Home
ركن الأدب

اللصوص

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


قصة قصيرة بقلم خالد السروجي


كيف استطاعوا الوصول إلى هذه الخرابة ؟! ألح هذا السؤال على خاطره بعد أن ودع الرجل وأغلق الباب خلفه . 
المرأة والعيال لن يصدقوا أنهم سيرونه فى التليفزيون . صحيح أنه أبيض وأسود ولكن صورتها ستكون واضحة ، وسيتعرفون عليه بسهولة . لن يلوح لهم بيده كما يفعل جمهور كرة القدم ، إنما سيجلس بوقار يتناسب مع بطل . لقد أنسته السنوات ومتاعب الحياة أنه بطل . قام يعبث فى أحد أدراج الدولاب . أخرج صحيفة اصفر ورقها . نظر طويلاً إلى صورته وإلى اسمه المكتوب تحتها . وحكت أيضاً عن ساقه التى بترت فى الحرب وكيف لم تقعده عن الرغبة فى مواصلة القتال ، لولا أن أجبروه على الكف . شعر بالسخونة فى ساقه المبتورة ، وكأنها قد بترت الآن ، وأحس بسخونة الدم النازف. واستعاد الإحساس القديم بأنه على استعداد أن يفقد ساقه الأخرى فى سبيل أن يروى غليله من اليهود. كان على استعداد لأن يفقد ألف ساق . ولكن ما أدراك بفقد ساق واحدة ، وعذاب المهانة بها فى المواصلات والزحام . 
وعدوه بسيارة معاقين ، ولكن مضت السنوات ولا شىء يأتى. فى هذه الخرابة لا تأتى سوى المرارة ، وأيام متشابهة ، وامرأة لا تمل من المطالبة بالمال . المرتب شحيح ، ولولا كشك السجائر بعد الظهر ، لمات الجميع جوعاً . 
ولكنه رغم كل شىء بطل . سيظهر فى التليفزيون ، ويحكى عن بطولات فى حرب النصر . سيقول فى البرنامج أن ألف ساق ليست خسارة من أجل وطنه . وسيحكى لهم عن زملائه الذين استشهدوا، وكيف تعيش أسرهم فى ضنك . سيطالب المسئولين بمساعدتهم . ولكن قبل أى شىء لابد من ملابس جديدة لائقة للظهور فى التليفزيون . سيذهب إليهم بعد الغد ، والأسمال التى يرتديها ربما جعلتهم يطردونه من على باب مبنى التليفزيون . ولكن الظروف لا تسمح الآن بشراء الجديد ، والمرأة سليطة اللسان لن تسكت ولن يرحم لسانها الحاد . 
اقترب من المرأة فى تودد ، وحاول أن يمازحها توطئة لطلبه. وجهها الجهم أقنعه بعبث المحاولة . طفت على وجهه ابتسامة ساخرة مريرة ، عندما جاءه خاطر أن الحرب مع اليهود كانت أسهل من حربه معها من أجل النقود . قرر الدخول إلى الموضوع مباشرة . 
- الظهور فى التليفزيون يحتاج إلى ملابس جديدة .
- وما دخلى أنا بذلك ؟ 
- سأقترض من مصروف المنزل حتى يفرجها الله .
- المصروف يكفينا بالكاد .
- أعدك برد المبلغ سريعاً .
- لست على استعداد لأن يجوع " عيالى " بقية الشهر من أجل ملابسك الجديدة
حاول معها بشتى الطرق ، لكنها كانت صلدة كصخرة . يأس أخيراً من الاستمرار فى الكلام . قرر أن يكف عن محاولاته ، ويبحث عن طريق آخر . 
تذكر شقيقه الأكبر . رجل ميسور الحال . لن يمانع فى إقراضه المبلغ المطلوب ، ولن يطالبه سريعاً برد المبلغ . 
عندما عاد من عند شقيقه ، أخفى المال عن عيون المرأة . قرر أن يشترى الملابس فى الصباح . ستفاجئ حتماً بالملابس الجديدة ، وستسأله عن مصدر المال ، ولن يريحها بالإجابة . 
فى يوم التصوير ، أخذ إجازة من العمل . ذهب إلى الحلاق ، وعاد عريساً . حدث نفسه وهو ينظر فى المرآة أن المرأة لو لم تكن تعلم بذهابه إلى التليفزيون ، لظنت أنه سيتزوج عليها اليوم . ولكنه اليوم بالفعل عريس ، أليس هو البطل الذى سيتحدث فى يوم النصر . 
عندما عاد من التليفزيون ، كان سعيداً . جلس يحكى للمرأة والأولاد ما قاله فى البرنامج عن المعارك والبطولات والشهداء ، وأيضاً الدبابات الكثيرة التى دمرها . وحكى أيضاً عن ساقه التى بترت وكيف بكى عندما منعوه من مواصلة القتال . أخبر المرأة أن البرنامج سيذاع الأسبوع القادم . 
فى ليلة إذاعة البرنامج ، اشترى لهم " اللب " وزجاجات المياه الغازية . لم ينس إخبار كل من يعرفهم بموعد البرنامج . حرص على أن يفتح التليفزيون قبل موعد البرنامج بأكثر من ساعة . لأول مرة فى حياته يشعر بالندم لأنه لا يملك تليفزيون ملون ليرى نفسه وملابسه الجديدة بالألوان الطبيعية . 
عندما بدأ البرنامج أمرهم جميعاً بالإنصات وعدم الكلام . فهم من سير البرنامج أن هناك ضيوف آخرين . أسهبت إحدى المطربات فى الحديث عن دورها فى المعركة بالأغانى الحماسية التى رددها الشعب والجنود . وتحدث ممثل شهير عن فيلمه الذى مجد فيه الانتصار ، وعن ضرورة قيام الدولة بتمويل فيلم عن الملحمة العظيمة يليق بحجم الانتصار . وتحدث أحد الضيوف العرب عن تأثير الانتصار على أسعار البترول ، وعن معركة البترول التى شارك فيها كل العرب . ثم شعر بالاضطراب عندما رأى صورته تظهر على الشاشة . احمر وجهه ، وزاد إيقاع ضربات قلبه . قبل أن يفيق من سكرته ، كان ضيف آخر يتحدث . 
فوجئ أن حديثه لم يستغرق أكثر من ثوانٍ . وبكثير من الغضب اكتشف أن حديثه قد بتر . لم يأت حديث البطولات ، ولا حكايات الشهداء ، وربما لم يلحظ أحد ملابسه الجديدة . 
استند على عكازه ، ومتثاقلاً قام يغلق التليفزيون ، وهو يشعر بآلام حادة تجتاح ساقه المبتورة .

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books