مثلثات ملونة


marwa el hamamsy
 

قصة قصيرة بقلم مروة محمد مرسي ابراهيم الحمامصي - الاسكندرية




مثلثات بيضاء تجاورها أخرى بنفسجية , رؤوسها كأسنان حادة تغرس في حلقها , تئد دموعا كادت تفر من عينيها , تخنق شهقات أكثر ما تفزعها فيها , أن تسمعها أمها النائمة بجوارها.
كأنه خزانة ملابس في سيرك , آمنت بذلك من لحظة دخولها المنزل , منذ سويعات , فوجدت أمها قد طلت خزانة الملابس باللونين الأبيض والبنفسجي , ولطخت معه ملابسها ووجهها , تعللت بأنها فعلت ذلك قتلا للملل والوحدة , بعد سفر أولادها للعمل كل في جهة , حسدتهم بل حقدت عليهم . أغمضت عينيها حتى انتصر عليها النوم .

عادت من عملها تحلم بالطعام والراحة , صدمتها مرة أخرى رائحة الطلاء , كانت أمها قد طلت هذه المرة باقي أثاث الغرفة , الفراش والمكتبة والخزانة الصغيرة وحتى الباب . كلفتها هذه المرة بإعداد الغداء وتنظيف الفوضى التي حدثت . في تلك الليلة تسامرت مع الدموع دون أن تحس بها أمها .

عادت لصخب عملها وزحام الناس في مكتب البريد , علمت بقرب زواج إحدى الزميلات وسفرها مع زوجها , أثناء رحلة العودة تمنت لو تتزوج وتترك البيت بل تسافر لمكان لا تطالها فيه يد أمها أو تسمع صوته الآمر يصيح فيها , يكفيها مكالمة تليفونية كل ثلاثة أيام، لا بل كل أسبوع , لن تزورها إلا مرة واحدة كل عام يكفيها أسبوعان، لا بل أسبوع واحد .
لاح البيت أمامها , حاولت استجماع شجاعتها والتصريح بأن الحجرة أصبحت لا تطاق . تراجعت بعد أن تذكرت أنها لمحت بذلك مثلثات ملونة فأخذت نصيبها وزيادة من التوبيخ واللوم والصوت العالي .
دخلت المنزل فوجدت المثلثات الملونة , والأم تزداد ابتهاجا تقف أمام كل حائط وكل قطعة أثاث , وتمدح ما فعلته .

تسربت الألوان إلى باقي شقق البناية , تظهر الألوان والمثلثات على أبواب الشقق الأخرى , فتمر بجانبها بحذر .

انتقلت أيضا إلى ما بين الشقق , فتصعد السلم وتهبطه دون توقف . مدخل البناية أيضا تصيبه العدوى .

في الأفق تلوح بناية ثم أخرى بنفس الألوان والمثلثات . في العمل قاموا بأعمال الطلاء فتكررت العملية .
في التليفزيون ديكورات البرامج والمسلسلات والأفلام أصبحت كذلك ,

الميادين العامة , مكاتبات العمل , خلفية جهاز الحاسب الآلي ,الختم في يد زملائها , محلات الملابس ,... تماشوا مع أحدث صيحة .
طوفان اجتاح كل ما حولها , حتى أذيع الخبر بتغيير علم البلاد لمثلثات ببضاء وبنفسجية .

أثناء عودتها من العمل كانت إحدى السيارات المدهونة بالألوان الرسمية جاءت مسرعة , فاضطرت للصعود بسرعة على الرصيف , فاصطدمت بدون قصد بالحائط , انغرزت رأس مثلث أبيض في ذراعها فأدمى.

(مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية 12 يوليو2010م)