Home
ركن الأدب

صباح جديد علي طــائر أبيض صغير  


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


بقلم : محمد عبد الله الهادي
 

 الطائرُ الأبيض الصغير ، استيقظ من نومه مفزعاً ، علي صوت طلقات الرصاص ، تطلع خائفاً من باب عشِّه ، نهض وخطا بساقين مرتعشتين ، وقف علي فرع الشجرة العجوز العالية ، نظر حواليه فرأى الأعشاش الممزقة والمتساقطة ، تطلع تحت ساقيه فرأى جنـوداً غرباء ، كانوا يتحدثون بلغة غريبة لم تألفها مسامعه ، بنادقهم بأيديهم ، ينتشرون بالمكان ، يجرون هنا وهناك ، ورأى طيوراً من أصدقائه وجيرانه صرعى علي الأرض ، انقبض قلـبه بقوَّة ، قال لنفسه : الموت قادمٌ لا محالة ، عندما رأى جنـدياً يُسـقط الفوارغ أرضاً ، ويضع بـدلاً منها طلـقات حـيَّة ، ثم رآه وهـو يرفـع البنـدقية بين يـديه ، ويصوبها نحـوه ..

انطلق الطائر الأبيض طـائراً ، في لحظةٍ حسبها دهـراً ، قبل أن تلحـقه رصـاصة الجنـدي التي مـرَّتْ بجـواره .

ظـلَّ الطـائر الأبيض الصغـير يضرب الهواء بجناحيه في بكـور الصبح ، مبتعـداً عن مصدر الموت ، كانت الشمس في مخبئها ، ولم تشرق بعـد .


عبر الطائر الأبيض الطرق السريعة بحـذر ، كان خائفاً من العربات المنطلقة بجنون ، والتي ظنَّها تفـرُ خائفة أيضاً من موتٍ مجهول .. ، وقف الطائر فوق كوبري علوي علي مفترق طرق يستريح ، ويلملم أنفاسه المضطربة والمبعثرة في فضاء المدينة ، لم تـر عيناه سوى الإسفلت الأسود الممتـد بطول الطريق ، والحفر المتباينة التي حفرتها القنابل ، وجانباً محطماً من الكوبري بفعل قـذيفة ، وأعمدة الإنارة المائلة ، مكسورة المصابيح ، واقفـةً تنظر لـه بصمت وعمى ، والأبنية الأسمنتية ـ عديدة الطوابق ـ التي تحجب الأفق لتؤكـد حضورها القاسي ، تتناثر علي مداخلهـا أكياس القمامة مبقورة البطون ، تتنافس عليها قطط وكلاب ضالة في معارك صغيرة تحسمها الأخيرة لصالحها ، ثمة أدخنة سوداء تتصاعـد من مكان مجهول ، تثقل الهواء المثقل بالغبار وروائح المخلفات ، أصوات مكتومة تفصح عن وجودها بين الضجيج ، هل هي طلقات رصاص أم انفجارات قنـابل ؟ ..

بحث الطائر الأبيض بعينية عن شجرةٍ ، أو نباتٍ أخضر ، أو نهرٍ صغير ، أو حتى زهرة واحـدة تنظر إليه من أصيص ، فلم يجـد ، انتابه حزنٌ علي حزنٍ ، ومرَّتْ أمامه قافلة من العربات المصفحة ، يعلـوها جنـود بنفـس السحـن الغريبـة المتوترة ، والبنادق سريعة الطلقـات ، كان هناك جندي ، إنَّه نفس الجندي الذي رآه تحت الشجرة ، هل هو حقاً أم أن خيال الخوف مـلأ عقـل الطائر الصغير بالوهـم ؟ ، رآه يصوب بندقيـته نحـوه ..

فـرَّ الطائر مبتعـداً بأقصى سرعـة ، وهو يقول لنفسـه :

ـ " هـذا مكـان غير آمن .. مكـاني ليـس هنـا " .


استأنف الطائر الأبيض طيرانه ، حلَّق فوق محطة السكك الحديدية للمدينة الصغيرة ، حـطَّ علي سقف المبنى ، رأى القضبان الحـديدية السـوداء الخارجة والداخلة والمتشابكة في امتدادها الطويل ، المبقعة بالزيوت السوداء والأتربة الناعمة والزلط والحجارة والأوراق المصفرة القديمة ، والسيمافور العالي وذراعه الممدودة في وجـه المدينة بالتحـذير ، والأرصفة المستقيمة ، وأعمـدة الإنارة القصيرة التي ضاع نورها في نـور النهار ، والمظلاَّت الهرمية المتربة ، والمقـاعد الإسمنتية الملوثة بكتابات المراهقين الذين يدعون الرجـولة ، وركَّاب الصباح في صمتهم المريب ، أو ثرثراتهم الصغيرة الخائفة ، وهم يتجمعون ويتزاحمون انتظاراً للرحيل ، كانوا كثيرين ، وسمع الضجيج والصفير الحـاد للقطارات القادمة ، والأخرى الراحلة ، بعنفوان الدواليب الحـديدية الثقيـلة ..

بالقرب من باب المحطة ، رأى الطائر الأبيض دبَّابة ، ورأى حولها جنـودا بنفس السحن ، كانوا يرفعـون رشاشاتهم في الهـواء ، ورأى حاجزاً علي الباب الرئيسي ، كانوا يفتشون حقائب المسافرين ـ الذين يمرُّون بممر ضيق ـ ببـطء يُفقـد الأعصاب هدوءها ، رأى شاباً يقفـز عبر الحاجز منطلقاً بأقصى سرعة ، والجنود كانوا يلاحقونه برصاصاتهم ، لم يتيقن الطائر الأبيض الصغير من موت الشاب ، أو كونه تمكن من الفرار ، لأنه انطلق طائراً ومبتعـداً ، وهو يقول لنفسـه :

ـ " هـذا مكـان غير آمن .. مكـاني ليـس هنـا " .


استأنف الطائر الأبيض طيرانه ، مـرَّ فوق سوق المدينة ، حـطَّ علي السقف المصنوع من الصاج القـديم ، تأمل الباعة الكثيرين والمشترين القلائل ، وعربات " الكارو " التي تُفرغ حمولتها ، وصياح " العربجية " الغاضب لحيواناتهم الكسولة ، وعربات الخضر القليلة المبلولة بندى الصباح ، وفاكهة آخر الموسم التي يعكُف الباعة علي رصِّها بحرص في صفوف هرمية جذَّابة ، ورأى الزحام الشديد علي أرغفة الخبز الساخنة بوجوهها المحمرة الخارجة تـواً من عين الفرن ، وأسماك النهر الهامدة بحاملاتها المعـدنية التي يسقـط منها الماء ، ولحوم حيوانات مسلوخة بالمذبح ، معلقةً بخطافات من حـديد ، حيوانات مكتملة علي ضآلتها وهـزالها ، مكسوةً بـدهون بيضاء مصفـرَّة ، وأختامها الحمراء لامعة بلون الدماء ، ورأى سبـيل الماء القـديم ، الذي تعـددت صنابيره في توال محسوب ، علي حائط ضرب النشـع الرطـب في أصـوله المتداعيـة ..

كان الطائر الأبيض جائعاً وعطشاناً ، فكَّـر في الهبوط ، والتقاط بعض الفتات ، والشرب من مـاء السبيل .. ،عنـدما انطلق هابطاً ومرفرفاً بجناحيه صوب الأرض ، رأى حاجـزاً يقطع الطريق ، ورآهم خلف السبيل يتحصَّنون به ، ظهورهم للحـائط وعيونهم اللامعة بالريبة للقادمين و الخارجين من السوق ، بنادقهم الآلية بأيديهم علي أهبـة الاستعـداد ، والرصاصات المتحفزة مكدَّسة في أمشاط حول أحزمة خصورهم ، ودوَّى انفجار هائل ، اختلطت أشياء السوق ، وتناثرت أشلاء آدمية ، وفر الناس بذعـر ، وانطلقت رصاصات تلاحق شباناً يهربون ..، استـدار الطائر الأبيض في الهـواء ـ بزاوية حـادة ـ متراجعاً للخلف بسـرعة ، مبتعـداً عن المكان ، وهو يقول لنفسـه :

" هـذا مكـان غير آمن .. مكـاني ليـس هنـا "

وعـاود الطيران مبتعـداً وخائفـاً .


ظلَّ الطائر الأبيض الصغير يحلق طائراً بأجـواء المـدينة الصغيرة ، متنقـلاً من مكانٍ لآخر ، باحثـاً لـه عن مـأوى أو مأكـل أو مشـرب ، دون جـدوى .

المدارس الكثـيرة ، المستشفى الوحيـد ، مقاهي الشوارع الرئيسية ، الحدائق الصغيرة ذابلة النباتات ، أماكن اللهـو المهجورة ، سجن المدينة بأسـواره العاليـة ، وموقـف " الباصـات " الرئيسي وعربات " السرفيس " الصغيرة ..

كان عليه في كل مرَّة ، أن يرحل طائراً وممتلئاً بالخوف ، كلما رآهم بسحنهم الغريبة ، ولغتهم الغريبة ، وأسلحتهم الفتـَّاكة ، التي فتكتْ بأصدقائه وجيرانه ، مع مطلع الصبح ، عنـد الشجـرة العجـوز العاليـة .


كان الطائر الأبيض متعباً وخائفاً وجائعاً وعطشاناً ، عندما رأى كـوخاً طينياً علي حـافة المدينة ، هبـط علي سقفه المصنوع من القش والبوص ، تطلع حواليه ، وفـرح لرؤية الأرض المزروعة بالخضرة أمامه ، والهـدوء الذي يشمـل المكان الخـالي من الجنـود ، قـال لنفسه : سوف أبني عشـاً هنـا وأعيش فيه بعيـداً عن الخطر ، ورأى عجوزاً تقرفص أمام بـابه الخشبي ، كانت تستقبل شمس الصبح الطالعة من حافة الأفـق البعـيد ، ورأى كتاكيت صغيرة بزغبها الأصفر ومنابت ريشها ، تتجمع أمامها في دفء الشمس ، كانت أنامـل العجـوز تلقي لها بفتـات الخـبز ، تتجمع الكتاكيت فرحة وتنقرها بمناقيرها الصغيرة ، ولمح الطـائر الأبيض آنيـة صغـيرة من الفخـار بها مـاء بالقـرب من العجـوز ..

فكَّـر الطائر بعقـل الجـائع : كيـف يمكـنه الحصول علي بعـض هـذا الفتـات ؟ ..

قـال لنفسـه :
الجـوع كافـر ابن كافـر .

وقـال لنفسـه :
الغـرباء يحتلُّـون المدينة ، ولن تسمح لي بنـادقهم أن أهنـأ بأي طعـام أو شـراب .

وقـال لنفسـه :
الله رحيـم بالضعفاء ، هـو الذي هـداني إلي هـذا الكوخ .

وقـال لنفسـه :
لا بـد أن الكتاكيت سوف تشبع ، ولا بـد أن العجوز سوف تدخل كوخها ، أو ربما تغفـو نائمةً في دفء الشمس ، فأحصل آنئـذ علي بغيـتي من الفتـات والمـاء .

كان الوقت يمر بطيئاً ، والعجوز علي حالها مستمتعةً بدفء الشمس التي تعلو في السماء ، والجوع لا يرحم وهو يقرص أمعاء الطائر الأبيض ، ودفع الجوع بالطائر ليهبط بالقرب من العجـوز ، لم تنتبه إليـه ، سمعها تكلم الكتاكيت ، والكتاكيت التي شبعتْ تجمعتْ بالقرب منها ، وتضامتْ بأجسامها الصغيرة ، وأغمضت أجفانها تحت عين الشمس ، واستمع الطائر الأبيض للعجوز وهي تكلِّم كتاكيتها عن حكاية ولـدها " إبراهيم " ، عرف أنه ولدها الوحيـد ، وأنه كان فلاَّحا بسيطاً ، يزرع عـدة قراريط من الأرض بالقرب من الكوخ ، يزرعها بالحاصلات التي يحتاجها أبناء المدينة : طماطم وخيار وبصل وجرجير وخس وكرنب .. ، يمارس عمله بالأرض تحت وقع عينيها ودعاء قلبها لـه ، ويذهب للمدينة ويعـود إليها ، كان يحلم كما يحلم كل الشباب ، بالكوخ الذي يصير داراً ، والدار التي تعمرها زوجة ، والزوجة التي تنجب لـه الأطفال ، والأطفال الذين يكبرون ويتعلمون ويصيرون رجالاً لهم شأن .. يحلم ويحلم ويحلم ، حتى صحا علي كابوس الغرباء وهم يهاجمون المدينـة ، وخرج مع كل الشباب يدافعـون عن مدينتهم وعن مستقبلهم وعن أحلامهم ، لكنهم فيما بعـد قـالوا لها :

إن الغرباء قـد قتلـوه غـدراً برصاصاتهم ، وهـو يـدافع معهم عن المدينة .

لم تصـدقهم ، قالت لهم :

" إبراهيم " لم يمـت ، وإنه ما زال حيَّا ، وسوف يعـود إليها في يـوم ما .

كان الطائر الأبيض يستمع للعجوز التي تخاطب الكتاكيت بحزن ، ورغم الجوع الذي كان يعصف به ، فإنه بكى ، وتساقطتْ دموعه حزناً من أجلها ، وخطا بساقيه الرفيعتين عـدَّة خطوات صوب الكتاكيت ، ورأته العجوز ، اكتستْ ملامحها بالدهشة وهي تحـدق فيـه ، والتقـتْ عيناها الصغيرتان الدامعتان بعينيه الصغيرتين الدامعتين ، اتسع ركنا فمها المشـدود بابتسـامة ، وهتفـتْ بفـرح :

ـ " إبراهيـم .. تعـال يا بني " .
وفوجئ الطـائر الأبيـض .

ـ " إبراهيـم .. تعـال يا بني " .
ازدادتْ دهشته ، لكن الجوع المستبد بلـغ به أقصى مـدى ، فلم يتزحزح عن موضعـه :

ـ " إبراهيـم .. تعـال يا بني " .
كانت ابتسامتها مشجعةً لـه ، اقترب حتى بقايا الفتافيت التي خلفتها الكتاكيت ، راح يلتقطها بمنقاره وهو ينظـر إليها .. سألتـه :

ـ " أنت جـائع يا حبَّـة عيـني ؟ " .
ومدَّت أناملها في طبـق بجوارها ، وأخذتْ من طعام الكتاكيت وألقت أمامه .

كان الطـائر الأبيض يأكـل ، والعجوز تتحـدث معه ، وتقول لـه يا " إبراهيم " يا بني ، وتقول لـه لا تحمل هماً بشأن الأرض والزرع ، هي ترعاها قـدر استطاعتها ، وأنها تجـد كثيراً من أولاد الحلال الذين يساعدونها في الأرض ، أو بيـع إنتاجها في المدينة ، وقالت لـه إن غيبته قـد طالتْ عليها ، وإنها ظلَّـت تنتظره ، وتنتظر اليـوم الذي فيه يعـود ، ويبني الـدار ، ويتزوج ، ويحمل عنهـا كل أعبـاء شيخوختها ..

كان الطائر الأبيض قـد شبـع مع نهاية الحكاية ، وخطا نحـو آنية الماء وشرب ، ثم طـار نحـو السقف ، وسمع العجوز تودعـه :

ـ " مع السلامة يا إبراهيم .. لا تطـوِّل غيبـتك يا بني "

نام الطائر الأبيض نوماً عميقاً بين عقـد القش ، عندما استيقظ كان النهار قد عبر منتصفه ، قرر أن يبـدأ في يناء عش لـه ، ولم يجـد صعوبة في ذلك ، كانت المواد اللازمة لإقامة العـش حواليـه كثيرة من قـش وأفـرع نباتية صغـيرة ، وبات الطائر ليلته الأولى بالعـش الجـديد وهو يحلـم بالعجوز الطيِّـبة ، وولـدها الغائب إبراهيـم ، والغرباء ، والمـدينة المحتلة ، والأصدقاء والجيران الذين سقطوا غـدراً برصاص الجنـود .

ومع صباح اليوم الجـديد ، وجـدها أمام الباب مع كتاكيتها ، رأته وسعدتْ به ، أطعمته وسقته الماء ، وحكتْ له حكاية جـديدة عن " إبراهـيم " ، متى رُزقت به وليـداً ؟ ، كيف رعته بعـد رحيل أبيـه حتى صار رجلاً يملأ العين برجولته ؟ .

وصحبها الطائر الأبيض الصغير ، عندما أوصدت كوخها وذهبت للحقل ، رآها تحنو علي النباتات النامية ، ورآها تقتلع الحشائش الضارة والغريبة ، ورأى جيرانها الفلاَّحين يهبُّون لمساعدتها ، ويقدمون لها يـد العون ..

وتكـرر هـذا في صباحات أخرى كثـيرة ..

وجـاء ليل ، استيقـظ فيه الطائر الأبيض مفـزعاً ، علي صوت طلقات رصاص تشـق الفضاء ، نهض مذعوراً ، تطلع من فوق السقف ، رأى في عتمة الظلمة الجنـود الغرباء ينتشرون حول الكـوخ ، ويدفعـون الباب المتداعي ، وسمع صراخ العجوز ، وواحـداً منهم يصرخ بها بعـربية مكسورة الحـروف :

ـ " أين هُـم .. نحـن نبحـث عن المطلوبين الذين يهاجمون الجنـود "

وفـرَّ الطـائر الأبيـض هـارباً ، يتخبط في الظلام علي غير هـدى ، خـائفاً ومبتعـداً عن كوخ العجوز ، وسمع طلقات رصاص عشوائية تشق الظلام ، هل كانت الطلقات تلاحقه ؟ ، سـأل نفسـه عندما سقـط بأرض مزروعة ، وجُرح جناحه وسال دمه ، لملم نفسه واستقر بجـوار نبات ، بكى الطائر الأبيض حزناً علي مصير العجوز ، وقـال لنفسـه :

ـ " ليـس لي مكـان في مدينـة يحتلهـا الغـرباء .. عندما يطلع الصباح سأرحل لمدينة أخرى "

عنـدما جـاء الصباح ، وجـد الطائر نفسه وسط الأرض التي تزرعها العجوز ، ظـلَّ واقفاً بين نباتاتها القائمة لا يدري ماذا يفعـل ؟ ، تذكَّـر العجـوز وبكي بحـزن ، وهطلتْ الدموع من عينـيه ، لم يكن قـادراً علي التفكـير ، أو تنفيـذ قـرار الرحيـل ، والألم يضرب جنـاحه المصاب ، كان حزيناً من أجـل العجـوز ، لا بـد أن الغـرباء ، قُسـاة القلوب ، قـد قتلـوها وهم يستجوبونها بغبائهم ليـلاً عن المطلوبين ، أو أنها ستموت رعباً ـ وهي العجـوز الوحيدة ـ لرؤيتهم ، أو أنها ربما تنجـو ، وتطلع الطائر لسماء الصبح ، ودعـا الله للعجوز أن تنجو من الغرباء ، وفكَّـر أن هروبه الآن لمدينة أخرى ، وغيابه عن ناظريها إن كانت حيَّة ، سوف يقتلها كل يوم مئات المرَّات وهي تنتظره ، وتنتظر ولـدها " إبراهيم " ، ولا تـراه إلاَّ في عـودته إليهـا ..

وقرر الطـائر الأبيض الصغـير قراره الأخير ، بالعـودة إليها مهما كانت الأخطـار ..

طار الطائر الأبيض عائداً لكوخ العجوز ، كان يطير لمسافة قصيرة ثم يهبط ليستريح قليلاً بسبب ألم جناحه المصاب ، عندما اقترب من المكان ، رأى باب الكوخ محطماً ، والجنود الغرباء قـد رحلوا ، وكانت جثث الكتاكيت الدامية مبعثرة بعشوائية علي الأرض ، بعـد أن دهمتها الأحـذية الثقيـلة أثناء المداهمـة ، بحـث عن العجوز بعينيه فلم يـرها في أي مكان ولم يسمع لها صوتاً ، انقبض قلبـه وعصرته يـد الخوف ، هبـط ، اقترب من الباب ، رآها جالسةً ، امتلأ قلبـه بالسعادة ، وحمـد الله ، ورأته العجـوز ، والتقتْ عيناها الصغيرتان الدامعتان بعينيه الصغيرتين الدامعتين ، اتسع ركنا فمها المشـدود بابتسامة وهي تشهق بالبكـاء ، وهتفـتْ بفرحة مبـللةً بالدموع :

ـ " إبراهيم .. تعـال يا بني وشـفْ ما حصـل "

وعنـدما اقترب منها ورأتْ جرحَه انزعجتْ ، راحتْ تنظفه بالماء ، وتطهره ، وتلفه بقطعة قماش ، ثم حملته بيدهـا ونهضتْ ، أمام باب الكوخ المحطَّم جلستْ وهي تحتضنه بكفَّيها ، تستقبل قرص الشمس ، الذي يُشرق عنـد حافـة الكـون البعيـد


 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books