و هنا ايضاً اغتيلت الشمس

 

قصة بقلم مامند محمد قادر

يجلس مقرفصاً على ضفة المستنقع ململماً اطراف دشداشته الرصاصية على ركبتيه محدّقاً في المياه الجارية التي تمسها اشعة الشمس الغاربة كأجنحة السنونو لتلوّنها بلون فضي محمر , و هي تطفو عليها حاويات بلاستيكية مكسورة , قطع اخشاب لا فائدة منها , و علب صدأة جرفتها المياه من احياء اخرى . يحتضن المنطقة بأكملها سكون هاديء مريح يتخلله بين حين و آخر نقيق الضفادع المختبئة بين سيقان القصب الأخضر على امتداد ضفتي المجرى , تاركاً وراءه حطاماً من غابة نخيل مبتورة و أنقاض منازل مهدمة يبرز بينها كوخين او ثلاثة . يرسل بنظراته عبر نافذة الذاكرة الى زمن يتجسد في مخيلته بكل ما يعيشه ممن كانوا جزءً من وجوده , فتيات يركضن بثيابهن الحمراء او الزرقاء الداكنة , يختبئن في حفر و بين جذوع اشجار و يظهرن بعد وهلة و فجأة بصيحاتهن و قهقهاتهن المطمئنة في لعبة موروثة , اطفال يعبثون بركام زوارق قديمة تحت حر الشمس , نسوة ملفوفة في الأسود منهمكات في جمع الملح من برك قد جفت او من اوقدن النار في التنور المحلي و هنّ مستعدات لعمل الرغيف و اخريات يقمن بحلب الجاموس , رجال على زوارقهم الرفيعة المستطيلة يلقون بشباكهم في المساحات المائية الساكنة لصيد السمك , هلهلة آنسات وضعن الحناء على ايديهن يوم العرس , و شيوخ بلحاهم البيضاء و دشادشهم ذات قماش سميك يعدّون الدقائق الأخيرة قبل ألأذان . يهب نسيم المساء الحزين و يحمل معه أنفاس و رائحة الاهوار و جذوع اشجار النخيل المنقعة في الماء و القصب الريان ليمرّ كيوم اختفى بين قامات الايام .تسير صور الاسراب المتموجة للوز البري المهاجر على المياه و المحلقة في اعالي السماء و تثير اصواتها الحرة عاطفته الجريحة ليذرف دموعه في هدوء , آه لكم يشبه هذا المساء مساءً ابيد فيه و في غمضة عين سكان الهور !

  1. احمد هلال

    قصة بسيطة ، جميلة ، سرعان ماتنتهى.



اترك تعليق