ظل الوردة

 

بشير ونيسي

دار ثقافة الوادي – الجزائر
 
1. سر الوجود
قال المريد للحلاج في يوم يشبه البعث:
– ما سرُّ الحضرة؟
– أن تعرف…
– وإذا عرفت؟
– أن تحب…
– وإذا أحببت؟
– الوقت يجعل المعرفة نورًا والحب جنة.
– عرفت الآن يا شيخ معنى الوجود والشهود والخلود.

*

2. الحب
قال الملحد لجلال الدين الرومي في يوم يشبه الحشر:
– أنا أحب.
– إذن أنت مؤمن. لكن قل لي كيف ذقت الحب؟
– أحسست بشوكة في قلبي وألم، به أعلو، أشهى من النور.
– بالحب تعرفه وبالمعرفة تحبه.

*

3. كيمياء السعادة
قال السهروردي لمريده وهو يعلمه كيمياء السعادة:
– حينما تحب وتعرف يغمرك الإشراق ويصير جسدك هياكل للنور.
سكت المريد برهة كأنه هدهد على طوفان طير مبلل الجناح يسقط على برج خال، الحال قبض والمقام حيرة:
– جسدي في قلب الليل قمر انشق.
– جسدك لم يكن شيئًا قبل النور.

*

4. الغائب الشاهد
قال الطفل لأمه في ليلة ممطرة:
– أبي مات. إلى أين ذهب؟
– إلى الله.
– أين الله؟
– في السماء وعرشه على الماء.
– والأرض؟
– تركها للشيطان والإنسان.
– هل أبي شيطان أو إنسان؟
– أبوك إنسان مهاجر إلى الله والشيطان هارب من الله.
– أين الشيطان؟
– في كل مكان يرانا ولا نراه.
– أمي حين أكبر سوف أقتل الشيطان وأحرر الإنسان وأعيد النور لوجه أبي الغائب.

*

5. ظل الوردة
قالت النحلة للوردة ذات يوم ربيعي والوجود مولع بالعدم:
– رحيقك هذا الموسم، لم أجد فيه عبق الوجود.
قالت الوردة وهي ترتعش من حفيف النسيم:
– وما عبق الوجود؟
– عبق الوجود هو إرادة الحياة التي تحرك صمت الجسد.
– وجودي تلاشى حين فقدت جسدي.

*

6. عرش الوردة
قالت الفراشة للوردة في يوم يشبه الشغف والوجود طوق حمامة:
– بيني وبينك يا وردة حب يشبه الصلاة. حين أزورك أرى وجهي الغائب وأقبض على جسدي البعيد وأعرف كل شيء.
قالت الوردة وعلى خدها رذاذة سراب:
– لم يبق من وجودي عبق ولا لون، والريح تعبث بشكلي كلما أردت أن أكون.

*

7. فناء
سأل المريد الحلاج قبل اعدامه، والوقت حال لا مقام:
– ما سر أنت أنا في كل حال؟
رد الحلاج وكلامه قمر موشح بطقس الرؤيا في ليل يمحو رذاذ وقته:
– أنا أنت بلا شك والنور لا ريب فيه.
قال المريد:
– أنا لا أنا حين أنت.
قال الحلاج:
– ذلك هو الفناء في الحضرة حين أنا لا أنت.

*

8. شجن
قال السالك للجنيد في يوم يشبه الشجن:
– يا طاووس الفقراء، كيف عرفت النور؟
قال الجنيد ودمعة بيضاء على خده كالصلاة:
– عرفته بترك النار.
– وما النار؟
– الدنيا شهوة تتبعها.
– وكيف أترك الدنيا؟
– صاحب الملائكة في وحدتك يشرح صدرك بنوره.

*

9. عشق
قال العاشق لأبي يزيد البسطامي والحب عيد الوجود:
– لقد فقدت وجودي في الحب.
– لا وجود في الحب.

*

10. سوبرمان
سأل المجنون نيتشه في يوم غوى فيه النجم:
– أريد أن أكون سوبرمان.
قال نيتشه والكلام زرادشتي المقام:
– تشظى بوجودك وكن بجسدك طفلاً لا جملاً ولا أسدًا.
– وما سر العودة الأبدية؟
– بالجسد يعود كل شيء إلى فردوسه المفقود.

*

11. النور
سأل الشاب زاردشت في أيامه الأخيرة والوقت يهجره الوحي:
– ما هو النور؟
قال زاردشت والكلام يتدفق من لسانه شمسًا:
– كل شيء بالنور وفي النور ومن النور وإلى النور.
– كيف أعرف وأشكال الحال فوضى؟
– يجب أن ترى ما تجد وتجد ما لا يرى.
– وإذا رأيت؟
– انتظر لحظة التجلي لتعلو كالنجم ولا سقوط بعده.

*

12. ظل الطير
وقف الواله أمام عمر الخيام في لحظة تشبه الغواية:
– رأيت فيما يرى النائم وردة تسقط في بيت عنكبوت والدم أزرق سماوي.
قال الخيام والجسد جرح الروح:
– نار الغواية غزت قلبك فتب قبل أن تسقط عليك السماء.

*

13. النفس
قال سقراط لتلاميذه في يوم يشبه الحرية وأثينا طوفان جراد:
– هل عرف كل فرد منكم نفسه بنفسه؟
قال قائل:
– حين عرفت نفسي كشفت رغباتي وشهواتي.
وآخر قال:
– حين عرفت نفسي كشفت جوهري وأصلي ومصيري.
آخر:
– حين عرفت نفسي وضعت قوانين المنطق والفكر.
آخر:
– حين عرفت نفسي كشفت طريق السلوك وفق الطبيعة.
سكت سقراط برهة ثم قال:
– من الآن لا تخفوا عين الشمس بالغربال وبلغوا عني محبة الحكمة.

*

14. المدينة الفاضلة
تعود الطفل الجلوس وحيدًا مع نفسه أمام البحر يلعب بالرمل ويشكِّل منه مدينة فاضلة في خياله. أحيانًا بعض الشباب يحطمون مدينته بالكرة ويعتذرون له فيبكي، ثم يغير المكان بعيدًا عنهم وينشيء مدينته الفاضلة بشكل آخر. ذات يوم مرت عليه فتاة تعودت التجول على الشاطئ تعرض فتنتها لعلها تصطاد فارسها، فأعجبت بهندسته. قالت له في دهشة:
– لماذا تلعب في الرمل وحدك؟
رد الطفل ويده تصنع من الرمل وجودًا:
– أنا أحب الحياة وأريد مدينة فاضلة لا سلطان لها إلا أنا.
– آه لو كنت فارس أحلامي.



اترك تعليق