عكاز وهلال




 dina saleem

بقلم: دينا سليم


كاتبه وروائية فلسطينية تقيم في استراليا

جبينه العالي المنتفض برز بين البياض والبياض، سيماء وجهه تغيّرت وتبدل عنقه الممتليء ليصبح كتلة من عظام منسية، عقله يأبى السكوت، كمون ما يظهر بين الزمان والزمان على صفحة عينيه الذابلتين، لن يسمح بعد الآن للعنكبوت أن يتدلى بخيوطه فيركن فوق كتفيه الهزيلين، وقوامه المنحني وجسده المترهل، هو الوحيد الذي يستطيع أن يقرّر وينفض الأشياء عن سنين طويلة مضت، سئم الانتظار داخل معبد الماضي يغرقه هيولي الأحلام بعودتها، إحساس غريب ما يخزه، يتقلب من مكانه يبحث عن نفسه وعنها، لكنه لا يجد شيئا.
ستعود أم لا ؟.... هذا ما تبقى من السؤال....
- وهل يعود الميتين؟ أخيرا سأل نفسه.

هو الوحيد الذي يستطيع أن يفسر كارثة الأشياء، هو الناطق باسم حريته وإطلاق سراحه من مدفن كئيب، ضاعت منه الذكريات، حتى أنه لم يتذكر وجهة بيته الصغير كي يلتجيء اليه، ذلك البيت الواقع في آخر الشارع لطريق طويل مسدود، القابع في حيّ فقير، لا يدخله سوى الساكنون القدماء، دائما غرباء هم، أمضى حياته كلها في انتظار عودتها، ولم تعد!

- للوفاء حدود، وها أنا أمضي إلى اللاحدود! قال.

اضطجعت داخل صدره لآخر مرة، كانا عاريين، لا يذكر كيف أصبحا عاريين، هي تداعب وجهه الباكي بينما هو يداعب ابتسامتها التي ماتت رويدا رويدا بين أنامله، رائحتها لا تزال عالقة فيها، جسده يحمل أنفاسها الأخيرة وصدره يكابد على حمل عبء أمانتها ووفاءها له طوال حياتهما المشتركة معا، نزفت حتى امتلأ جسده بالأحمر القاتم، داعب دمها كالمجنون، فهو سبب مقتلها، هو الآثم المتهم الخائن الأبله، المعتوه، هكذا اتهم نفسه، هل هي كارثة الحرب، أم سقوط مجرة، أم فيضان، أو حادثة سير، أم ماذا!
سخرت منه بواقي عقله، وأقلقه الندم على وجه جميل ضاع منه، وعلى وجهه الذي اعتبره مؤجلا، بكى على ذراعين ماتتا على ذراعه، وسمعها تناشده حيث أقلقت منامه:
- هذا وداعي الأخير لكَ، أترك فيكَ مني بعض الوجود، إياك والموت!
واتفقا على أن يكون كل إلى بعضه... والزمان ما يزال يرسل بعض أسئلته!

وبعد سنوات طويلة وفي ساعة غروب ليوم مجهول قرر الخروج من مخدعه، يهرب قبل عودتها كي لا تطلق النار على هجرته وتردي صوته الممنوع من الصراخ على بقايا الحجر، أصبحت حجارة المكان باهتة، التبس عليه الزمان، خرج منه الى الشمس التي أفتقدها وهو مسجون في قبو الحياة ينتظر زيارتها اليومية، لكنه اليوم بالذات اكتفى من لغة الصمت، فلغة المدفن أفعمت حواسه وأقعت خطواته، أتفق مع نفسه، وقبل أن يغزوه نعاس الكون فيخسر باقي ما تيسر له من حياة، وقبل أن يحل القمر في دائرة النور، قرّر أن يخرج... فخرج!

عكاز قديم تركه صاحبه في حضن شجرة خضراء، وارفة أغصانها، قابع في ظلها صامت، - هو عكاز الزمن المؤثّث بالضياع! قال في سرّه.

يتوقف كثيرا أمام الشجرة يتأمل المشهد، تهتز بعض أغصانها فيسمع حفيفا خاله خطواتها، فهو أول العالمين بهذا الصوت، ظهرت في ذات الرداء الذي دفنت فيه، حافية تدنو منه بهدوء الملائكة، تمدّ يديها اليه تناشده العودة معها، يتمنع ويستنكف، وحالا تختفي مستاءة.

- ربما تكون شجرة الأبدية! قال وهو يعاود خطاه البطيئة الى لا شيء الطريق.

يعود مجددا بعد طول تيه، يقف واهنا يتأمل الشجرة والعكاز، يبحث عنها مجددا بعد أن داهمه الندم، أرادها أن تلحق به وتأتي مزهوة الى العالم، لم تظهر، أخذ العكاز وعاود طريقه بوجه مرتاب الى طريق حيث لا طريق هناك، ابتسم للعابرين، ولم يكن هناك أي عابر.

احتضن الهلال نجمة تتلألأ في السماء، وبقي صامدا يتأمله صامتا، ثم تدرج بالعكاز نحو طريق ما، والهلال المضيء في البعيد يتابعه متجليا.
- هل أنتِ هناك يا نجمتي، سآتي اليكِ، هل آتي مع أو بدون هذا العكاز؟
سأل نجمته التي جلست في حضن الهلال، ظهر الاثنان وكأنهما يشكوان البعاد، بقيا متحابين مثلهما، يتغزلان، يلهثان كل إلى بعضه وعبر المدى.
- من أجمل منك يا (أنيسة) هل استبدلتِ مجرتكِ فسكنت الهلال أخيرا؟
وكيف آتي وأنا السائر على ثلاثة أقدام، ألا تأتي فتأخذيني اليكِ؟

لم يصله الجواب، ومجددا بدأ يرسل بعض أسئلته، وعلق الجواب.

تأمل السماء التي امتلأت بالنجوم، ضاعت حبيبته بين الكواكب فأصبح صعب عليه العثور عليها، ربما باتت هذه المرة في حضن نجمة أخرى جميلة متعاقبة لتجلس في حضن الهلال، هكذا أحبت خليلته أن تبقى دائما، في حضنه كل ليلة.

تعكز وتمسك جيدا بعكاز مجهول صاحبه، لقد أتعبه الطريق وهو يصرخ عميقا إلى نفسه، ضاع صوته وهو يسجل في ذاكرته أن مشهد الهلال والنجمة يشبهانه وزوجه الراحلة، لكنه هو الآن وحيدا وعاجلا ستنزل تلك النجمة من حضن حبيبها، فيفترقان لسنوات طويلة ثم يعودان فيلتقيان مجددا، لكن، متى سيلتقي هو بزوجه مجددا! عذبه السؤال!

ترجّل عائدا حتى عمق الشجرة، بحث عنها هناك ولم يجدها، التقط الأصوات وحتى أخفضها، لم تصل بخطواتها، تربّع بهيكله مكان العكاز، انتابته سورات ألم الفراق، بكى أدمعا بللت وجنتيه، مسحها بذراعه العارية من اللحم ثم نهض بسرعة، وضع العكاز مكانه وأخذ يتأمله وبفكرة ناضجة كَلمهُ:

- أو أرحل إليكَ فأسجل للتاريخ أن قبرك يشبه قبري، أو أدعك وحيدا هنا وأهرب إلى لقاء نفسي وقبل فوات الأوان!

عاد بروحه الجدباء من حيث أتى، الى مقبرة موحشة جدرانها تتدلى منها خيوط العنكبوت، باهتة، معتمة، دخل حيث عظامها، كانت ما تزال معقودة الذراعين، تمدد في مكانه، بجانبها، عقد ذراعية مجددا، وعاد الى الموت اليقين.