لكنها كانت ميتة



قصة قصيرة بقلم حنان صالح


كان الجو رطبا مشبعا والشمس جمرة ملتهبة تحتجب حينا خلف السحاب فتبتهل الأنفس لله أن تختفي ولو قليلا لكنها فى اصرار تظهر لافحة ظهور المارة والسيارات بسياط جهنم
كنت أمرق بين السيارات أصنع بسيارتي مسارات لولبية بطريقة اعتدت سب من يتبعها لاختصار المسافات
شئ رطب يخنق أنفاسي ..جوفى المحترق ظامئ لكوب من الماء المثلج فى شرفة منزلي ..أشتاق لمجرد الوصول لبيتي ..البدايات صارت عبئا لا يطاق ..أصبحت أبقر بطون البدايات الحبلى توقا للنهايات..أسائل نفسي ماذا بعد..؟
فى بداية اليوم أحلم بنهايته ..وفى منتصف العمر تدور فى خاطري أخيلة النهاية ..وفى منتصف الطريق أتأرجح كبندول قلق يكاد يقفز من بين أضلاع الساعة ليرتمي أرضا بلا حراك ..حتى أطفالي عندما يستيقظون صباحا ..أسائل نفسي متى ينامون..متى تأتى الإجازة الأسبوعية متى تنتهي ؟متى ينتهي الصيف والشتاء والخريف..متى ؟
هيا أيها العمر الغبي ..احزم وريقات آثامك فى سلال مهملاتك وارحل
أضم ذراعي على فراغ ..احتضن مقود السيارة ..أتابع الصورة فى المرآة تبدو اللوحة فى الخلفية سيارات سيارات مكدسة ..وطريق مسدود بلا نهاية..وزمجرة محركات تزوم فى وضع الاستعداد لثغرة تفتح الطريق ..سينطلقون على أثرها كوحوش
معدنية تطيح فى طريقها بأي شيء ..إنهم مثلى أيضا يتوقون للنهاية أتأمل تعبيرات وجوههم ..نظراتهم الزائغة ..قطرات العرق تتصبب لزجة من على وجوههم .. ينفخون يبرطمون يسبون .. يختلسون النظرات للإشارة الميتة يجففون قطرات عرقهم .. ثم يصمتون
استحضر تمرينا للاسترخاء فى اليوجا " تذكري منظرا جميلا " وهل أبدع منه يمكن أن أتذكره ؟
هبت ريح من الجنة عندما مر بجانبي ..رائحة جسده المعطر طبيعيا رائحة نداء حار سافر للطبيعة يستثير كل حواسي ..يعدنى بان ألقى حتفي فى أحضانه ..أنا وهو فى حالة عناق ..أغمض عيني أرجع بظهري للوراء ..أسترخى على مقعدي ..تتواتر المشاهد أحاول عبثا أن أبحث عن زر لإيقاف الشريط ..لكنه أيضا كان يتوق للنهاية
تعجلت ياحبيبى كنت أكثر منى رعونة فقد كانت النهاية قادمة تتهادى دون أن نسعى إليها ..كنت أكثر منى لهفة وجنونا إليها ..ابحث عن كلمات تصير موسيقى تصويرية للمشهد "لو أننا لم نفترق لبقيت بين يديك طفلا عابثا وتركت عمري فى لهيبك يحترق"
أبواق السيارات تطلق نعيقها الوحشي فى طبلة أذني ..فتحت الإشارة ..صاح أحدهم بجانبي " إيه ياختى نايمة نيننا"؟
أسير بالقصور الذاتي ..أصل لمنزلي أفتح باب السيارة أفاجأ بقطة صغيرة ملقاة على ورقة جريدة بلا حراك..تتناثر حولها بقايا طعام وتنبعث منها رائحة كريهة ..اخذت أهمس لها " بسسست بسسست " لم تأت بأي حركة عافت روحي المشهد قوة دافعة تطلق الطعام من جوفي دفعة واحدة لم يكن بوسعي إيقافها
بأطراف أناملي المرتعشة .. وجوفي الذى يقاوم الغثيان ..رفعتها لأضعها إلى جانب جدار ..تفتح القطة الناعسة مقلتيها فى كسل .. تحرك رأسها الصغير فى ضيق أكملت مهمتي لكن شعورا طاغيا كان يملؤني ولا أعرف لماذا رغم كل مظاهر الحياة التى بدت عليها القطة أنها كانت ميتة