Home
ركن الأدب

خدمات زوجية  


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


قصة / منال جعفر - العراق

" المصعد عاطل " لوحة تدلّتْ من أحد طرفيها يغطيها الصدأ ولا يبدو أن أحدا التفت إليها منذ عقود ، برغم كون العمارة مزدحمة على الدوام سكنية وخدمية في آن معا ، بحيث لا يستغرب وجود أي أحد فيها حتى الطابق الثالث ؛ فهو وما يليه من الطوابق للسكن فقط .
انتهت إلى باب في الطابق الثاني ، فقرعته ثم ألهت نفسها بالنظر إلى لوحة عُلقت على جانبه_ لا تقل تآكلا عن لوحة المصعد_كتب عليها: " المأذون الشرعي " .
لا أعتقد أن وجود هذه اللوحة ضروريا ، وإلا لكان عليه أن ينوه عن تفرده بالتمهيد لعمله الشرعي هذا !.. أي مأذون يقصده الناس مثاني . أما هنا ..!
فتح الباب ، فحملقتْ فيها عينان استحال لونهما رماديا بفعل الكبر .
- أهلا وسهلا ...
"أهلا وسهلا :كررتها كثير المرأة المسنة وهي تنظر مليا إلى الشابة حسنة الهندام
والخلقة"
أي خدمة ؟
سؤال لم تتهيأ للإجابة عنه ؛ كانت تتوقع أن تبادر المرأة إلى عرض خدماتها متطوعة بدون أن تُسأل ، فتبدو وكأنها تولج في الأمر على غير إرادة منها ! قالت وهي مطرقة :
- أرسلتني الست عطية .. " متصورة أن النطق بهذا الاسم سيعوض عن أي توضيح محرج !"
التقطت الأذن المسنة الهمس المتردد وميزته جيدا .
- أي عطية !؟
يا للمصيبة.. إنها لا تتذكرها . تبا لهذه العجوز ، كيف لي أن أذكرها بها وأنا لا ..
" واستنار الوجه المطفأ بنور ضعيف للذكرى أوقدته رائحة المنفعة . وابتسمت "
آه عطية السويسي .. كيف هي ؟.. منذ مدة لم تبعث لي بشيء !. أهلا بها وبـمن
أرسلتْ .
وبصوت لا يكاد يسمع :
- أهلا بك يا حاجة .
لكن "شيء " هذا .. هل هو بشر .. نقد ، أم ماذا ؟ ربما كنت أنا اليوم ذلك الشيء بكل بساطة !
- الست عطية يذكرني اسمها بزمن جميل غبر ..
يبدو أن العمل جار منذ عقود ..
طلباتك ؟
لماذا تتعمد إحراجي !؟.. ألم تك يوما فتاة.. قبل مائة عام ربما ؟..
لم تستعجل المرأة الجواب .. وفيم العجلة ؟.. ما من شغل آخر ، والنظر إلى حسناء لا تمله عين "مختصة" تميز النساء أصنافا تستقر في أدراج حرفتها المفروزة بعناية .
- ألكم عمل آخر عدا إبرام العقود ؟
مدت المرأة عنقها .. فهمت القصد !
- مرة أخرى تذكرينني بالزمن الجميل .. لعل عطية قد كلمتك في ذلك ..!
"وانتظرت الجواب بشك . فلما لم يأتها ، عاودها لينها . بل جعلت تقول كالمستعطفة: "
كان العيش دارا والحياة هنيئة .. لكن الآن ..
" وأدارت رأسها في الغرفة قليلة الرياش "
كما ترين ، فالحال قد ساءت ..كان من يقصد الحاج من الرجال كثرة ، ليوفق بينهم وبين بنات الناس بالحلال .. على سنة الله ورسوله . وهن جميعا من بيوت محترمة مثلك ! .. لا تتعجبي من حكمي عليك .. فقد عملت "خاطبة " ردحا من الزمن زوجت فيه ، على يد زوجي ، مئات الفتية والبنات والنسوة والرجال .. ثم زوجت الكثير من أولادهم .. وهؤلاء أصبحوا الآن آباءا وأجدادا ! . ووالدتي من قبلي ..
"كان هذا الحديث ليدخل الأنس في القلب المضطرب، لولا أنها في عجلة من أمرها !"
يبدو أن سيرة هذه المرأة ،التي تبلغ القرن، لا تكفيها .. لتسرد علي سير جداتها
رجوعا نحو أمنا حواء !
الآن تغير الحال .. فالزواج مكلف وحال الكثيرين عسيرة ، والمتدينون قلة !..عدل الناس عن النكاح إلى السفاح .. وانحسر عنا العمل ، وضل المال طريقه إلينا ليقصد جيوب تجار الرذيلة !
" ولوت شفتيها المتغضنتين " هل هناك أسوأ من هذا !؟
" لم تتبين الفتاة أسف العجوز أعلى ضياع الفضيلة ، أم على افتقاد المال! .. أما هي فكلاهما مؤسف بالنسبة لها، وخاصة "انحسار العمل " فهو يعلن عن فشل مسعاها!"
والآن يا حلوة .. ألا تخبريني ما هو موضوعك ؟
سحقا لهذا الفم .. ألا ينطق بغير تعذيبي !؟..فلأخرج بالمتبقي من كرامتي !
لكنها وجدت نفسها تقول :
- عملكم القديم هذا الذي تحدثت عنه .
- لك ؟
" هزت رأسها إيجابا "
ما أظن هذه المرأة خسرت عملها لما ذكرت من انتحار الفضيلة، بل لافتقارها
اللباقة .
ما أكثر المعروض .. وما أقل الطلب !
- ماذا تعنين ؟ " رغم فهمها "
- أعني أن القليل جدا من الرجال من يروم الزواج عن هذا الطريق بالذات ..
" أمسكت الفتاة بحقيبتها وتهيأت للمغادرة "
إلى أين ؟.. نحن لم نتحدث بعد !
- عم نتحدث !؟
لونت الخاطبة القديمة كلامها بالإغراء هذه المرة :
- الجميلة مثلك ، حظها في الاختيار أوفر طبعا .. بالأمس فقط زوجت رجلا موسرا بامرأة لا تدانيك جمالا .. ما كان أسعده لو كنت أنت عروسه !
" وبعد صمت قصير " لكن الآن لا أحد !
"عجزت الفتاة عن الفهم "
ليس لديها ما يشغلها ، فجعلت تتسلى بي !
واحد فقط .. شاب يريد أن يتزوج ليوم واحد فقط .. مدة إجازته .. يحدث ذلك
الآن كثيرا ..
ونظرت إلى الفتاة بترقب .
- كم يدفع مهرا ؟
- لا أعرف بالضبط ..
- متى يأتي ؟
- غدا ظهرا .
- كم تريدين ؟
اصطنعت العجوز الغفلة ..
- ماذا ؟.. الأجرة يستوفيها الحاج من " العريس " ، " وضحكت مداهنة "وعروسنا لن تبخل علي بهدية صغيرة ..
- حسنا ..إلى الغد . " ونهضت "
- لم أنت مستعجلة هكذا ؟
دست الزبونة العجلى قطعة نقدية في اليد المبسوطة تعجبا .
- هل سيكون كل شيء شرعيا ؟.. أقصد لأنه ليوم واحد ..
- اطمئني .. نحن أبعد ما نكون عن الحرام .
- أقصد رسميا ..
- وكل شيء يوثق عند الحكومة .. " لحقت بها " لا تنسي بطاقتك .."ولما رأتها تبتعد:"
مهلا ، أنا لم أعرف عنك شيئا .. اسمك .. بكر أم ثيب ..!
عادت فقربت إلى عينها بطاقة ..
- كل شيء مثبت هنا .
وتركتها تحدث نفسها : أفي ظن البنت حقا أني أجيد القراءة !


بعد أربعة أشهر تلقى "العريس " في مقر عمله ، استدعاء من المحكمة للنظر بدعوى مطلقته بشأن النفقة عليها وعلى " حملها " .
ذهب الرجل إلى الجلسة في موعدها المضروب مصطحبا محاميا . كانت تلك المرة الأولى التي يمثل بها أمام القضاء . رآها من بعيد في دهليز المحكمة منتفخة البطن برفقة محامية شابة. واستأذنه المحامي فذهب إلى زميلته يحادثها .. ظل كلاهما وحيدا .. نظر إليها وكانت مشيحة بوجهها . التفت إلى المحامي يستأذنه للحديث معها ، فوجده غارقا في حديثه مع امرأة القانون تجادله بتعصب توتر له صوتها !
اقترب على مهل ..فأدارت وجها متعبا .
- السلام عليكم .
- ...
- لم تخبريني أنك حامل !
- كيف أخبرك ونحن مطلقين !؟
- كيف حصل هذا ؟.. ألم نتفق ..!
سألت مغضبة :
- هل تريد أن تنكر ؟.. كل شيء مثبت رسميا .
قال باستسلام :
- وما نفع الإنكار !؟
- وعندي لك مفاجأة أكبر !
- ما هي ؟
رفعت حاجبها ودحرجت إليه بكلمتين تمتحن بهما رباطة جأشه :
- إنهم ثلاثة !
تبلبل فكره وسأل وهو يهز رأسه :
- من ثلاثة !؟
وتسللت ابتسامة خفيفة إلى الفم الذي ألقى إليه بالقنبلة .
- أبناؤك .. ثلاثة .. ولدان وبنت واحدة .
فضحك من يأسه .
- واحدة ؟.. ولم تأتي المسكينة واحدة ؟.. لم لم تتفضلي عليها بأخت أو أختين أو عشرة.."وكان صوته يعلو في كل كلمة عن ما قبلها"ما دام الإنجاب عندك بالجملة !؟
تدخل المحامي :
- ماذا هناك ؟ .. ما الأمر ؟
وتدخلت المحامية ووجهت كلامها إلى موكلتها :
- كيف تكلمينه دون علمي ؟
تردد صوت الرجل بالشكوى ، ووجهه يقطر أسى :
- أسمعت يا أستاذ .. تقول إنها حامل بثلاثة !
- بطن بهذا الانتفاخ ممكن أن تضم عشرة ..
قال المحامي ذلك وقد عادوا فريقين . فاستاء الرجل لكلام وكيله فرمقه شزرا منذرا إياه أنها كانت يوما زوجته ..
بوصول القاضي سكت الجميع ، وبدخوله القاعة بدأت الجلسة .


على باب ردهة التوليد في إحدى المستشفيات كان الزوج السابق ينتظر ولادة توائمه الثلاثة . ولم تكن الأم الجديدة عالمة بوجوده ؛ استدعته بدون علمها صديقتها الممرضة .
- مبروك .. ولدان وبنت في غاية الجمال والصحة .
وجد نفسه يسأل :
- والأم ؟
- بخير . يمكنك أن تدخل فتراهم جميعا .
" وهمست في أذنه وهو يدخل :" ألم أوصك أن تأتي لها ببعض الزهور ؟
" فطفق راجعا " إلى أين !؟
- أجلب بعضها ..
- لا ينفع الآن ، فقد رأتك ..تعال . كلمها .
- حمدا لله على السلامة .
قالت باقتضاب وهي تنظر ناحية الأولاد :
- شكرا .
وأرجأت لوم صديقتها على إبلاغه حتى ينصرف . وشرعت الصديقة بنقل الصغار إلى غرفتهم تساعدها في ذلك ممرضة أخرى . قالت الأولى بصوت خفيض قبل أن تخرج بالطفل الأخير ، تبرر استدعاءها الرجل :
- الأولاد بحاجة إلى أبيهم ..
- وأنا بحاجة إلى أمهم !
"خلت الغرفة إلا منهما "
عزيزتي " وتقدم خطوة "..
- ليس منا نحن الاثنين من هو بحاجة إلى الآخر . أنا لجأت إليك حين كنت بلا عمل ، وأنا اليوم أعمل وأكسب ..
- كان يوما جميلا .. ألا تذكرين ؟
- ألا تذكر أنت تجهمك حين علمت بالحمل وعدده ؟..أنت رجل غير مسؤول !
- وأنت لا ينفع الحديث معك !
" وأشاح بوجهه عنها " حددي لي يوما أرى فيه الصغار . أريد أن أراهم أسبوعيا .


لم تقر له المحكمة الزيارة الأسبوعية التي طلب ؛ لكون مطلقته تعيش وحيدة وهو رجل أجنبي لا شيء يجبرها على استقباله . كما إن سن الأولاد الحديثة لا تسمح باصطحابهم إلى خارج المنزل لرؤيتهم . وأجلت المحكمة النظر في ذلك لحين بلوغ الأطفال سن التمييز بعد أكثر من عامين. أحبطه ذلك أول الأمر .. ثم عاد يقنع نفسه بحياة العزوبة التي ألفها مع شعور بالحنين مؤرق إلى العائلة التي تخصه ، وهو يعيش بعيدا أو مبعدا عنها. وبعد مفاوضات "غير رسمية "، وافقت المرأة على استقبال طليقها مصحوبا بأخته ، ليرى صغاره الذين أتموا العام الأول من عمرهم .
وفتحت له الباب ذات مرة فرأته يصطحب امرأة جديدة ؛ فتاة شابة .
- ابنة خالتي .. سلوى مشغولة جدا ، وهي تقرئك السلام .
ولم تكن بغريزتها بحاجة إلى الكثير من التبصر لترجح أن ابنة خالته هذه إنما تستعد لأن تشغل مكانا ظل شاغرا بعد طلاقهما ، فانتهزت فرصة اختلاء البنت في الحمام ، فقالت بلطف :
- إن أردت أن تأتي بمفردك ، فلا مانع ؛ فالأولاد قد كبروا ، ولم أعد أحس نفسي وحيدة.
لم يكن قد مر على الزيارة الأولى سوى بضعة أشهر!..أحس بالباعث الحقيقي لهذا التساهل ، فامتن لها . وأراد أن يلج الموضوع رأسا ، لكنه خشي أن تجفل فتزيد من حصانة الباب الموصد بدلا من فتحه !.. قرر أن لا يستعجل ؛ فإن كان زواجهما قد تم في عجل وانتهى في عجالة أكبر ، فلا بأس أن تأخذ إعادته للوجود وقتا لايطيله ، بل لا يوجده أصلا ، إلا مرجو الصبر على مزاج يبدو أن لصاحبته باع في الكر والفر !
في الزيارة التي تلتها ذهب بمفرده .. غير أنهما لم يكونا وحيدين ؛ثلاثة أشخص صغيرة كانت بينهما تروح وتجيء .. تصيح وتلعب ، وترسم حولهما عالما تفرد بالبراءة والجذل والظرف اللا متناهي . كانوا دائما موجودين ، فمن أجلهم يأتي .. لكن اليوم كانت رؤيتهم ذريعة . وبدت غير شاعرة بوجوده في الدقائق الأولى دائرة على بنيها ، تلبس هذا وتجلس ذاك..
- كم أسعدتني بالسماح لي أن آتي وحيدا. لطالما أحسست بوجودي هنا طبيعيا عند عائلتي ..
" تلاحم اثنان من الأولاد فقامت ، حلت نزاعهما وعادت وعيناها تلاحقهم جميعا "
أقول متى
- عاد يضربها .. لا تضربها !
- عزيزتي ..هلا انتبهت لي من فضلك !
" شقت صرخة الطفلة الفراغ بينهما نصفين .."
عزيزتي .. حبذا لو أنمت الأطفال وقت زيارتي في المرة القادمة ، لنتحدث في..
قاطعته منتفضة :
- ماذا؟.. أنيم الأطفال!؟ يبدو أنك أسأت فهمي ..
- أنا لم
- على كل..أنا الملامة.عد لاصطحاب أختك في المرة القادمة"واستدركت بعد لحظة صمت نظر فيها إليها متعجبا " أو لا تأت أصلا.. إذ لا ينفعهم في شيء أن تراهم نياما !
وانقطع عن زيارتهم مدة ، حتى استبد به الحنين لصغاره ، فأرسل أخته تراود أمهم عن رؤيتهم ساعة خارج المنزل . وتكلل مسعى الأخت بالنجاح . وحين عادت بأبناء أخيها وجدت أمهم تكاد تجن . فاحتضنت اللهيفة أولادها جميعا وأطبقت عليهم بذراعيها حتى بدت وإياهم كتلة بشرية واحدة .
- أنت تعذبين نفسك وتعذبينه .. إنه يعاني مثلما تعانين .
- إنما معاناتي في أبنائي .
- لقد ابتعدوا عنك ساعة ، فانظري ماذا أحسست . وقد أبعدتهم عنه عمرهم كله .. وهو إلى هذا يفتقد شخصك !.." هو إذاك خاطب لابنة خالته " . أنا
"نظرت إليها مطلقة أخيها تتبين صدقها "
أتقدم رسميا لخطبتك لأخي .



تم الزواج ثانية ، بعد أن أقنعت الأخت أخاها بالعدول عن ابنة خالته إلى زوجته السابقة، دون علم الأخيرة بالمنافسة الخفية !.. وأراد ذات يوم الخروج فدخل الغرفة يقلب في ملابسه.. تبعته إلى الغرفة .
- علمت اليوم بخطبتك لابنة خالتك .لم لم تخبرني بذلك ؟
كان في شغل عنها ينظر يائسا إلى الملابس التي لوث الصغار جميعها بزينة أمهم .
- انظري ماذا فعلوا !
- لا تغير الموضوع ..
- أي موضوع ؟.. ما بك ؟
- ما بي !؟..سمعتك تحدثها ..
- كنت أحدثها بأمر عائلي .. والآن ، كيف أخرج !؟
- أراك متلهفا للخروج ..
- أين كنت حين فعلوا هذا..أما كان عليك أن تحافظي على كل شيء مرتبا ونظيفا !؟
- كلامك هذا يوجب مني الغضب . ولكن ، لا تغير الموضوع !
- أي موضوع !
- يوه.. كان رجوعي إليك غلطة !
- أعدك أن لا أدعها تستمر !



وبعد شهور ، كان الحكم في القضية القديمة قد صدر ! أعطته المحكمة الحق في زيارة أسبوعية، بعد أن أتم الأطفال سن الثالثة .
فتح له الباب أحد بنيه ، فأفسح له للدخول وهو ينادي أمه :- ماما.. جاء عمّو ..
لم تكن المرأة حيث كان الصغار .. كانت في المطبخ ، يظهر نصفها العلوي فقط من فتحة تطل على غرفة المعيشة . ردت تحيته من مكانها ودعته للجلوس ، ولبثت تتنقل بين أرجاء المطبخ تعد طعاما .. ولم ينتبه الزائر الرسمي لثقل حركتها !
التفت إلى الأطفال . قبّل أقربهم إليه .. ثم انتبه لطفلته ؛ كانت تحشو ثوبها بمنشفة صغيرة، أدخلتها الثوب ، ومشت خطوة ، فسقطت المنشفة . اقترب منها وقبّلها ..فلم تلق إليه بالا . كانت تبحث عن حزام .. سألها :
- ماذا تفعلين ؟
- أنا حامل .. مثل ماما !
يالهذي المرأة !.. تزوجتُها ليوم واحد فأنجبت ثلاثة ..كم تراها ستنجب هذه المرة !
تقدم أخو الصغيرة بخبث ..
– هات ابنك.. " والتقط المنشفة وركض بها نحو النافذة " سأرمي به في الوحل ..
أخذت الأم الممثلة تصرخ ، فدخلت المرأة على أثر صراخها تشغل فراغا في الغرفة ببطن أعظم مما كانت عيه من قبل ؛ في حملها الأول ..
وجّه إليها الكلام :
- الولد يدعوني "عمّو" .. أنت لم تخبريهم أني أبوهم !
- وما شأني بك .. ثم أيهمك ذلك حقا ؟.. أنت لم تزرهم منذ شهرين .
ارتبك وقال مطرقا :
- كنت مشغولا جدا .." ثم رفع بصره إليها " أنت لم تخبريني أنك حامل !
- أنت .. أنت .. أنت .. وأنت ؟ ما هو دورك !؟ تريد من ينوب عنك في كل شيء !
سكت وكبت رغبته في سؤالها عن عدد الوافدين الجدد إلى الأسرة المنشقة ؛ خشي أن ينفخ في النار بسؤاله . والتمس لها بعض العذر في عصبيتها .
- اثنان فقط هذه المرة .. ربما توقعت عددا أكبر . لا موجب لقلقك !
أحرجته فراستها ، فجعل يقلب في البيت الصغير بصره . وتخيل خمسة من الأطفال يركضون فيه ويلعبون .
- هذا المنزل سيضيق بالعيال .. إنهم يكبرون ويكثرون ..
- لا يمكنني توفير منزل أكبر . هذه مشكلة ليس لها حل .
- بل حلها سهل جدا .. لقد اشتريت شقة مناسبة .
- لم نعد زوجين .
- لسنا مطلقين .
- أنت قلتها ، ولو في ساعة غضب ..وقد كلفت محاميتي بإتمام الدعوة .. بعد أن امتد غيابك شهرين .
- ما كان انشغالي إلا بتجهيز البيت . وإن كنت تريدينني فلن يطلقنا أحد بالغصب .
ابتسمت ..
- أنت تزوجتني مرة ليوم واحد فقط . وأخرى لشهر واحد فقط . كم ستبقيني عندك هذه المرة !؟
- عمرا واحدا فقط !

بغداد 2001
 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books