Home
ركن الأدب

العبـــــور  


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


أقرأ القصة باللغة الإيطالية

قصة / يسري الغول - فلسطين


على حافة الآن ، تتنفس أسراب البشر - المنهكة من ردهات الماضي – الصعداء . و مع تهاويم العبور تنطلق الأنفاس مسافرة إلى مرافئ البعيد ، يندفعون في رحم الممر الضيق ، المثخن بالجراح . تتضرع الألسن لاهثة تلهج شكراً لله بالولوج بوابة الحاضر . ينزل ركاب الحافلة خلسة من الضوء القادم من الشرق إلى نقطة العبور . واحداً تلو الآخر . يتبعهم سيل الرائحة المفعمة بنشوة الجوع ، اللوعة لثكنات قديمة ندفت منها مياه مطر تقيأت أريج الحلم ، الموت إلى نهاية المصب النائم .

كان يسير بينهم عارياً من الخوف ، متدثراً سترة الوهم إلى أفق صورة السجن التي أطاحت به ، و على بوابة الآن اللزجة ، السائلة من منبع الأمس ينزلق إلى ردهات التفتيش التي انتظرها طويلاً ، خمسة أيام دون الوصول لهذا المكان . يقبض بإحدى يديه على تصاريح العبور و جواز سفره الأخضر بعنف ، يتمايل قليلاً ، ناعساً ، نائماً ، يمر بعينيه على الزجاج الأسود . تتضح من خلاله صورة مجندة تعبث بجهاز الرصد لمن هم في عمره القديم .
و عندما يجتاز الصورة تبقى الذاكرة في مصب الحكاية ، يداخله إحساس غريب بأنهم قد يعتقلونه الآن ، رغم تركه ليسافر . راودته فكرة أزلية تعبث ببواطن نفسه ، كأنهم تركوه لكي يريحهم من عناء البحث عن رجل الظل ، و هاهو يعود الآن . الألم دفين ، يعتمل في صدره . تنظر إليه المجندة من البعيد ، البعيد. تراوده أيقونة الوجه القاحل ،كأنه رآه من قبل ، كانت تسلمه ملابسه ، أماناته التي لم تكن أي شئ ، حذائه المهترئ .

تأمل تضاريس جبهتها القاتمة ، حدق بها كثيراً .سرح طائراً إلى الأفق القصي هناك . تقوضت وشائجه معهم قبل أن يتركوه . كانوا رفاقه . جسداً واحداً لكنهم أخيراً بدأت تراودهم شكوك الانحراف .اختلفوا في كيفية العمل بعد الخروج من رحم الموت إلى حياة المخيم . يخرج جوازه من كوة الاغتصاب إليها . يقف واجماً ، يأخذه من الجندي الذي يبتسم إليه بحذر . يتمنى لو يبصق كلاً منهما بوجه الآخر . يعود ، يأخذ تصريح الدخول إلى المدينة الضيقة ، يجتاز الممرات الطويلة ، الضائعة في متاهات الجرح . يرن جرس ماكينة التفتيش ، يتجمد مكانه . يأمره الجندي بالتوقف . يزايله أريج الشوق لبيته . يقف قريباً من المجندة السوداء ، العميقة كصحراء النقب . ملامحها بائسة ، شبق رائحتها يتبخر في انفه . يأمره الجندي بخلع حزامه ، فيفعل . يمر من النقطة دون صوت . قيثارة صمت تشدو بهاءها القديم . يعود مرة أخرى إلى نفس البقعة الداكنة من باص العودة إلى دهاليز الحي . يبتسم باجتياز ظلام العبور مرة أخرى ، يتبعه ظله ميتاً . يتمتم شكرا لخالقه . يحمل أمتعته الثقيلة على ظهره .

تجلو خطواته للوطن الآن ، تتضح معالمها. يسير جزلاً ، يشدو بانتهاء حصار الظل أخيرا و الدمعة تتهادى غريبةً بين أهداب عينيه قبل أن تهوي على أرض المعبر النتن . يقايض فيها المسافة بالسكون . يريد أن يحلم بأنه قد أدرك المكان حقاً . يمتد زحفه ، لا يرى شيئاً . فحيح قدماه يرتطم بالأرض ، ودّع أهله كشبح لن يعود ، الدمع يعزف سيمفونية اللاعودة الأولى . و مع خطوة الانتصاف تطأ قدميه أرضه المتصلبة، الصارمة كوجهه الميت ، متمرداً . رائحة النتن تبرز مع أكياس قمامة تبعثرت في شتى الاتجاهات ، تستقر الرائحة في ضباب الصمت ، تحاصره ، تلفه ، يستنشقها متألماً . يقذف عينيه محدقاً في بقايا الصورة . يغلق باب الماضي البعيد . لن يعود إليه أبداً . يصل أسلاك المدينة الشائكة . يتوسد الرمل ، يقبله كحبيبته التي تركته منذ سنين الجدب ، الفتح . يسأله السائق متدافعاً عن الجهة التي يقصدها ، يتلفت حوله ، يتأمله ، تقاطيع وجهه راسخة المعالم ، الآهة تظهر على قطيع الجسد المثخن بالجراح ، يريد أن يتفوه بكلمة واحدة لكن قوة الصمت تردعه ، يناديه السائق مرة أخرى :
- إلى أي قبلة تريد ؟!
يترنم بصوت النائم ، الحزين :
- غزة

يقف السائق واجماً ، محدقاً بذهول مجزرة التناغم على ذكرى الثورة و الغضب ، يخرج من صمته بشفق الحزن الأمرد . تظهر نبرات الجزع ، الألم فيه . يتمتم بينما تنزلق دمعة على خده من جديد :
- القطاع مقسم منذ أسبوع إلى أربعة أجزاء ، و لا ندري متى سيفك الحصار حقاً ؟
يصمت بينما يغمض الآخر عينيه بنشوة انتصار ضئيل ، ميت . ينام الليل كله مع وهج الظلام ساكناً . شوقٌ عارمٌ يلفه ، يحاصره ، يستبد به ، يلفحه في انتظار خطوة الوصول للروح البعيدة .

 

أول الصفحة


 © Arab World Books