قصص قصيرة



بقلم: السيد نجم




إغماءة


مشلولا أمام شاشة التلفاز تمضى به الدقائق والساعات...
يحرص على مشاهدة كل البرامج والنشرات الإخبارية, العربية منها والأجنبية, بينما لا يجيد أية لغة أخرى غير العربية.
دهشا يتمتم لرأسه: ما أرى؟ ماذا أسمع؟
انتبه فيما يرى ويسمع.. "إن ما أسمعه وأراه هنا, غير ذاك الذي أراه وأسمعه هناك؟!"
بالخبرة وحنكة المشاهدة المستمرة التي يمارسها عمدا, من الصور المتتالية التي يتابعها.. والأرقام الإفرنجية التي يحفظها, انكشفت له حقيقة, يتمنى لو يختبرها.
أضاف عادة جديدة..
أن يتصفح الجريدة قبل النوم, هاله أن قرأ أخبارا أخرى, وأرقاما غير التي رآها وسمعها!
فيغلبه الإجهاد, ينام فيما يشبه الإغماءة.
..................

أهــــــلا

استقبله مصافحا ومحييا...
قبل أن يجالسه, أسرع إلى المطبخ, ووضع براد الشاي على شعلة النار..
سرعان ما انشغلا معا في مشاهدة برنامج المصارعة المثير على شاشة التلفاز الذي جمع بينهما..
الرجل تذكر براد الشاي, أسرع إلى المطبخ, وصب الشاي المغلي في كوبين, وقد تعلق بأذنيه, يتابع مصرع أحد المتصارعين على الشاشة..
كانت أوراق الشاي الأسود, تتصارع, داخل الكوبين تعلو وتهبط, بانت على الرغم من عتمة الكوبين..
انقضت الثواني والدقائق, لا يدرى أحدهما كم من الوقت انقضى؟.. برد الشاي, انتهى برنامج المصارعة, فلما اكتشفا أن كليهما لم يبين له: من انتصر من المتصارعين؟.. نظرا إلى بعضهما البعض, وانتبه المضيف إلى ضيفه محييا:
"أهــــلا"



ذبيحـــة


صاح الرجال وكبروا وهللوا, ثم علقوا الذبيحة من عرقوبيها في الشوكة الحديدية المدلاة من سقف عنبر الذبيح في المجزر.
قدم الطبيب البيطري بردائه الأبيض المرشوق ببقع الدم الأحمر, وملء كفيه قبضة سكين حادة النصل.. وملء عينية خبرة سنوات العمل في فحص اللحوم.
سرعان ما بان له الغش والتدليس, ونضحت بشائر جريمة بشعة!
تأكد أنهم "قشروا" الذبيحة من الداخل, رفعوا الأجزاء المصابة في أحشائها.
التصقت ألأسرة التي تتكافل معا في ذبيحة يذبحونها أسبوعيا, يبعون لحمها ويقتاتون خبزا.
ابتسمت "الأم" بسمعة شمعية, بشعة لأنها تعنى أنها تتأهب لأمر آخر! والا لماذا ضمت ولدها الصغير, الذي تعلق بناظريه نحو الطبيب في صمت بليد.
لم يكتفي الأب بالبسمة البشعة, فضل الثرثرة.. تحدث في موضوعات شتى: "الدنيا ولعت", "الجاموسة سعرها بقى بالشيء الفلاني", "كل سنة وأنت طيب يا باشا"!!
فضلت الأم أن تتحسس موضع العقد والأساور التي كانت وخلت.. وبيدها الأخرى قبضت على صدر ولدها بشدة, وان آلمت الصغير, لم يشأ أن يرفعها عن صدره.
لفترة ادعى الطبيب الانهماك في عمله, كأنه لم يقرر سلفا ما نطق به:
"الذبيحة إعدام.. مصابة بسل عام"
اندفع الطفل يعدو خارج العنبر..
نحيب ولولة الأم ونواحها غلب ضجيج أية أصوات في العنبر..
كف الأب النطق, اكتفى الرجل بنظرة ما, وقد تعلق بالشوكة المدلاة من سقف العنبر, تعلق بكلتا ذراعيه.. فاغرا فاه!
.....................