|
|
|
قصة
قصيرة بقلم أحمد الخميسي
من قبل كنت أتابع كل شئ ، ثم توقفت عن متابعة أي شئ . توقفت منذ شهور طويلة
عن شراء الصحف ، أية صحف . لم أعد أفتح التلفزيون . توقفت عن توقيع
البيانات السياسية ، وتوقفت عن النقاش فيما يحدث حولنا . أخبار الأحداث
السياسية الهامة صرت أتسقطها من أفواه معارفي خلال مكالمات هاتفية عابرة ،
أو لقاءات بالمصادفة وسط المدينة . قلت لنفسي : لا شئ يتغير إلي الأفضل .
وكنت أعلم أنني مخطئ ، وأن ما أقوله يعني أنني لا أرصد التغيرات بدقة .
فلابد أن هناك أشياء تتحرك إلي الأحسن وأنا لا أراها . توقفت عن الكتابة في
القضايا السياسية حتى عندما ُضربت رفح على حدود مصر ضربا وحشيا ، وتهدم من
غزة ما تهدم ، وفقد ثلاثمائة ألف فلسطيني نصف دخولهم ، لأنهم شعب يؤمن بأن
الهواء الذي زفرته رئتاه هواؤه ، وهم يقولون له إن ذلك الإيمان تعصب ،
وأننا في النهاية سنحصل عوضا عن بلادنا على مجتمعات مدنية تزهو بتعددية
الآراء وتناقش حقوق الإنسان وليس حقوق الأوطان ، فإذا لم يعجبنا ذلك العرض
السخي فإن قصفا جديدا سيبدأ لتثبيت الإصلاح الديمقراطي وقبول الآخر . من
قبل كنت أتابع كل شئ ، ثم توقفت عن متابعة أي شئ . لكني بحكم العادة
والفضول القديم أشغل التلفزيون من حين لآخر، أشاهد فقط مقدمة النشرة
الأخبارية التي تستغرق أقل من نصف الدقيقة ، وخلال ذلك ، مثل الماء الذي
ترفع عنه السدود فجأة ، تتدفق نعوش أطفال الفلسطينيين من شاشة التلفزيون
إلي صالة بيتي ، يحملها الناس وهم يهرولون بها قبل أن تشن عليهم غارة جديدة
، لدفعهم دفعا نحو الحرية التي يبغضونها لسبب ما . أغلق التلفزيون وأندم
أنني فتحته . لكن طوفان الأطفال الذين ينظرون إلي بلوم يكون قد سرى من
الشاشة الصغيرة وشغل كل فراغ في شقتي . طوفان ، ينظر إلي بعتاب ، وعدم فهم
، نظرة مذنبة ، مشبعة بالرجاء لأنه احتمي بمنزلي دون استئذان ، وشغل كل
المساحات الشاغرة بين قطع الأثاث في غرفة مكتبي وغرفة نومي وفي الردهة
الممتدة من الصالة إلي الحمام والمطبخ . يستريح الأطفال المبتلون بالدم
قليلا من جحيم القتل اليومي ، ويألفون المكان ، ولا يغادرون شقتي ، لأن
الدنيا في الخارج مرعبة . وما أن أنهض من مكاني لأنتقل إلي غرفة أخرى حتى
يسارعون بالسير خلفي مثل سرب من البط الأبيض ، ويتبعون خطواتي أينما توجهت
برؤوسهم المشجوجة ، وشريط الشاش الأبيض الذي يربط الفك السفلي بأعلى الرأس
، لكي لا يسقط الفك في الهواء . صفوف طويلة من البط الأبيض الصغير تسكن معي
منذ شهور طويلة ، وتتبعني كأنها وجدتني وتخشى أن تفقدني الآن ، تتنقل ورائي
من غرفة لأخرى ، وتسارع بالتكدس حول قدمي في المطبخ ، وحين أهم بمغادرة
المسكن يقف البط الأبيض الصغير عند باب الشقة صفوفا ، يمط رقابه النحيلة
الطويلة لأعلى ، يتفحصني ، ويهز رأسه قليلا ، ومنقاره السفلي مثبت بقطعة
شاش إلي رأسه ، ينظر إلي صامتا ، متسائلا إن كنت سأعود إليه أم لا ؟ .
أرجع في المساء ، وأفتح الباب ، فتخفق أجنحة البط الصغير في الهواء ، وتضطرب
صيحاته في جو الصالة ، وتسبح أياد ، وعيون مغلقة ، وعيون مفتوحة ، وكراسات
، وأقلام ، وأحذية وصنادل صغيرة . أخطو بين الصفوف البيضاء محاذرا نحو غرفة
المكتب وتتدافع الصفوف ورائي ، أتوقف أمام باب الغرفة ، وأشيح بيدي له أن
ينصرف ، أريد أن اهتف فيه ، لكنه يظل واقفا ، صامتا ، وعيناه معلقتان بي .
في الليل يملأ البط الأبيض كل موضع في غرفة نومي ، ينعس فوق صوان الملابس ،
وعند حافة النافذة ، وعلى أطراف سريري ، فإذا حركت ذراعي أو تقلبت على جنبي
ارتطمت به . أتطلع إليه ، فيحدق في ، بصمت ، ورهبة ، وأمل . منذ شهور طويلة
وأنا أشعر أن واجبي الأول أن أعيد تلك الكائنات البيضاء الصامتة إلي هيئتها
البشرية الأولى ، وجلودها الغضة ، وصيحاتها ، وقدرتها على السير ، وأن على
بكل ما أوتيت من قوة أن أفك عنها السحر الذي ربطها أمامي هكذا . منذ شهور
طويلة وأنا لا أتعرض للأوضاع السياسية بكلمة . لأن شيئا لا يتبدل ، ولأن كل
ما يمكن أن يقال معروف تماما.صرت أهرب من كل ذلك إلي الكتابة في النقد
الأدبي ، أكتب وأحس بالخجل لأن صوت القنابل الإسرائيلية يكاد أن يصل لأذني
، ويكاد زجاج نوافذ شقتي أن يرتج منه، لكني أسد أذني وقلبي بإحكام ، وأستمر
في الكتابة عن تقنيات القصة القصيرة ، أو التقدم ا لذي حققته الرواية
المصرية . ثم أخرج قليلا أتجول في الشوارع القريبة وأعود . أفتح الباب ،
فتلقاني الأجنحة البيضاء التي تخفق في الهواء ، وتلك النظرات ، والمناقير
المربوطة بقطع الشاش الأبيض . فأشعر أنني كنت أهرب ، كأنني جندي تسلل خلال
القصف ، وترك زملاءه وحدهم هناك ، وهبط من التل المشتعل بالنار إلي أشجار
الغابات البعيدة . يقول لي البعض : " الحياة لا تتوقف ، والنقد ، والصحافة
، مهام ضرورية لا تتعطل " . أقول لنفسي : " بالطبع . يد محترقة لا تمنع
اليد الأخرى من تناول الطعام " . لكن لماذا أحس بمرارة وأنا أكتب ، أو حين
ألتقي بالأصدقاء القلائل ؟ أوحين أشرب كوب الماء وأجد صفوف البط الأبيض
تتطلع إلي بنظرة مبهمة ؟ أحدق فيها هاتفا : وهل أنا المذنب ؟ هل أنا الذي
ألقي بالقنابل كل يوم على الأطفال ؟ هل أنا وحدي الذي ينبغي له أن يفك هذا
السحر الأسود ؟منذ شهور طويلة توقفت عن متابعة أي شئ . كل ما أفكر فيه الآن
تلك الطيور البيضاء التي تواصل نموها في مسكني ، و تتخبط حولي ، وتمنعني من
التنفس أو تناول الطعام ، وتدفعني إلي أن أربط فكي السفلي بأعلى رأسي بشر
يط من الشاش ، ثم أقف متجمدا بين صفوفها ، وأرفع رقبتي النحيلة لأعلى ،
وأمشى بينها في الغرف الفارغة ، نمشي معا بصمت على أمل أن تطرق الباب علينا
يد بشرية .
© Arab World
Books |