سور النسيان

قصة قصيرة تأليف : عفاف طباله

هل قتلته بالأمس فعلاً؟! تلتبس الصور في ذهني.. أتذكر الآن.. نعم قتلته. تقدمتُ نحوه بهدوء.. وطعنته في صدره.
كيف أقتله وهو القشة التي أتعلق بها لتنتشلني من الغرق في بحر النسيان الصامت كالموت؟
انفضوا جميعا واحدًا تلو الآخر.. وبقي هو وحده.. كان يداوم على الاتصال. انتظر مكالمته بلهفة.. خصصت لرقمه رنة خاصة ..يدق قلبي لسماعها فأشعر أنني مازلت على خريطة الحياة..
لم نلتق منذ فترة.. ما يقرب من العام؟ يعتذر دائما بانشغاله في العمل.. يقول “ما أنت عارف”.. يستدعي بقوله ذكرى أيام مضت لا يكف فيها الهاتف عن الرنين، ولا وقت فيها لزيارة الأصدقاء.
يسألني عن نشاطي وكيف أقضي أيامي.. أخفي ضجري من الفراغ خلف سياج من الكبرياء.. التهمت مشاغل العمل كل الاهتمامات وتركتني خاويًا.. عاجزًا عما دونها. يحثني على كتابة مذكرات أسجل فيها خبرتي! أعرف أنه يجاملني.. لكن كلماته تدغدغ غرورًا يتيمًا.
اتصل منذ يومين ووعد بزيارتي.. لم أطلب.. هو من بادر.. لم أظهر أبدًا لهفتي على سؤاله.. دبت الحياة في عروقي.. أعددت للقاء.. سيحدثني عن أيام خالية كنتُ فيها مركز الاهتمام ..
ها هي الصور تطفو مرة أخرى على سطح الذاكرة.. أتصبب عرقًا.. أصعد السلالم متحاملاً.. أسمع دقات قلبي أقوى من ضربات خطواتي على الدرج.. أهو المجهود الذي يفوق قدرات قلبي العجوز.. أم الخوف مما اعتزمت.. كنت قد قررت قتله..
لماذا أقتله؟.. هو من دفعني لذلك..
كم عانيت مهانة انتظار رنين جسم أخرس.. تباعدت مكالماته في الفترة الأخيرة.. خفت من يوم يغيب فيه.. كالباقين.. ليتركني أغرق في بحر النسيان.. أتجرع طعم مياهه المالحة ..
ها أنا أقبض بذاكرة مرتعشة على باقي المشهد لأراه دون التباس..
استدرجته إلى سطح البناية.. أغريته بالهواء المنعش…. تقدمت نحوه بثبات وطعنته في صدره بتصميم.. بخنجر.. لا.. لا، كان سيفًا صغيرًا.. ابتسم في أمان.. لا.. بسخرية؟ تراجع حتى اصطدم فخذه بسور السطح.. اختل توازنه.. سقط؟؟ لا.. عاد فارتد نحوي.. تراجعت حتى اصطدمت بالسور المقابل.. هويت.. صاحبني شعور لذيذ بالاستسلام.
شمس ضحى الشتاء تغمر الشرفة، تغري بغفوة معتادة في مثل هذا الموعد على المقعد الوثير. ها هي رنته الخاصة تتسرب لأذني .. تصر.. أتوقعها .. سيعتذر عن عدم حضوره بالأمس حسب الموعد.. سيسرد حجج .. هل أرد؟
لا..سأقتله..سأضغط على الزر الأحمر لأََغرَق بيدي في بحر النسيان.. استمتع بشعور الخلاص من مهانة الانتظار.

  1. منى ذكى

    الانسان لايقتل الامل ولكنه يتعلق به حتىولو كان وهما
    انت قاصة جميلة ولكنى أشعرنى أكثر بألمك

  2. ابراهيم السيد

    مؤثرة وموجعةومحبطة الى حد كبير و لكنها صادقةفى مشاعرها

  3. ماجده القاضى

    ترى من قتل الاخر ؟

  4. نسرين البخشونجى

    هل يختار الإنسان عزلته و وحدته؟ سؤال بدر إلى ذهنى حين قرأت القصة. رغم أن الإنسان بطبعه إجتماعى إلا أننا أحياناً نفضل أن نبتعد و نقرر أن نمارس فعل الوحدة.

    أحببتها

  5. rokiaessabihi

    قصة جميلة مليئة بالاحاسيس الصادقة و كانها مكتوبة من اجلي مزيدا من التالق

  6. عبدالواحد الحسيني

    -إنه سور الإهمال لا النسيان..
    – فكثيرون يتذكرون وينسون بحسب القرب والبعد من الهوى..
    – ويقاوم سور الذكريات الحلوة سور الإهمال..فكلما ضغط الإهمال ضغطةقفزت ذكرى جميلة وركلته ببراعة إلى خارج ملعب الحياة كلها..
    -مجموعة الذكريات الحلوة هي الوطن الثاني؛نواجه بقوة حنين ماضيه أي إهمالٍ أو تناسٍ من أولي الوطن الأول..
    -أعجبتني المقابلة الجميلة في تعبيرك:
    “..أسمع دقات قلبي أقوى من ضربات خطواتي على الدرج..”
    -رائعة يا دكتورة لكنك في أدب الأطفال أنت أقوى من كل إهمال أو نسيان أو تناسٍ..

  7. Samar Elgammal

    ايه الروعة دي و الوجع ده ؟؟
    زودت ضربات قلبي لما قربت اوصل للآخر و كنت متأكدة انه مش هييجي بس قلت يمكن تغيري الواقع و تدينا امل كاذب .. لكن هي دي الحقيقة وهو ده الواقع بكل وجعه .. ” سأقتله..سأضغط على الزر الأحمر لأَغرَق بيدي في بحر النسيان.. استمتع بشعور الخلاص من مهانة الانتظار” .. جيتي على وجع عند كل الناس و لمستيهم كلهم غصب عنهم .



اترك تعليق