الصالحة للنشر، وعلى وجه الخصوص، في القصص المصــوَّرة، أو السيناريوهات المرسومة.

وإزاء هذا النقص الواضح، يلجـأ القائمون على إصدار بعض مجلات الأطفال العربية إلى ( حشـــو ) المجلة بمـواد غير قصصية، مثل التغطيات والتقارير العلمية والتكنولوجية المبسَّـــطة؛ والمقابلات الشخصية مع الأعـــلام من رجال الفن والرياضة والعلم؛ وأخبار أنشطة الأطفال في المدارس والمنتديات؛ بالإضافة إلى مواد دينية ورياضية، لا تختلف كثيراً – في المظهر والجوهر – عن تلك التي ينفر منها الأطفال، والتي تحتشــد بها بعض الكتب المدرسية.

وتحاول تلك المجلات، التي يضطرها القصور في الإمداد بالمواد القصصية إلى استخدام مثل ذلك الحشــو .. تحـاول تجميل وجه هذه المواد غير القصصية، قدر المســـتطاع، بأن توفر لهـا رسامين ممتازين، ينتجون رسومات معبِّـرة جذابة، تضفي بعض الحيوية على تلك المواد، التي تتصف بالسكون، مقارنة بالمواد القصصية المملوءة – بحكم طبيعتها الدرامية – حياةً وحركةً. وعندما يعـزُّ الرسام الجيد، يُضطــــرُّ المحرر إلى إرفاق صور ضوئية مناسبة بالموضوعات غير القصصية.

وعلى أي حال، فإن كاتب الأطفال الجيد يمكنه – متعاوناً مع القائمين على إخراج صفحات مجلة الطفل – أن يعطينا مادة غير قصصية مقبولة ومقروءة، إن مكَّنـتــه موهبته من الإحاطة الكافية بالموضوع الذي يكتبه، وصياغته في لغة شيقة، وإضفاء مسحة ( حكوية ) عليه، لإكســاب المادة غير القصصية جاذبية ( من فضلك : راجع الملحق رقم " 1 " ، وهو موضوع غير قصصي، عنوانه " طيري يا طيَّـــارة ! " ). ويهمنا أن نؤكد على أن كاتب الأطفال المتمكن يمكنه أن يعالج أي موضوع، وينتج منه ( كتابة فنية ) جميلة؛ فغير مطلوب منك – مثلاً – أن تكون من علماء الفضاء، لتحكي لنا عن حياة رواد الفضاء في رحلاتهم إلى الفضــاء الخارجي، أو أن تكون من علماء البيئة البحرية، لتكتب عن العلاقة العجيبة بين أســماك البهــلوان وحيوان المرجان؛ ولكن المطلوب والمرغوب هو أن تكون الكتابة – بلغة الحرفيين – " مخدومةً "، وأن يكون الكاتب مخلصـــاً في توجهه للكتابة للأطفــال؛ وقبل كل شيئ، أن يحترم قراءه الصغار، ولا يستهين بهـم.

إن معظم من ( يتحولون ) للكتابة للطفل يخفقون، ولا يتحقق لإنتاجهم في المجال الجديد نفس الدرجة من الجودة، التي قد تكون تحققت في كتاباتهم للكبــار؛ والســبب – في رأينـا – مردودٌ إلى أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يتخلصــوا من تصــوُّرٍ مســبقٍ عن الطفل والطفولة، تكــوَّن لديهم من قراءات نظرية في علم نفس الطفولة، أو من خلال ذكرياتهم الخاصة عن مرحلة التنشــئة، وسنوات طفولتهم – ولا نتوقع، في كل الأحوال والحالات، أن يكون هؤلاء الكتاب قد هنأوا يطفولة ســوية ! – فإذا جاءوا ليكتبوا لأطفـال اليوم، كانت كتاباتهم كالأطعمة المعلبة، طعمها مغاير، وفائدتها محدودة، ناهيك عن أنها قد تكون مصدر خطورة حقيقية. ومن حق الأطفال – وهم أبناؤنا وأحفادنا – أن يحصلوا على وجبات تثقيفية طازجة وصحية، تفتح شهيتهم للحياة، وتمدهم بعوامل بناء المخيِّلـة وأســاســـيات التفكير.

 إن على كاتب الأطفال، إن أراد أن ينجح، أن يترك طفولته وراءه؛ فالزمن تغير، كما أنه مستمر بالتغير .. إننا نعيش في عالم تتغير ملامحه كــل صبــاح؛ وعلى من يتصــدى لمهمة الكتابة لطفل اليوم أن يهيئ نفسه ليكون ( وسيطاً ) جيدا، ينجح في توصيل صـورة حقيقية – غير مهزوزة – لما يجري في هذا العالم لأطفالنــا، وإلاَّ عاشــوا طفولتهم غرباء في عالمهم؛ فإذا كبروا ازدادت غربتهم، وبالتالي تخلفهم، في عصــر لا يقبـل، ولا يرحـم، من يتخلفون عن مســـايرة وقعـه المتســـارع.

وبالإضافة إلى ذلك، فثمة اعتبارات ومواضعات اجتماعية يجب أن تؤخذ في الحسبان عند الكتابة لأطفال اليوم، الذين تختلف ظروف تنشئتهم أُســريَّاً عن الظروف التي تربى فيها ونشأ آباؤهم وأجدادهم؛ ففي مجتمعاتنا العربية، على سبيل المثال، يتراجع شكل الأسرة التقليدي، حيث كان الأب والأم والأبناء والأحفاد يعيشون، مجتمعين، في مسكن واحد كبير ( بيت العائلة )، أو في مساكن متقاربة، بحيث يتوافر الترابط والتواصل الأسريين، ويتاح للجد أو للجدة، أو للإثنين معاً، أن يشاركا في رعاية الأحفاد، وتشكيل وعيهم بالعالم، وإطلاق قدرات الخيــال عندهم، عن طريق عشرات، بل مئات، القصص والحكايات، من الموروث الشعبي المحلي، ومن التراث الأدبي العربي. والمطلوب من كِتـــــاب الطفل ومجلته أن يحــلا محــل الجـــــد والجـــــدة، بعد أن أبعدت الحياة العصرية أحفادهما عنهما؛ بل لقد باعدت تلك الحياة اللاهثــــة بين الطفل وأبويه، إما بهجرة أحد الأبوين – الأب غالباً – للعمل، أو بانشــغال الأبويـن عن أطفالهمـا بأعبــاء الوظيـفة، التي لا تتيح للأســرة أن يجتمع شــملهـا إلاَّ لدقـائـق معدودة، في يوم العمل. وثمة مجلات أطفال أوربية وأمريكية تكلِّــف كتَّــابهـا بإعداد موضـوعات خاصــة للأطفـال أحاديي الآبـاء ( بلا أب أو بلا أم ).

حســــناً، ليكتـب للأطفــــال كـل من يجـــد بنفســـه القدرة على هذه الكتابة ( لا أحــــد يملك أن يوقف أحداً عن الكتابة )؛ ولكن .. قبــــل أن تجلس لتكتب للأطفــال، يجب أن تكون هذه المسائل حاضرة في ذهنك، لتحقق هدفاً رئيسياً، هو أن ( تشـــدَّ ) الطـفل إلى كتابتك، من أول جملتين؛ لأنه لن ينتظر ليقرأ ســت جمـل من نـص فقد الإحســـاس به، ولم تنشــأ لديه علاقة معه. ومن جهة أخرى، يجب أن تجذب اهتمام القارئ الصغير بما أعددته له، بدءاً من الكلمات الأولى، لأن المادة المكتوبة للأطفـال – كما سبق أن أشرنا – ينبغي أن تكون محدودة، لا إطالة فيها؛ ولا يسمح الحيِّـــزُ المحدود بتمهيد مســهب.

إن التمهيد، أو الاســتهلال، مكـــوِّن رئيسي للنــص، في الكتابة لكل من الكبار والصغار، على الســواء؛ ويوليه الكتَّــاب اهتماماً خاصــا، فهو بوابتهم الذهبية إلى عقل وقلب القارئ؛ فتجدهم يحشــدون خبراتهـم ومهاراتهم لصياغتـه، في لغة فنية راقية؛ ولا بأس من اللجوء إلى ( حيل ) فنية محكمة، يسعد القارئ أن يشارك بهـا؛ فثمة رأي يقول بأن الكتابة الفنية تقوم على اتفاق غير معلن، بين الكاتب وقارئه، يتعهد فيه الأول بالتحايل على الثاني وإيهامه بصحة ما يعرضه ويسرده عليه من وقائع وأحداث؛ وعلى الثاني أن يقبل ذلك !. وقد يكون ذلك التمهيد إشــارة إلى شخصية بارزة أو مثيرة، أو إلى حدث قريب، لا يزال محتفظاً بطزاجته، ويحظى باهتمام الرأي العام؛ ومن الأمور المستحبة – أيضاً – اعتماد الأســـلوب ذي الطبيعة الفكهة المرحة، أو الســـاخرة؛ وقد يبدأ الاســتهلال في عنوان المادة المكتوبة للطفل، فيضعه – منذ الكلمة الأولى – في ( صلب ) الموضوع؛ ( من فضلك : راجع الملحق رقم " 2 " ، وهو موضوع غير قصصي، عنوانه " الأرنب يحصــــل على ترقيـــة ! " ).

ويظن نفرٌ من الكتَّـــاب أن عليهم ( النزول ) لمســـتوى الطفل؛ وهـــذا خطــأ فادح. إنهم – باعتناقهـــم هذا الاعتقاد – يغلقون على أنفسهم خط التواصل مع الأطفال، إذ تســـيطر عليهـم فكرة أنهم يكتبون لنوع بشــري ( أدنى )، عليهـم أن يتنازلوا فينزلوا إلى مســـتواه عند مخاطبته؛ ويعني ذلك النزول – عندهم – المبالغة في التحــــبب للأطفــال – كأنما هــــم ( يســـــتدرجونهــم ) إلـــى تنـــاول دواء مـــر ! – و التبســيط الأقـرب إلى التســـطيح، والــــذي لا يخلـو من تكـلُّف، بالإضافة إلى ارتفاع صــوت ( الواعظ ) و ( المعلم ) بين الســطور؛ وربما بدا بعضهـم كأنه يمســـك خيـزرانة !.

وينســـــى هـــؤلاء أن من يكتبون لهـم ليســوا مكعبات من ( العجين ) أو ( طين الصلصـــال )، بل ( كائنات حية ) شديدة الحساسية، لديها قدراتها الذهنية، كما أنها قادرة – وربما بدرجة أعلى مما هو متوفر لدي البعض من الكبار – على الإحســـاس بالصــدق فتســتجيب لـه، أو بالـــزيف فتنفـــر منـــــــه، دون أن تُبـــدي أســــــباباً؛ ولا تأتي معها ( التعليمات ) و ( التوجيهات ) المباشــرة – في معظم الحالات – بالنتائج المرجوة؛ فذلك أســلوب ممجوج، حتى عند الكبار، ويجده الصغـار الأســـوياء ممــلاً، ولا يستجيبون له، فلا يترك في نفوسهم أثرا، ولا يغرس في سلوكياتهم قيماً تربوية طيبة. وحريٌّ بنــا ألاَّ نفـرح إذا وجـدنا من أطفالنــا من يستجيب لهذا الأســـلوب؛ فهــؤلاء ســيكبرون وهو يفتقدون روح المبادرة والمبادأة، وسينتظرون – طول الوقت – من يدلهم على ما يفعلون ويقولون، ومن يسوقهم بإشاراته ليصفقوا، أو ليمتنعوا عن التصفيق !
قي أن نشير إلى جزئية مهمة أخرى، هي ضرورة أن تركز مجلات الأطفال العربية على اهتمامات بعينها، أي تعمل على أن تغلب عليها صبغة خاصة، تميز كل مجلة عن سائر المجلات؛ لأن انعدام هذا التركيز، أو ( التوجُّـه الخاص )، يجعل كل المجلات متشابهة، وفي هذا التشابه إفقـــــار للمائدة الثقافية التي ندعو إليها أطفالنا؛ أما التنــــوُّع، ففيه ثراء، وفوائده متعاظمة؛ فليتنــا نجد بعض مجلات الأطفال العربية ينهـــــج نهجاً تاريخيــــــاً، وآخر علمياً، وثالثاً بيئــياً، ورابعــــاً يهتم بالطبيعة، وخامســــــاً بالآثــــــار، وسادســـــاً بالألعاب والرياضة، وســــابعاً بالفنون ...إلخ. والجدير بالذكر أن هذا التنوع متوفر، إلى حد كبير، في ســـلاســـل الكتب التي تصدرها بعض مؤسسات النشر العربية العريقة.

وأخيراً، نأمل أن تلتفت مؤسساتنا الثقافية إلى أهمية الوسـائط المعرفيـة الأخـرى، وتســـنخدمها لتوصيل الخدمة التثقيفية للأطفـال العرب. إن جولة بين المواقع المخصصة للأطفـال الأوربيين والأمريكيين، في شــبكة المعلومات الكونيـة ( الإنترنت )، تبين لنا تزايد عدد هذه المواقع وتطورها، تصميماً ومحتوىً؛ وهي تتميز عن الوسيط التقليدي ( الورقي ) بأنها تتعامل مع الطفل المعاصر بلغة معاصرة يجيدها؛ ثم إنها توفر الجانب ( التفاعلي )، فلا يكون الطفل الذي يدخل الموقع مجرد متلقٍ، بل مشاركاً فاعلاً في الأداء.

وختاماً، فلقد أكثرنا من اســتخدام كلمات مثل ( ينبغي )، و ( يجب )، في هذا الحديث الذي نتوجه به – بالأساس – إلى كتَّــاب الأطفــال، أو من يرغبون في ممارسة الكتابة للصـغار؛ ونحن نعرف أنها كلمات ( توجيه ) ثقيلة الظل، ولم نكن نحب أن نستخدمها، أو – على الأقل – أن تتردد في حديثنا على هذا النحو؛ غير أن عذرنا في ذلك هو أننا كنا مدفوعين بالحماس والغيرة على فرع مهم جداً من فروع الكتابة؛ فلعل القارئ يلتمس لنا العذر؛ ولعله يجد فيما وضعنـــاه أمامه من خلاصة تجربتنا الشخصية ما يعينه على أن يجوِّد كتابته، من أجل أطفالنــا، الذين يســـتحقون أن نقــدم لهـــم كــل جميل ونافع.
 
طـيـــــــري يا طيــــــــارة!

أحكي لكم، في البداية، موجزاً لقصة قرأتها منذ زمن بعيد، عن رجل ذي شــأن، اعتاد أن يذهب إلي الشاطئ كل صباح، ويجلس تحت المظلة الملونة، ويطالع الصحف، ولا ينزل البحر إلا نادراً، ولدقائق قليلة، يعود بعدها إلي الاسترخاء تحت المظلة. وذات يوم، اقترب من مظلته طفل يلعب بطائرة ورقية، فنظر الرجل إليه بلا اهتمام في البداية، ثم أخذ يراقبه في محاولاته لإطلاق الطائرة مع هبّات الهواء.
وفجأة، وجد الرجل نفسه ينهض من كرسيه تحت المظلة، ويتقدم إلي الطفل، يساعده في إطلاق الطائرة. وينجحان في ذلك، ويبدأ الرجل في التخلي عن تمسكه بالمظهر الرسمي، ويتناوب مع الطفل الإمساك بالخيط لتوجيه الطائرة وحفظ اتزانها. وفي الأيام التالية، اعتاد رواد الشاطئ علي رؤية الطفل والرجل الكبير يلعبان معاً بنفس الطائرة، ثم أحضر الرجل لنفسه طائرة خاصة، وأخذ ينافس صديقه في تسجيل أقصي ارتفاع وأكبر مسافة تطيرها الطائرة!
ذلك هو سحر الطائرات الورقية.. يصعب مقاومته!

طفولة وذكريات
إنها لعبة للصغار، تجتذبهم عند الشاطئ، وفي الرحلات الخلوية، بل وداخل المدن، يُطيرونها من فوق أسطح البنايات (مع مراعاة اعتبارات الأمان الخاصة بالأماكن المرتفعة)، لكنها، أيضاً، متاحة للكبار، توقظ فيهم ذكريات الطفولة وروحها، كما حدث مع الرجل ذي الشأن !.
هروب في ذيل طائرة!
والطائرة الورقية، عند بعض شعوب العالم، أكبر من مجرد لعبة. إنها جزء من التاريخ والفولكلور، وتروي عنها حكايات غريبة وطريفة. ففي حكاية يابانية من القرن الثاني عشر، عوقب قائد ياباني بالنفي إلي جزيرة بعيدة، واشتاق أحد أبنائه إلي الوطن، فهرب عائداً إليه، متعلقاً بذيل طائرة ورقية ضخمة!
وفي حكاية أخرى، نجد لصاً ينجح في الوصول إلي قمة قلعة تاريخية، ويسرق القشور الذهبية التي تغطي أجسام تماثيل الدلافين الموزعة فوق أسوار القلعة الشاهقة. وقد اكتشف أمر ذلك اللص، وتم القبض عليه، إذ أنه كان يتفاخر، في كل مكان بفكرته العبقرية: استخدام طائرة ورقية في الوصول إلي ذهب الدلافين!

منافع أخري
وفي اليابان، أيضاً كان للطائرات الورقية استخداماتها العملية، فكانت تساعد في رفع مواد البناء، وبخاصة إذا كانت الرياح قوية. ولا يزال المزارعون، في بعض القري اليابانية، يطيرون طائرات ورقية (خاصة) مكتوب علي ورقها أدعية وابتهالات إلي الله أن يهبهم محصولاً وفيراً، وأن يلطف الجو لتنمو مزروعاتهم جيداً!
أسماك معلقة بالذيل!
 
ومن أطرف استخدامات الطائرات الورقية ما يحدث في مدينة (شيبا) اليابانية الواقعة علي ساحل المحيط الهادي، إذ يطلق الصيادون، وهم في قواربهم، طائرات ورقية، وهم يقتربون من الشاطئ في رحلة العودة، بعد أيام طويلة من الصيد في المدينة، وعليها ألوان وعلامات رمزية خاصة بأسر الصيادين، فيستقبلها الأهل بالفرحة، فهي البشير بوصول الآباء والأخوة والأبناء، سالمين غانمين، بعد مواجهة أخطار المحيط في رحلة الصيد الطويلة. وتزداد سعادة الأهل إذا وجدوا بعض الأسماك معلقة في ذيول الطائرات.
فهذا معناه أيضاً: أن الصيد وفير!

يلة لقياس المسافة بين موقع جيشه وأسوار مدينة يحاصرها، فأطلق أول طائرة ورقية في التاريخ. وحفر جنوده نفقاً بطول المسافة التي قطعتها الطائرة الورقية، حتى ارتطمت بأسوار حصون المدينة. وقد اقتحم هازين ورجاله المدينة من خلال هذا النفق.. وكان الفضل في ذلك للطائرات الورقية. ويحتفل الصينيون بعيد الطائرات الورقية في يوم محدد من السنة، هو اليوم التاسع من الشهر التاسع، وفيه تزدحم سماوات المدن الصينية بآلاف الطائرات الورقية.

طائرات ورقية في كل مكان
وقد انتقل تأثير سحر الطائرات الورقية إلي كل أنحاء العالم. ويندر أن تجد موقعاً علي سطح الأرض لا يعرف سكانه الطائرات الورقية.
وفي إيطاليا، تقيم بلدية مدينة أوربينو احتفالية سنوية كبيرة، في يوم الأحد الأخير من شهر أغسطس، تمتلئ فيها سماء المدينة بالطائرات الورقية، التي يتنافس أصحابها، كباراً وصغاراً، في ابتكار أشكالها وألوانها وأساليب إطلاقها وتحليقها. ويتنافسون، أيضاً، في المدي الذي تنطلق إليه طائراتهم.. ويقال إن طائرة ورقية طارت من مدينة أوربينو، وواصلت تحليقها باستخدام خيط طويل جداً، حتي سقطت في مدينة أخري بعيدة!

متعة.. دهشة.. بهجة.!
هذه بعض الحكايات، أرويها لك لتتذكرها وأنت تقبض علي خيط طائرتك الورقية، وسيلتنا للمتعة في أيام الصيف، تسحبها يميناً أو يساراً، أو تشد الخيط لترتفع أعلي وأعلي، متراقصة في الهواء، تتابعها عيوننا وعلي وجوهنا تفترش الدهشة والبهجة، وقد توحي لنا الطائرة المحلقة في السماء الزرقاء الصافية بأحلام جميلة، وبآمال في أن تمضي بنا الحياة، نسعد بها مع أهلنا وأصدقائنا، في نعومة انطلاق طائرة من ورق رقيق ملّون تحملها النسمات.

الأرنب يحصل على ترقية !

ُجرى استقصاءٌ للرأي بين مجموعات من الأطفال، عن أحب الحيوانات إليهم، فاحتل الأرنب مكاناً متقدماً في قائمة الحيوانات المحببة لديهم. وربما كان ذلك بسبب أن الأرنب حيوان وديع، لا يؤذى، ويمكن للصغار الاقتراب منه ومداعبة فرائه الناعم الجميل، دون خوف. أضف إلى ذلك، أن الأرنب يسعد الصغار عندما يفاجأون به يخرج من قبعة الساحر فى السيرك!.. وإذا سألت من تذوقوا لحم الأرانب، يقولون لك أنه لذيذ؛ وهو مفيد، وغنى بالعديد من عناصر الغذاء الضرورية لصحة الجسم. ويعرف من لديهم خبرة بتربية الأرانب أنها تتكاثر بسرعة، وتلد (الأرنبة) الواحدة أعداداً كبيرة.. لذلك، فإن مشروعاً تجارياً لإدارة مزرعة للأرانب يدر ربحاً وفيراً على صاحبه، إن أحسن رعاية ضيوفه، من الأرانب.

والأرنب حيوان يلد، ويرضع صغاره.. فهو – إذن - من طائفة الحيوانات التي يسميها علماء الحيوان بالثدييات، أي التي لها غدد بالصدر تفرز اللبن؛ وتسمى -أيضاً- بالحيوانات اللبونة، أو اللبونيات، أي التي تنتج إناثها اللبن لترضع الصغار..

والثدييات -أو الحيوانات اللبونة- طائفة متسعة، تشتمل على أنواع عديدة من الحيوانات، بينها اختلافات شديدة، فهى تضم: الإنسان- القرد- الفيل- القط- الجرذان- الحيتان- الدلافين- عروس البحر- الغوريللا- والأرنب؛ وأنواعــاً حيوانية أخرى. ولكي يوفر العلماء مزيداً من التحديد للمجموعات الحيوانية التي يتشابه أفراد أو أنواع كل منها في كثير من الصفات، كان من الضروري إعادة تجميع الثدييات المتشابهة لتضمها مجموعات أصغر.. وعلى سبيل المثال،
تم تجميع الإنسان والغوريللات والقردة الكبيرة في مجموعة واحدة تسمى (الرئيسات)، وهى تحتل قمة عالم الحيوان أو المملكة الحيوانية؛ وقد يدهشك أن النمور والقطط تنتمي، معاً، لمجموعة واحدة تسمى بمجموعة القطط؛ ثم تجيئ الأرانب والجرذان وبعض الحيوانات المشابهة في مجموعة (القوارض).

وبانتهائك من قراءة السطور السابقة، تكون قد حصلت على فكرة لا بأس بها عن أحد العلوم الأساسية، التي يدرسها طلاب كلية العلوم، هو (علم التصنيف)؛ ومهمته تصنيف جميع أنواع الكائنات الحية المعروفة، وإعطاؤها أسماء لاتينية مشتقة من صفاتها، وذلك لتسهيل دراسة علاقات هذه الكائنات ببعضها. وقد بدأ ذلك العلم - في صورة متقدمة نسبياً - منذ حوالي مائتي سنة؛ وكان أشهر المشتغلين به عالم اسمه (لينياس)..

و(لينياس) هذا هو الذي وضع الأرانب في مجموعة القوارض؛ وهى مجموعة أدنى من مجموعة القمة: (الرئيـســــات) .. لقد رآها لينياس تمتلك قواطع كبيرة الحجم، هي أسنانها الأمامية، وتتسلى - طول الوقت - بقرض كل ما يصلح للقرض، فأعطاها اسمها المشتق من الفعل (قرض).


وعاشت الأرانب، قرنين من الزمان، مستقرة، مطمئنة إلى مركزها الثابت فى تصنيف المملكة الحيوانية. وأعتقد أن الأرانب نفسها سوف تندهش إذا قرأت معنا هذا الكلام وعلمت أنه يجب عليها الآن أن تراجع الدوائر الرسمية لتغيير (صفتها) المثبتة فى هويتها !!

 لقد اكتشف أحد علماء الوراثة – حديثاً - أن لينياس (أبو علم التصنيف) كان على خطأ عندما ضم الأرانب إلى القوارض؛ وأن من حق الأرانب أن تحصل على ترقية كبيرة!

 يقول ذلك العالم، إن (لينياس) ومعاصريه من علماء التصنيف كانوا يعتمدون على الصفات الخارجية للجسم، وعلى بعض السلوكيات الظاهرة في تصنيفهم للكائنات الحية؛ أما الآن، فإن لدينا من أجهزة التحليل الكيمائي، ومن وسائل البحث في مجال الهندسة الوراثية، ما يجعلنا نعود إلى تصنيف الكائنات الحية على أسس أكثر دقة.

الخطير في الأمر، أن الترقية التي يطالب بها ذلك العالم للأرنب، تعد قفزة كبيرة – وهو، على أية حال، مشهور بقفزاته السريعة الطويلة - فهي تنقله إلى قمة المملكة الحيوانية، وتنسبه إلى طائفة الرئيســــات، التي تتربع على تلك القمة، والتي يحتل الإنسان ذروتها .. وهكذا، أصبحت الأرانب – علميـــاً - من أقربائنا!!

لقد أجرى ذلك الباحث بعض التجارب والاختبارات، فوجد أن التركيب الكيميائي لبعض أنواع البروتين في الأرنب، يشبه تركيب نفس البروتينات في كائنات من طائفة الرئيســــات، أكثر مما يشبه تركيب نفس البروتينات في القوارض الأخرى. وهو يقول إن هذا الأساس الكيميائي للتصنيف أقوى من اسلوب التصنيف القديم؛ فالتركيب الكيميائي للبروتينات مسجل في الصفات الوراثية للكائن الحي، مما يعنى ثباته على مر الأزمنة، ويؤكد حق الأرنب في الحصول على هذه الترقية الكبيرة!