وَمضْ

 

قصة قصيرة يقلم أحمد الخميسي

أمطرتْ في تلك الليلة خلال عودتي إلى البيت. توقفتٌ من التعب والبرد ما أن لمحت مقهى امتد إلى الرصيف محاطا بشجيرات قصيرة مضاءة من داخلها. مشيت إليه. جلست في ركن دافيء. تصاعد البخار من قدح الشاي في الجو الغائم. سرح بصري في البيوت المقابلة. ثالث سماء تمطر عليَّ وحدي من غير رحاب. تلح زوجة أخي أن أتخذ لنفسي امرأة. لا تفهم أني أحن ليس لامرأة لكن لرحاب، بارتجافات روحها العنيفة المتقلبة ورقة شفتيها النحيفتين، بالليونة التي تلامس بها الأرض كأنها قطة تتنقل على وسائد أقدامها، بانهياراتها تبكي بين ذراعي، بسرور عينيها في فورة الأسى الخفيف. كانت كل شيء، برحيلها صار كل شيء أنها ليست هنا.

أفقتُ على الجرسون يرفع الكوب الفارغ من أمامي. نهضتُ ببطء. دسست يدي في جيبي أفتش عن نقود. لمحت بركن عيني شابة تهرول على الرصيف المقابل بوشاح مرفوع على رأسها. ما أن تطلعت إليها حتى توقفت في مكانها. أحنتْ رأسها قليلا. استدارت ناحيتي ببطء. رمتني من بعيد بنظرة قاسية شوهت ملامحها. وحتى في الغيم والمطر تعرفتُ إلى الوجه البرونزي الذي فتحت عيني وأغلقتهما عليه للأبد، إلى الشعر القصير على جانبي الوجه، نظرة الكبرياء تداري مرارة الوحدة. حدقت بها مبهوتا عبر خيوط رذاذ خفيف. لم تطوح الريح مسار نظرتها إليَّ ولا لهفتي وذهولي. زحفتْ بطرف قدمها تحك حافة الرصيف ببطء حتى بلغتْ الأرض ثم راحت تسحبها بتردد. اعتدلت واندفعت للأمام وهي تتفادى برك المياه الصغيرة.

هرولت في أعقابها. سبقتني وانعطفت بسرعة إلى شارع جانبي. بلغت رأس الشارع بأنفاس مخطوفة. وقفتُ أرهف السمع. لا دبة قدم ولا صدى خطوة. حدجت في مداخل البيوت بأنوارها الضعيفة. أرسلت بصري إلى الظلال والسكون في آخر الشارع. لا شيء سوى رجفة أوراق الشجر من الريح. حدقت، ومن طول ما حدقت صرت لا أرى إن كانت رحاب هناك أم أنها توارت من زمن؟. نسمة دارت حولي تفوح بالياسمين الذي كان يسبق رحاب وهي مقبلة كما تمهد النغمة لدخول اللحن الكبير. ملأت صدري بها. ضغطت عطرها مرة واثنتين في رئتي فجاش الحنان الذي طالما بادر لانتشالها من انفعالاتها فإذا هوى في لهيبها عجل في أعقابه حنان إثر حنان صفا لا يتوقف من عشق يفتديها. توارت رحاب ومن كثرة ما طلبها دمي جٌن قلبي ولم يلق سوى ليل فرجع إلى الظلمة بدون قمر، يمشي في ليلها الشاسع، يرف في وحشة بين مليارات النجوم، يحدق بشررها، ويرى التوقد الأخير للروح.

***

استرعت رحاب انتباهي من أول مرة رأيتها بوقفتها المرتبكة في انتظاري وتلفتها القلق. كانت ترتدي بنطلون بنيا محبوكا وبلوزة سماوية مفتوحة عند صدرها، تدلت من ذراعها حقيبة جلدية كبيرة قلما تحملها الفتيات. أنيقة على نحو يترك انطباعا بأنها أكثر تحررا من أن تقيد بمفاهيم سائدة عن المرأة والأناقة. تصافحنا واتجهنا إلي كافيه “ريش”. كان عدد الحضور قليلا على المناضد من حولنا. سألتها إن كانت تود أن تتناول عشاء خفيفا فرفضت مكتفية بالشاي مع قطعة ليمون وطلبت أنا فنجان قهوة. في البداية كان في عينيها نظرة ترتج بين الفرح والقلق وعندما هدأت لاحظت أن صوتها مستقيم دقيق ينبر بأفكارها دون ليونة وأن نظرتها لا تميع. تحدثت باستفاضة عن عملها في الصحافة. أشارت بكلمات كضربات ريشة سريعة إلى حياتها وإلى أنها مرت بأزمة صحية عنيفة وتجاوزتها. عندما بدا أنها قالت كل ما لديها سألتني “أنت كيف تعيش؟ كيف تقضي وقت فراغك؟ ما الذي يشغلك الآن؟”. قلت لها “أبحث عن حلة كهربائية تطهو الأرز وتضبطه وحدها وفي ساعات الفراغ أقوم بالتدريس في الجامعة”. ضحكت غير مصدقة “حلة أرز؟! أية حلة؟! أليس لديك من يطهو لك؟”. قلت “لا”. انزلقنا بيسر إلى مشكلات المواصلات وطبائع الأصدقاء وذكريات الصبا ثم الوحدة فالتجارب العاطفية. قلت لها إنني عشت طفولة فقيرة حتى أنني كنت ألصق إذني بجدار سينما أستمع إلى الأفلام. قالت إنها هي الأخرى كانت محرومة من الحنان وأن والدها توفى مبكرا لكنه يعيش معها طوال الوقت تستشيره في كل أمورها وتقف في ذكراه السنوية في الشرفة تخاطب السماء يا أبي هذي أنا ابنتك رحاب، أذكرك وسوف أذكرك، واعلم أنني مصممة على أن أعبر إليك أينما كنت.

شعرت وأنا أنصت إليها بقلبي يفتح عينيه على مياه زرقاء على خيالات أحلام غرقى وأنوار أقمار متكسرة. توقفت لحظة عند باب المقهى حينما خرجنا. فركت سيجارتي بطرف حذائي فسبقتني بخطوة. جلت بعيني فيما حولي قبل أن ألحق بها. بدا العالم مختلفا. كأن أحدا سكب نورا على الشوارع والأسفلت والعابرين وحتى على الهواء. سرت إلى جوارها بحذر عجيب. خفت إن أنا لمستها سهوا أو هف عليها ضوء أو هبط ظل أن تتلاشى من أمامي. أردت طوال الوقت أن أضع يدي على كتفها لأمسك بها معي هنا على الأرض.

تحدثنا والتقينا بعد تلك الأمسية في أماكن كثيرة مختلفة. كنا في مطعم سمك نتغدى. تلامست كتفانا وأنا أناولها الخبز المحمص. انبعثت بيننا حرارة في موضع التماس. خيل إليَّ أن كل ما حولنا في المطعم من إضاءة وبشر وأصوات زخارف فرحتنا. مدت يدها إلى قائمة الطعام المغلفة بالجلد. فتحتها ثم ألقت بها جانبا. قالت “أحيانا لا أصدق أنك الشخص الذي التقيته في المرة الأولى”. “كيف؟”. قالت “تندفع علاقتنا للأمام بجنون حتى أني بعض الأوقات أتصور أنك محض خيال”. قلت لها “الخيال واقع لكن من نوع مختلف”. راحت تتأملني طويلا. سألت “هل تستطيع احتمال امرأة عصبية مثلي؟”. رأيت في عينيها دخان عذاب قديم. أردت أن أضمها إلى صدري، أربت على كتفها طويلا. قلت “أحتملك فقط للأبد”. لاحت بسمة واهنة على شفتيها “لكني إذا شعرت بنفسي وحيدة أهيم على وجهي أي وقت، أبكي في الليل أو النهار؟”. قلت “كانت في حياتي نساء قبل أن أجدك. عندما رأيتك أدركت أني أحببت كل واحدة منهن نصف محبة، غير أنصاف المحبات المختلفة السابقة، الآن يمشي قلبي كله، بكل محباته، إليك. وتقولين هل تحتمل؟ كأنما تسألين هل أحتمل السعادة؟”. مدت يدها. أمسكت بيدي للمرة الأولى. أجرت الدم من أصبعها بوخزة دبوس وفعلت المثل بأصبعي ثم سحبته وألصقت الأصبعين في موضع النزف كما يفعل الصغار قائلة “من هذه اللحظة أنا امرأتك وأنت رجلي. للأبد. عهد”. لمعت عيناها ولفح وجهي تنهدها الساخن “عهد”.

***

قاربت الساعة العاشرة وأنا أفتح باب الشقة. صمت وأتربة متراكمة ومظاهر فوضى الحياة بدون امرأة. تذكرت المقال الذي طالبني به د. صفوت لمجلة العلوم. دخلت حجرة مكتبي لأتصفح أوراق مشروع كتاب لأقتطف منها ما يصلح للمجلة. ثمة باب كامل عن أن المادة والطاقة صورتان لشيء واحد وأن المادة تتحول إلى طاقة موجية كالضوء والعكس. كانت هناك محاور أخرى شيقة. لم تكن لديَّ رغبة في الكتابة. أغلقت الملف على المسودات. أعدته إلى مكانه. كانت رحاب المغنطيس الذي تندفع إليه كل أعمالي الكبيرة والصغيرة. لم يكن يفلت من مجالها شيء. إذا اشتريت قميصا أفكر هل سيعجبها أم لا؟ إن ألقيت محاضرة أسأل هل ستمتدحني؟ حتى الأشياء التي كنت موقنا أنها ستغضبها كنت أقوم بها سعيدا لأن رحاب معي “ستغضب”. كأنما ليس لحياتي وجود إن لم يظهر في مراياها. أخذت أنظر إلى صورتها على المكتب. كانت رحاب قد رأت الصورة في حجرة مكتبي عندما زارتني للمرة الأولى. أمسكتها من يدها أريها الشقة. دُهشت “معقول!”. ثبتت عينيها عليَّ بحنان كأنما تكتشف شيئا لم تكن تثق في وجوده. لم أقل لها إنني حين أجلس لأعمل أرفع عيني من وقت لآخر إلى الصورة. أرى كل مرة في وجهها تعبيرا يلفحني مرة بحزن، مرة بأمل، مرة بغموض، كأني أرمي أحجار تنجيم صغيرة، فأقرأ في نفس الأحجار كل مرة مصيرا مختلفا. تجولتْ في الشقة حتى اكتفت. قالت “جميلة فعلا”. ضحكت. كانت نظرة العذاب القديم تتبدد من عينيها وهي تضحك ويخرج صوتها كفاكهة صلبة تنز حلاوتها.

في الصالة كان ثمة أريكة وكرسيان ضخمان حولها. في مواجهتها أريكة أصغر. اختارت أن تجلس على كرسي منفردة. سألتها “أترغبين في كأس عصير؟”. قالت “ممكن قهوة”. نهضتْ واتجهتْ للمطبخ اختارت كنكة وراحت تعد القهوة بنفسها. جلست. لم تأكل أو تشرب سوى قدح مياه معدنية بعد أن اطمأنت إلى أن الزجاجة لم تكن مفتوحة. فردت ساقيها أمامها وأخذت تخبط قدميها ببعضهما “سأقول لك شيئا. لقد تعرفت إلى الكثيرين من قبل وتصورت أنهم يحملون المعاني الجميلة التي أشعر بها معك واكتشفت أن كل المعاني عندهم تقود إلى السرير”. ربعت ذراعيها ناظرة إليَّ بتحد “هذا شيء أرفضه تماما”. حلت علىَّ دهشة ممزوجة بمرارة. هتفت بها “أيعقل أنك لا تشعرين بأن ما في نفسي أعمق مما تتحدثين عنه؟ حين تكون المرأة كومة لحم يكون الرجل أيضا كومة لحم”. ارتكزت بمرفقي على فخذيها “أنا أحبك. والإنسان لا يفرط في قبة سماء عالية لأجل حفنة تراب وحصى”. دسست رأسي في حجرها كأنما أود لو تلدني الآن. هدأ صوتها هابطا إليَّ “أقول لك هذا لأني لا أريد أن أفقدك. قلبي يطير إليك طوال الوقت وأراه يحترق نحوك ولا أقوى على دفع اللهب عنه”. انهلت على عنقها وكتفيها بقبلاتي “لقد حافظت على حلمي بك كأني طيلة عمري كنت أخفي سرا، حتى حانت اللحظة لأفشي السر”. بكت. أمسكت وجهي بين يديها تقبلني. نهضت بحزم. قالت “بم سينتهي هذا الكلام؟ لابد أن نخرج من هنا. دعنا نذهب إلى أي مكان”. جذبتني من يدي تشدني لأنهض. في الطريق وضعت ذراعي في ذراع رحاب. للمرة الأولى لم تمانع. جبنا محلات وسط البلد. كانت تبحث عن هدية لصديقة في لندن. ظللنا نلف حتى انتهت إلى محل هدايا فرعونية. دخلت. أخذت تقلب الهدايا من دون أن تستشيرني. أخيرا استقرت بين يديها صينية من النحاس منقوشة بالفضة راحت تتمعن فيها طويلا. حدجت في جانب وجهها البرونزي الصغير. نحن لا نجد سببا أو تفسيرا للعشق، كما لا نجد تفسيرا لهبوط شعاع برق على إنسان بعينه دون الآخرين في زمان ومكان محددين. التقيت من قبل بكثيرات جميلات لكن الشرارة لم تندلع، على العكس كانت تتوارى في العمق كأنما تخشى على صفاء لهبها أن يشوبه إعتام. الآن مع رحاب أجدني مضطربا مرتبكا مشتعلا حائرا ملهوفا ولم يسبق أن شملتني هذه الحال.

قصدت حجرة النوم. تقلبت طويلا إلى أن نمت بصعوبة. رأيت في منامي رحاب تنسل من بقعة معتمة تتقدم نحوي. تتعرى أو أنها كانت عارية. تشدني بقبضتيها الاثنتين من أطراف قميصي. تنظر إليَّ بجنون متوسلة متألمة بدون كلام. ترقد على الأرض تجذبني إليها بوجه متشنج. أنحني عليها. تغمض عينيها وتفر برأسها يمينا ويسارا. أمعنت النظر إليها. أدركت أنه ليس ألم الرغبة والحب، بل نوع آخر من ألم عميق مكتوم. تفطر قلبي عطفا. أفقت من نومي والحلم في جفوني.

قمت من سريري. وضعت رأسي تحت صنبور المياه. تطلعت إلى وجهي في مرآة الحمام. رحاب مقيمة في ذاكرتي تقتات بأعصابي. تأكل، تشرب، تخلع ملابسها، تنام، تصحو، تترك سريرها دون ترتيب. تعد قهوتها. تستدير بعنقها إليَّ مبتسمة. إما أن أنزع خيالاتها من نفسي لأحيا حياتي، أو تغدو أيامي مسرحا تعيش عليه أطياف ضحكاتها. كأني معها في بحر، نحاول إبقاء رأسينا فوق الماء لكي لا نغرق، تؤرجحنا المياه. أصابعنا متشابكة تحت الشمس. يغمر الموج عيوننا وينحسر. نحدق خطفا. يعلو الموج بحياة واحدة لشخصين ويهبط بحياة واحدة لشخصين.

غلبني النعاس. قرب الفجر شعرت بومضة لون برتقالية تجري على جفني رافقها صوت يتفلت من روح أطبق عليها الصخر. رفعت رأسي من على الوسادة. شاهدت الومضة خطفا على الجدار. أخذت أقلب عيني في العتمة. لاحق بصري ذيول ظلال هاربة على النافذة. ما الذي يحدث لي؟. قمت أضأت نور الحجرة. لا شيء. هلوسة الوحدة والشوق للمستحيل.

رقدت على الأريكة في الصالة لأستريح قليلا. غطيت عيني بساعدي. غفوت وأنا أحلم أني مستيقظ أفكر في يقظتي في تلك الومضة البرتقالية. إن كانت روحا فلم لا تبين؟ إن كانت رسالة من عالم آخر فلم لا تتضح؟ أم أن الخرف قد ضرب عقلي؟

***

ذهبت إلى عملي في الصباح. في المساء قصدت عيادة الطبيب في وسط البلد. فحصني باهتمام. أحنى رأسه يكتب الدواء قائلا “أنت تطحن ضروسك بقوة أثناء النوم. تقلق منامك بنفسك فيخيل إليك كل ذلك”. لم أكن واثقا من التشخيص لكني عرجت على صيدلية واشتريت الدواء. في الطريق مررت بمحل الهدايا الذي توقفت عنده رحاب ذات يوم. دخلته. ظللت واقفا متظاهرا بأني أتفرج بالمعروضات وأنا أستصفي وجه رحاب من أجوائه. خرجت.

بعد أسبوع من وجودنا في ذلك المحل سافرت رحاب إلى لندن في مهمة صحفية. لم تنقطع رسائل المحمول بيننا ساعة. كتبت لها “كل من يراك الآن في لندن يتصور أنك وحدك. لكنك تعلمين أنني أقف بالقرب منك. وراءك بخطوة، أو بجوارك، أو أتقدمك قليلا. لا يراني أحد لكنك تعرفين أنني بجوارك؟”. كتبت هي “أكاد لا أصدق كل هذا الحب؟!”. عادت من لندن وعانقتني بقوة في المطار وقدمت لي حزاما جلديا وزجاجة كولونيا. التقينا بعد ذلك كثيرا. زارتني عدة مرات. في إحدى المرات تمددت أمامي على الأريكة في الصالة. رأسها على المسند قدماها أمامي. وضعت وسادة صغيرة تحت رأسها. راحت تتطلع إليَّ بكسل شارد أثناء حديثنا. وقفت تتأمل بعض الكتب التي كنت اشتريتها خلال سفرها. عرضت عليها أن تأخذ منها ما تريد. رفضت ضاحكة. قالت “دعنا نغير المكان”. اتجهنا إلى مائدة الطعام. جلسنا متقابلين نثرثر. وفي لحظة تطلع كل منا للآخر. تفجر الحب الذي يجري بنار مكتومة. تجمدت نظراتنا مشحونة بالتوتر تستفسر إن كان الوقت قد حان. نظرات تذوب وتتماسك وتتمنى وتقاوم. أمسكت يدها. قبلت أصابعها. شعرت أني أدخل جنة بعد جنة من كل أصبع. اشتعلنا مرة واحدة. تلاشى كل ما حولنا. لم يبق سوى كتلة من نار تدور في نور. كل النجوم والمجرات مضيئة بداخلنا. لم تكن متعة البدن اللاهبة هي التي غيبتنا عن الوعي، بل شعور مذهل بالروح تمزق الروح لتسكنها. تشقق الذكريات مندفعة إلى ذكريات. تفتت المواجع تجري إلى شبيهاتها. تكسر الأماني تتحد بأماني. اندفاق الأمل يتوحش ليلقى الأمل في الروح الأخرى.

ظللنا راقدين على ظهرينا فترة نتطلع إلى سقف الحجرة صامتين، كخارجين من حريق يتفقدان ما تركه الحريق، نخمد ما تناثر فيه من بؤر لهب. نستجمع بإدراك متطاير قسماتنا الأرضية التي ستعرفنا الدنيا بها ونحن راجعين إليها. أخيرا مالت رحاب على جنبها. وضعت رأسها على كتفي. نامت وفمها مفتوح قليلا ويداها بين ركبتيها. مكثت ساكنا لا أتحرك لئلا أوقظها أتأمل وجهها البرونزي الصغير. كان على شفتها العليا نقطة عرق صغيرة علامة وحيدة على أنها من لحم ودم. بعد نصف الساعة أفاقت مبتسمة. اتجهت إلى الحمام. عادت. تقدمها عطر الياسمين قبل ظهورها ملفوفة بفوطة كبيرة وقد أمسكت طرفيها عند صدرها. قلت “شبعت نوما وأكلت بقلاوة مع الملائكة”. ضحكت “اليوم لم يكن عندهم سوى الفاصوليا”. اتجهنا معا إلي المطبخ. أخذت أعد فنجاني قهوة. عندما استدرت نحوها ويدي ممدودة إليها بفنجان القهوة وجدتها قد فردت الفوطة على كرسي بجوار المنضدة الصغيرة. جلست ووضعت ساقا على ساق. نظرت إليها مخفيا دهشتي العميقة. عارية تماما. نحيفة. دقيقة. لا مثيل لجمالها. تناولتْ الفنجان من يدي. أخذتْ ترشف القهوة وتحكي عن قصر أثري عرضة للانهيار بسبب الإهمال في شارع شامبليون. لم أكن أنصت لما تقوله، كنت مأخوذا بأن اندفاق نهديها بدفء عريها، لم ينتقص ذرة من شعورها بالكبرياء، لم يربكها. رأسها مرفوع على ساق تتأرجح في الهواء مثل زهرة في ريح. تأملتها بنوع من الأسى لا أدري سببه وأنا أوقن أني سأظل أعشق هذه الشابة الصغيرة في هذا الكون وفي كل كون آخر كيفما كانت عناصره.

***

زارني في المساء طالب يعد رسالة ماجستير. جلس على طرف كرسي بين يديه دفتر يهز رأسه بأدب إلى أن انصرف. اتصل بي رؤوف ابن أخي يطمئن عليَّ. جلست أمام التلفزيون. تمنيت لو تهبط رحاب من عالمها لحظة، أراها، وتصعد ثانية. في نومي بالليل شعرت بومضة لون برتقالية تتوهج في مكان ما بصوت كالألم المكتوم. رفعت رأسي أتتبع مسارها مثل شرخ ملون في الهواء. أخذت الومضة تتهشم إلى فتافيت نور صغيرة تنهال عليَّ بحرارة. دفنت رأسي في الوسادة وأنا أكرر لنفسي بخوف أنه لا وجود للأشباح وما أراه تهيؤات وهلوسة. لكن الومضة برقت ثانية قرب الفجر، رحت أدير رأسي وراءها في الهواء إلى أن رأيتها تتسع وتتقلص مثل فم بشري. أردت أن أصرخ فلم يخرج صوتي. فززت من السرير أتخبط بين الأبواب والجدران إلى الصالة. ضغطت على زر المصباح بيد مرتجفة. فتحت النافذة العريضة المطلة على الشارع. دفعت برأسي أعب من الهواء البارد. كان الشارع هامدا خاليا من البشر وظلال البيوت مرمية على ضوء القمر مثل حلم. ساعدني الهواء على التماسك. ثمة ظواهر لم يكتشف العلم حقيقتها. لماذا يؤمن الإنسان كما آمنت رحابْ بأن أرواح الغائبين تنصت إليه حين يخاطبها؟ وبأن المدى الذي تبلغه قدرة الروح على البقاء والتحول لانهائي؟ أتكون الومضة روحا؟ روح من؟ روح ماذا؟ أهي رحاب تذكرني؟ تصمم أن تعبر إليَّ؟ تعلم أن صوتها سيصلني؟

أغلقت النافذة. جرفني شوق أن أرى وجه رحاب أن سمع صوتها. دخلت حجرة مكتبي أفتش عن شريط مسجل عليه صوتها. بحثت في الأدراج وبين الكتب. أذكر أنني احتفظت به. ليس شريطا بل شريطان. قصدت حجرة رحاب. فتحت صوانا تكدست في قعره حقائب ملابسها، كتب عن الفن والأدب بالانجليزية والعربية، علب معدنية صغيرة مغلقة على حلي وخواتم. فتشت حتى عثرت على الشريط في علبة منها. نفضت الغبار العالق بحوافه. وضعته داخل جهاز التسجيل. أدرت الجهاز.

– ماذا تفعل؟ أتسجل كلامنا؟

– ولم لا؟ سأحتفظ بصوتك.

– صوتي؟ لم؟. أوكي. سجله. والله أنت أحمق كبير.

– أحمق لأنني أحبك؟ لأنني أود أن أحتفظ بصوتك؟

– أنا أيضا أحبك جدا. لكني أشعر أنك ستتكلم في موضوع آخر بعد دقيقة واحدة.

– لا تعرفين. أنت فقط تتذاكين.

– سنرى.

– ببساطة أردت أن أقول لك إنني سعيد بنتيجة الفحوص التي أجريتها وبأن الورم حميد. كنت قلقا (صمت) جدا. خفت أن أضيع بدونك. الآن يمكنك من جديد أن تضيقي عينيك بغطرسة باستعلاء، تضعي ساقا على ساق وتشتمي طوب الأرض. وأنا أريد أن أسجل قلة أدبك للذكرى!

– (ضحكة) يا سلام! (صمت) أنا أيضا كنت قلقة. تصورت أن يومي قد اقترب خصوصا بعد وفاة فاطمة صديقتي. شيء مرعب. لكن الحمد لله كل شيء حسب كلام الدكتور تحت السيطرة. (صوت عود ثقاب يشتعل. تنهيدة) سجلت خلاص؟ كفاية؟

– نعم. لكن التسجيل لن يحطم أرقام مبيعات شرائط الكاسيت لأنه خال من شتائمكِ!

– كيف؟ ألم أبدأ بقولي إنك أحمق كبير؟ (قهقه طويلة)

– كنت تنامين فأدخل إلى حجرتك على أطراف أصابعي أهمس في الهواء لا تخافي، نحن معا. ما من أحد يحبك مثلي. لا أحد. تعرفين ذلك؟

– ألم أقل لك إنك ستتكلم في موضوع آخر؟! تروح وتجيء وتنتهي عند غيرتك من كل من هب ودب. (صوت أنفاس متلاحقة) اطمئن تماما. أنت من أحب. أنت من أحببت. أنت من سأحبه حتى أموت. سأرحل وأنت في قلبي. لكني أتمنى أن تنشغل بعملك وتنهي الكتاب الذي بدأته. تترك كل شيء وأنت أستاذ فيزياء لتقول لي فلان كان يمشي بجوارك، فلان تكلم معك؟ فلان نظر إليك؟

– (بتردد) أنا لا أسأل بشأنك. أنا أستفسر عنه هو؟ لماذا رافقك حتى باب الخروج من العمل؟ لم كان يتودد إليكِ؟

– يا ربي! كنت متأكدة أنك ستعيد وتزيد في نفس القصة. أنت رجل مختل فعلا. ألا تلمس شعوري العميق بأننا كائن واحد؟. تحب أن أكرر لك كل يوم أنك تنفخ الحياة في روحي وبدني، وأني أعشق صبرك وقبضة يدك حين تعتصر كتفي، وأحبك حتى حين أتخيلك عندما أتأخر قليلا عن البيت تروح وتجيء في الصالة ثائرا تسأل أين هي الآن؟ وتنعتني في غضبك بكل الألفاظ البذيئة التي تحفظها أنت ولا أعرفها. أحب حتى غيرتك، حماقاتك، أحب عينيك وأذنيك وأنفك وعقلك ومشيتك ضخما مرتفعا عن الأرض قليلا كالطائر. لكن من يصدق أن عالما كبيرا مثلك طفل إلى هذه الدرجة! يا خرابي! كف عن هذا التسجيل. قم بنا دعنا نخرج نتفسح في أي مكان!

ينتهي التسجيل. لكن كان ثمة شريط آخر. ربما أخذته أختها شيرين. أو أنني من حرصي عليه خبأته في مكان لا أذكر أين. سجلته ليلة عيد ميلادها. أذكر أنها كانت تنظر إليَّ بعينين ساكنتين كأنما لا أحد في الدنيا سواي. تستعيد أبياتا من قصيدة:

يا مانـعي طيـبَ المـنام، ومانـحي

ثوبَ السقام به، ووجدي المتلف

أخـفـيـتُ حبـَكـم فأخـفـانـي أســى

حتى، لعَمري، كدتُ عني أختفي!

أيمكن لشدة العشق أن تخفي الإنسان كما يتبخر الماء بالغليان؟ أتستطيع العاطفة القوية أن تذهب إلى حد تغيير الكيان المادي؟

انتهت حفلة عيد الميلاد. انصرف الأصدقاء والأقارب. جلسنا وحدنا طويلا نتذكر أشياء كثيرة صغيرة نضحك منها، ثم أخذتنا الحماسة للمستقبل فقسمنا شهور العام المقبل في دفتر ووضعنا برنامجا لما سنفعله كل شهر. جلسنا حتى قالت مع ضوء الفجر إنها تعبت وتريد أن تنام. قلت لها انتظري دقيقة. اتجهت إلى المطبخ. رجعت بكأس من عصير البرتقال. رأيتها من ظهرها جالسة رأسها محني على سهوم كأنها نجم مكسور لا يستطيع أن يصعد إلى سمائه. وضعت يدي على كتفها برفق. همست “حتى عندما تمسين عجوزا تتحركين ببطء تسمعين نصف ما يقال سأظل أحبك”. وقفت كأنما أفاقت. دفعت وجهها وشفتيها إليَّ. رحت أقبلها وأمسد ظهرها بكفي. جرت دموعها على شفتي وهي تشهق ساخنة في حضني.

***

في الصباح اتجهت إلى الكلية بدون نوم تقريبا. في الطريق قلت لنفسي إما إن محبتي قد ضربت عقلي أو أن ومضة الفجر أمر فوق إدراكي. تعمدت أن أفتح مع زملائي في حجرة الأساتذة شتى المواضيع. يتكلمون وأنا أراجع مع نفسي على ضوء ما يقولونه صواب معارفي. تطابقت التواريخ والوقائع. لم أخطئ في شيء حتى ما يخص القضايا العلمية الدقيقة. إذا لمعت الومضة مرة أخرى فلا بد من التحقق منها. لست أخشى العالم المجهول ولا أعتقد أن ثمة ظاهرة خارج نطاق العلم.

حل المساء وأنا أتوجس الومض البرتقالي. كنت ممتلئا بالمرارة من عجزي عن فهم ما يجري. قالت لي رحاب يوما وأنا أسقيها الدواء “ما يختفي لا يفنى. سنبقى معا دائما. لا يداخلك شك في الفردوس”. أتكون الومضة دعوة إلى عالم آخر؟. شربت قدحي قهوة ثقيلين. أجبرت نفسي أن أظل مستيقظا حتى انغلقت عيناي من الإنهاك ثم شعرت بالومض البرتقالي على جفني. اعتدلت جالسا. حل علىَّ الذهول حين رأيت أمامي طيفا مجسما بلون برتقالي، بدون وجه. ترتعش أطرافه متوهجة. يسطع ويختفي منه خيطان مضيئان كذراعين. طاشت نظراتي. تيبست عضلاتي. تجمدت محدقا به. قطع الطيف الصمت بصوت مرتجف كرنين وتر “توقعت أنك ستفزع عند رؤيتي. الناس لا يتعرفون على السحابة عندما تغدو مطرا، على الشجرة عندما تصبح حريقا”. تلفت شعاعه كأنما يتطلع حوله “لم أعد أذكر. أكانت هذه حجرة نومي أم مكتبي؟. كان ذلك من زمن بعيد”. جف حلقي. لم أكن قادرا على الكلام، لا أدري إلى أين أوجه بصري. قال “سكنت هذه الشقة قبلك. هنا انقضت أجمل سنوات المحبة إلى أن رحلت المرأة التي كانت حياتها حياتي وزوالها زوالي”. تمتمت متسائلا “ما أنت؟ ما أنت؟”. استطال ضوءه كأنما يشد كتفيه لأعلى “طيف إنسان. كيف أشرح لك؟ هذا يحدث لكن أحدا لا يصدق. تشف المعادن في النار والبشر في العشق. إذا طال العشق وزادت أشواقه يشف الإنسان حتى يغدو طيفا. الكون عامر بأطياف أرواح عاشقة” بدا علىَّ الذهول فمضى قائلا “ألا تشعر أحيانا أن كائنا يرف حولك ويختفي؟ ألم تشعر بهذا ولو مرة وأنت جالس مع أصدقاء أو وحدك؟. العشق هو الذي قادني إلى هذا المكان حيث كنت أحيا معها. الآن أسير في الأجواء كسهم من نور وفي شعاعي ذرات ذكريات من حياتي معها، وفجأة أرى عينيها أمامي، تقولان لي أنا موجودة، فقط اعثر عليَّ. وتنظران إليَّ بأمل، فأهوي من السماء بحثا عن شيء منها. أتفهم هذا؟”. هززت رأسي أن نعم. داخلني شيء من الطمأنينة. شعرت أن الطيف ليس غريبا عني. لم أعد أخشاه تقريبا. أخذت أفكر فيما قاله. أيمكن للروح أن تطوف وحدها؟ منذ متى فكر الناس في ذلك “وإني لمن قوم كأن نفوسهم بها أنف أن تسكن اللحم والعظما”؟!

انكسر نوره وهو يميل ناحيتي “أريد أن أتجول في الشقة، أتنشق عطرها”. انفعل وعلا صوته فزاد توهجه صفاء “أتعلم كم من العناصر لابد أن تفور في نفس اللحظة وتجري من أرجاء الكون لتلمع بها نظرة عشق واحدة؟ إننا قد ننسى أي شيء إلا نظرة حب”. جلس على حافة السرير فظهر الغطاء مرئيا بداخله وغمغم “من صعقه برق الحب يحيا كالنور”!

سار على خيطين من ضوء كالساقين إلى باب الحجرة. نهضت. تبعته بهدوء. كان يفتح أبواب الحجرات ينظر فيها إلى أن توقف في الصالة طويلا أمام صورة رحاب “أهذه هي؟”. قلت “نعم”. قال “أكنت تعشقها حتى النهاية؟”. قلت “كنت أشعر أنها مثل شجرة فتية واحدة في هذا العالم، وأنا جالس تحتها مستند بقلبي إلى جذعها، أحدق بعينيها الشاردتين فأراني وأعرف لماذا خلقت”. ارتجف بشدة كأن الريح تعصف بضوئه. قال “أعلم. أعلم”. اتجه ناحية باب الشقة وهو يقول “دعنا نخرج إلى المدينة”. عبر من الباب من دون أن يفتحه. وضعت قدمي في فردة شبشب على عجل وخرجت وراءه بالبيجاما. تقدمني بين البيوت كقنديل منير. كانت الشوارع ساكنة مهجورة. بلغنا الميدان. رأيت المحلات مضاءة مفتوحة لكن لا أحد. الكراسي أمام المقاهي مصفوفة لكن شاغرة. السيارات ثابتة لا تتحرك. شاهدت شجرة تحتها راكية نار دخانها معلق لا يتبدد. جلس على حجر فبدا كأن على الحجر ثوبا شفافا من النور. قعدت بالقرب منه. غمغم بانفعال “من كثرة ما طلبها دمي جٌن قلبي”. قلت “أعلم كل هذا “. تطلعت إليه. وجدته يتقلص نقطة نور مبتلة كالدمعة المضيئة. بدا لي أنه يبكي متألما. قلت “لابد أن هناك وسيلة تجتاز بها الروح المسافات المجهولة إلى الروح”. لكنه لم يكن ينصت إليَّ. كان يرتجف بشدة كأنما يستنفد نفسه وطاقته في خط من الحريق اندلع وخمد أمام عيني. على الفور امتلأ بالمارة والعابرين وثارت فيه حركة وضجيج، كأنما يتهدم العالم من حولي. دار رأسي بقوة. تداخلت المرائي أمام ناظري. تلاحقت كالبرق صور وأصوات. وجه يغيم . هفيف ريح. امرأة تحت المطر. يا مانعي؟. قبل أن أغيب عن وعيي درت ببصري دورة أخيرة كأنما لأتأكد أن العالم مازال كماهو. كانت شرفات البيوت في مكانها، وواجهات المحلات. لكني لم أر رحاب . خلا المشهد منها. لم يهف عطر أنفاسها من رئتيها الصغيرتين .

***



اترك تعليق