غـمـوض



قصة قصيرة بقلم أيمن مصطفى الأسمر





( 1 )

تدخل إلى مبنى فخم لا تعرف بالتحديد هويته ، بنك .. شركة طيران أو سوبر ماركت ، تقف أمام مكتب استقبال ذو واجهة زجاجية تجلس خلفه امرأة شابة ، ترفع وجهها مرحبة فتشعر على الفور أن الوجه مألوف لك ، تفشل رغم ذلك فى تذكر أى شئ عن صاحبة هذا الوجه ، تقدم لها نقودا دون أن تسألك فتسلمك تذكرتى سفر وعدة قطع من الحلوى وملف يحتوى على مجموعة أوراق ، تتأهب للانصراف فيفاجئك أنها تنهض من خلف مكتبها وتشير إليك أن تنتظر ، تخرج إليك من باب جانبى ثم تومئ إليك كى ترحل ، تسير فتسير إلى جوارك كأنه أمر معتاد سبق أن قمتما به كثيرا ، تخرجان من المبنى وتمشيان مسافة قصيرة ثم تأخذ بيدك فتصعدان سلما معدنيا يؤدى بكما إلى وسيلة مواصلات ، تفشل فى التعرف على هذه الوسيلة ، طائرة .. قطار أو حافلة ، تقودك بلطف وابتسامة ساحرة تنير وجهها نحو مقعدين وثيرين ، تجلسان وتطلب منك أن تأخذ راحتك حتى لو اقتضى الأمر أن تنام على كتفها ، كل هذا وأنت لم تنطق بكلمة واحدة منذ أن خرجتما معا .. بل منذ أن دخلت إلى المبنى ، أما عقلك فهو غير قادر على تبين حقيقة ما يحدث ، وبينما تحاول تجميع أطراف الصورة لعلك تفهم شيئا تطلب منك فجأة قطعة من الحلوى ، لا تتذكر أين وضعتها فتمد يدها إلى أحد جيوبك وتستخرج منه قطعة ، تفض غلافها فى صمت وتهم بالتهامها لكنها تتوقف فى اللحظة الأخيرة ، تقسم القطعة بأصابعها إلى نصفين شبه متساويين ، بثلاثة أصابع من يدها اليمنى تضع أحد النصفين فى فمك وتتعمد أن تلامس أصابعها شفتيك ، تبتعد أصابعها بسرعة عن شفتيك ثم تلتقط النصف الآخر وتضعه فى فمها ، تظل كما أنت على حالك عاجزا عن الكلام أو فهم حقيقة ما يحدث ، تطلب منك مرة ثانية أن تريح رأسك على كتفها فتنفذ ما تقوله دون أن يكون لديك رغبة حقيقية فى النوم ، لكنك بمجرد أن تلامس رأسك كتفها تغمض عينيك وتستسلم سريعا لنوم عميق.

( 2 )

تستيقظ من نومك .. أو يخيل إليك ذلك ، تفتح عينيك وتغلقهما عدة مرات ، تنظر حولك فتعرف أنك ترقد على سريرك فى حجرة نومك ، وأن هذه التى ترقد إلى جوارك ولم تستيقظ بعد هى زوجتك ، يستعصى عليك فهم الأمر .. أين ذهبت الشابة التى نمت على كتفها ، التى أعطتك تذكرتى سفر ، قطع من الحلوى ، وملف به أوراق لم تقرأها ، أكان كل ما عشته حلما؟ وسيلة المواصلات الغامضة التى ركبتماها سويا ، أنت على يقين أنك جلست إلى جوارها فى مقعد وثير للغاية ، تتذكر أنها أخرجت من جيبك قطعة حلوى ، ولا تشك مطلقا فى أنها وضعت بأصابعها نصف قطعة الحلوى فى فمك ، لا تزال تشعر بملمس أصابع يدها على شفتيك ، وأكيد أنك وضعت رأسك على كتفها .. وأنك نمت ، نمت على كتفها ولم تنم هنا على سريرك إلى جوار زوجتك ، لم يكن أبدا حلما بل واقعا عشته حتى لو كانت بعض تفاصيله غامضة عليك ، لكنك أيضا لا تستطيع أن تنكر أن هذه هى حجرة نومك ، وأن التى تنام إلى جوارك هى زوجتك ، وأن لك منها أولاد وبنات ، تتذكر أبناءك فتنهض فى حذر كى لا توقظها ، تخرج من حجرتك وتتجه إلى حجرة الأولاد ، تجدهم غارقون فى نوم عميق ، تخرج إلى حجرة المعيشة وتجلس ساهما ، تفكر فى الأمر فيزداد يقينك أنك كنت هناك .. معها ، لم يكن حلما فلم تصل بعد إلى الحد الذى لا يمكنك فيه أن تفرق بين الحلم والحقيقة ، لكن الأمر يظل على غموضه .. فكيف كنت هناك وأنت الآن هنا؟ تعجز عن الوصول إلى تفسير مقنع ، تستبعد فكرة انفصام الشخصية أو تعددها فأنت رغم متاعبك لم تصل إلى هذه الدرجة بعد ، أما السفر عبر الزمن سواء للماضى أو المستقبل فأنت تقطع أنه لم يتحقق حتى الآن رغم أن له أساسا علميا ، إذن كيف تفسر الأمر .. تعجز عن الإجابة وتعود إلى نقطة الصفر ، يأتيك صوت زوجتك وهى تناديك ليقطع عليك تأملاتك ، تقوم إليها وأنت تحاول أن تبعد الأمر عن دائرة اهتمامك ولو إلى حين.