Home
ركن الأدب

مساحة للجني


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 


بقلم : جميل عطية إبراهيم

ترك الجني نجع البطوطة في مصر ، ولحق بي في جنيف لمضايقتي ، حضر بطينه " وعبله " لينكد علي . بضمير مستريح رأيت حبسه والبادئ أظلم . من خرج من داره يا جني قل مقداره ، وهذا نصيبك : الحبس في وسط جنيف بدلا من القمقم . هذه خريطة جنيف ، ومن العدل حبسه في هذا المستطيل الذي يطل علي البحيرة ، مستطيل واسع يسرح فيه ولا يغادره ، الحبس في القرن الحادي والعشرين يختلف عن الحبس في القرون الوسطي ، هنا ، تجرم اتفاقيات جنيف الحبس في زنازين ضيقة ، فما بالنا بقمقم ؟
ولكن ، هل يتمتع الجن بالمزايا التي يتمتع بها البشر والواردة في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب ؟ لست متأكدا ، والمسألة في حاجة إلي بحث ، ومثل هذا البحث دونه مصاعب كبيرة .

مسألة حقوق الجن لم تصادفني طوال عملي علي مقربة من مقر الصليب الأحمر الدولي في جنيف . شغلت طوال سنوات عملي بحقوق المعتقلين في السجون العربية وشغلت مؤخرا بأحول المعتقلين في جوانتنامو وسجن أبي غريب ولم أشغل نفسي بحقوق الجن للأسف .
عرفت في صباي أحوال الجن وخبرت خبائثهم ولعناتهم وألاعيبهم من سجل الزمان الذي تركته لنا شهرزاد فاتنة الزمان . حملت حكاياتهم معي في ترحالي ، ولم تكن بينها حكاية واحدة تكشف عن حق لهم .
شهرزاد روت لنا مكائد الجن وتجاهلت حقوقهم . لماذا يا شهرزاد ؟
سؤال المختصين في الصليب الأحمر الدولي والقانون الإنساني والقانون الدولي واجب . الحيوانات لها حقوق ، فما بالنا بالجن ؟ هذه مهمتي .

الحديث خبط لصق عن الجن مع عقلاء الصليب الأحمر الدولي غير مقبول ، ربما يقبل الهلال الأحمر المحلي في دول مثل كوزوماتو أو أفغانستان أو بنجلاديش فتح باب الأخذ والرد بخصوص حقوق الجن ـ لكن عقلاء الصليب الأحمر الدولي في جنيف وكلهم سويسريون ، لن يتساهلوا في الأمر . لنقل أن المسألة تتعلق برجال الفضاء الخارجي القادمين من كواكب أخري ـ حقيقة لم يرهم أحد من قبل ولم يتحقق من وجودهم أحد في وقتنا الحالي ، لكن هذا لا يمنع دراسة حقوقهم وواجب الضيافة إذا قدموا إلينا في يوم من الأيام ، ووضع بروتوكولات للتفاهم معهم ، فربما نذهب إليهم مستقبلا .

استرحت لهذا الرأي الأخير ..
ليس مستبعدا أن يسخر مني رجال الصليب الأحمر الدولي في البداية ، ثم يصدر أمر بطردي ومنعي من دخول مبني الصليب الأحمر ، لأنني تجاوزت مصائب الأرض وذهبت بعيدا في خيالي ، ونخسر القضية في جنيف قبل فتح ملفات حقوق الجن والعفاريت .
نقطة واحدة في صالحي تكسب هذه المسألة خصوصيتها ، شهرزاد ذاتها بجلالة قدرها وعشق الملايين لها ، ربما تطلب السكني كسائحة عربية في هذه المنطقة التي اخترتها للجني ، لتكتمل الصحبة : شهريار . الجني . السياف .

ما أحلى تجول شهرزاد علي طريق البحيرة ؟؟
الجن في ألف ليلة وليلة يجوبون الأرض والسماء ، يعرفون الطالع ، يساعدون البشر أو يحتالون عليهم . يحسن مناقشة هذه المسألة مع كريستينا صديقتي قبل عرضها علي الصليب الأحمر الدولي ، وما خاب من استشار ، وهذه قضية تتعلق بالجن .
كريستينا تشاهد مسرحيات شكسبير في مهرجان أدنبرة بصفة سنوية ، وتعرف طريقة تعامل شكسبير مع الأشباح خيرا مني ، وهذه مهمة ، نقطة ضعفها جهلها بتراث شهرزاد ، أطلعها علي بعض الحكايات ، وإذا خافت من الجن أقول لها الناس اللي فوق أو الناس اللي تحت . هذا أفضل .

 

المساحة الواقعة بين محطة السكك الحديد وبحيرة جنيف منطقة مناسبة ، وضعت خطا يبدأ من شارع الدجاجة الصداحة التي لا يسمع لها صوت نهارا أو ليلا ، وينتهي إلي البحيرة ، وجدت عرض هذه المساحة يناسب الجني ، أما بالنسبة لطول المستطيل ، وضعت خطا من "" شارع الدجاجة "" الصداحة حتى منظمة التجارة العالمية بطول شارع لوزان .
أكملت أضلاع المستطيل واسترحت . قاعدة المستطيل بطول شارع لوزان وتوازي البحيرة . وعلي ناصية شارعي الدجاجة الصداحة وشارع لوزان ، بنك شهير ، وبعده شركة طيران ومحلات متخصصة في الملابس الراقية ، وعلي الناصية المقابلة شركتا طيران ومبني البورصة ، ومقهى ومطعم ، وصالة بلياردو ، وفندق كبير ، وبين كل بنك بنك أو محل صرافة . قرب منتصف شارع الدجاجة الصداحة تبدأ سلسلة محلات جواهر ثمينة وساعات غالية الثمن . وهذه وحدها سوف تسعد جني نجع البطوطة صاحبنا .هذا المستطيل العامر يضم حيا بأكمله يطلق عليه اسم "" الباكيه "" . حي من أعرق أحياء جنيف ويحمل ميزتين بفعل الزمن ، شوارع وبيوت راقية ، وأخري متوسطة الحال ، ولهذا يقطنه قلة من الأثرياء من السويسريين وكثرة من فقراء الأجانب أو متوسطي الحال ، وتفوح رائحة الكلاب المدللة والقطط من أرصفة هذه المنطقة .

من كثرة ما تجولت علي الأرصفة في هذا الحي ، أصبحت علي معرفة بأبناء البيوتات الثرية . أبناء البيوتات الثرية كلابهم دوما نظيفة ، ولا تغرق الأرصفة بالفضلات ، أما أبناء الفقراء ، فلا . يا فرحتك يا جني نجع البطوطة : نلت حسن الإقامة بشروط أفضل من شروط شهرزاد في ألف ليلة وليلة .في نهاية قاعدة المستطيل من الناحية الثانية ، مكلمة سادة العالم الجدد في منظمة التجارة العالمية ، بيانات واجتماعات حتى الفجر ، وهذه وحدها حكاية ..

يخطئ من يعتقد أن جني نجع البطوطة سوف يرضي بنصيبه ويقبل بالسكني في جنيف بسهولة ، جني نجع البطوطة حرامي ومشاغب ، وأعرفه منذ مولدي ، صحبني في المسرات وفي المحن ، وبالتأكيد سوف يحاول الهرب . لنرجع إلي الحيل القديمة في مواجهة الجن ، بول النساء الناضجات سوار الآمان ، الجني لا يقدر علي الاقتراب من بول امرأة ، وإذا اقترب احترق . أغرق أسوار المستطيل ، ببول كريستينا ، أدعها ترش المنطقة بعناية حول المنافذ ومداخل الطرقات ، وقبل مفاتحة البنية في هذه المسألة الحساسة ، التي يمارسها الناس نهارا وليلا ، بدأت التدريبات في شقتي نهارا ، وعلي حافة البحيرة ليلا .

أرمح وأوسع بين فخذي ، وأرفع ساقي اليمني ، ثم أتابع سيري عدة أمتار ، وأتوقف وأوسع ما بين فخذي .لم تطاوعني نفسي علي التبول في شقتي علي المقاعد وعلي السجاد ، ولا في الطرقات أثناء التوقف أو الجري ، تلك عملية صعبة علي النفس وفي حاجة إلي تدريبات مركزة . أرجأت عملية التبول والرش بعض الوقت . أذهب إلي كريستينا في شقتها الواسعة الجميلة ، أخلع ملابسي وأدور حول الشقة ، من غرفة النوم إلي الشرفة الطويلة الواسعة ، ثم أعبر غرفتي المعيشة والطعام جريا وأعود مرة أخري إلي الشرفة .
تسألني لماذا الجري ؟
ـ تدريبات اليوجا الجديدة .
بعد عدة أيام طلبت منها مصاحبتي الجري ، فعلت ، قالت : لا بأس في الجري داخل الشقة .
طلبت منها الجري حول البحيرة ، قالت : هذا لا يصح . لنذهب إلي ناد من الأندية .
ولما طلبت منها توسيع ما بين فخذيها ، ورفع ساقها عند الوقوف ، اعتذرت بشدة . غلب حماري . وعدت إلي نقطة البداية وتملكني الغم .


كيف نغرق المنطقة الواسعة بالبول لنمنع الجني من الهرب ؟
في البراري والغابات ، رائحة بول الأسد سند ملكية الأرض وما عليها وما في جوفها . يؤكد الأسد موطنه بعلامات البول التي يرشها حول مساحة تتراوح بين عشرين كيلومترا وثلاثين كيلومترا .في جيبي صور لعملية ترسيم الحدود عند الأسود ، وكلها تبرز حركة رفع النصف الخلفي إلي أعلي ، وتوسيع ما بين الفخذين . في جنيف لا تجري أسود في الطرقات ، وسرت من شارع " الدجاجة الصداحة "" في اتجاه البحيرة ، مهموما .الوقت ليلا ، والجو مائل إلي البرودة ، وبرزت في رأسي رؤية سديدة ، ما يقلقني منذ الصباح ، تخلصت منه ، ووجدت له حلا .

زحت كابوسا عن كاهلي ، ويتبقى التصرف بحكمة ، وعدم الإساءة إلي كريستينا من قريب أو بعيد . سرت في خط مستقيم علي هيئة مستطيل من شارع " الدجاجة الصداحة " وحتى منظمة التجارة العالمية ثم عدت إلي البحيرة وسرت علي الشاطئ حتى عدت إلي شارع "" الدجاجة الصياحة "" .
درت حول المساحة التي خصصتها لحبس جني نجع البطوطة ، وتأكدت من صلاحيتها ، وأنها أفضل من القمقم . قمت برفع الحدود كخبير هندسي ، وقضايا الحدود هي الشغل الشاغل لمحامي النزاعات الدولية ، ومحكمة العدل الدولية ومحاكم التحكيم من قضية طابا إلي .. ولا تتم عملية رفع الحدود وترسيم العلامات وإقامة الأعمدة إلا علي الطبيعة ، هذه هي الأصول ، اليوم قمت بعملية الرفـع ، وبعد يومين أو ثلاثة تساعدني كريستينا في عملية ترسيم الحدود .
المهمة صعبة ولن تخذلني .

طاوعتني كريستينا كثيرا ، وهذه المرة زادت طلباتي عن المقبول والمعقول والمسموح به في التعاملات بين الأحبة . طلبت المستحيل الفج . أربطها بحبل وأسرح بها كعنزة أو بقرة من شرق جنيف إلي غربها ، لرش منافذ المنطقة بالبول .. كريستينا حاصلة علي درجات علمية عالية ، وذات قلب طيب وتتفهم نوازعي الإنسانية ، ولكن ليس إلي حد الدوران في المدينة عارية أو شبه عارية والدنيا برد لتضع قطرات البول علي الأرض والجدران مثل كلاب الفقراء . رفضت كريستينا أقوالي بشدة وأغلقت باب الأخذ والرد في هذه القضية . ولتخفف من محنتي ، وغضبي المكتوم ، سألتني سؤالا عابرا لا معني له عن سبب مشاغلي هذه الأيام ؟
لم أقل لها شيئا عن الجني والقمقم الصغير ، قلت :
ـ اتفاقيات جنيف وحقوق الناس .

كنا في شقتها ، نصحتني بإعادة الجني إلي القمقم . قالت : هذا أفضل . لا تسرق منه الخلود . طالما الجني في قمقمه فهو في ساحة الخلود ، ربما ينعم بأزمنة قادمة أفضل ، قد يغادر القمقم في آخر الألفية الثالثة مثلا ، أترك له المستقبل .
البنت معها حق . تقبل الجني الحبس في القمقم راضيا غير متذمر من وقت شهرزاد إلي زمن العولمة الحالي . كرجل حكيم ، طلبت منها مسايرتي في أوهامي التي تغرق دروبي .
هذه حكاياتي .
دعتني إلي العشاء ، قالت : الطعام علي مزاجك . بيكاتا . سباكتي بولونيز . وشرائح الأناناس مع لحم الدجاج بالكاري . ما رأيك ؟
لم تكن بي رغبة في الطعام ، كنت مهموما ، طلبت منها الجري في الشقة قبل العشاء ، وافقتني .

قطع نفسي من الدوران في الشقة ، ولم أطلب منها شيئا ـ لم أكن متأكدا من عمق تفهمها لموقفي . وعندما توقفنا عن الجري في الشرفة ، قالت :
ـ صديقاتي يقلن أن كريستينا علي وشك الجنون .
صمت وزاد حزني .
لم تزد . فهمت رسالتها ، لم أقل بعد العشاء نذهب سويا إلي منطقة البحيرة نرش المنافذ ومداخل الطرق . في القاهرة يرشون الشوارع بمادة لقتل الذباب ، وهنا نرش وسط جنيف بالبول .
قالت :
ـ أعددت زجاجات ملآنة بماء الكولونيا لرش المدينة ، كل شارع نقطة ، ما رأيك ؟
وافقتها .
أكلنا وشربنا وضحكنا ، جلست كريستينا وقامت ، ذهبت وعادت مندفعة تصرخ : البول يغرق قطع السجاد والمقاعد والدواليب ؟
لم أكن قد تبولت علي قطع الأثاث سوى مرة واحدة ، وفي نيتي التبول ثلاث مرات علي الأثاث والجدران ، قلت : مساحة للجني . وفي البعيد البعيد رأيت الجني يجلس بجوار مقبرة جدي في نجع البطوطة ملوحا بيده ومخرجا لنا لسانه .

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books