وطن العصافيرالمحبطة



بقلم محمد سعيد الريحاني


" كل إنسان تعجزون عن تعليمه الطيران
علموه على الأقل أن يسرع بالسقوط."
فريديريك نيتشه،
هكذا تكلم زرادشت
(الترجمة العربية) ص.239



زحف بكرسيه المتحرك على سطح العمارة صوب الطفل الذي يرقب أسراب العصافير المتزحلقة على زرقة السماء ثم ربت بكفه الباردة على دفء الذراع الصغيرة هامسا :
- تذكرني كثيرا بأخيك عباس...
تنهد الصغير، ثم :
- أكان يعشق العصافير أيضا ؟
- حتى الجنون ...
صمت الرجل المقعد قليلا ثم أضاف :
- كان يقضي معظم أوقاته في مكانك هذا، وحيدا، يرقب صفاء السماء ويتابع رقص العصافير وهي تعلو وتبتعد...
وحين لاحظ إصغاء الطفل، استرسل :
"كان مغرما حد الهوس بالعصافير، سألني مرة عن لغة تواصلها، فقلت أنــــــها تغــــــــني وتزقــــــزق، وكــــم أعـ – جـ - بتـ - ـه الـ - فكرة ! فقد صرخ :
- كم هو رائع، ياأبي، الغناء عوض الكلام !...
ثم بحماس زائد :
- والغذاء ؟ !
أجبته بأن العصافير لا تعرف مشاكل غذاء : هي تقتات في أي وقت شاءت ومن أي حقل في الدنيا لأن العالم يصبح أصغر وفي المتناول، ولذلك فهي تختار أماكن إقامتها، ومنها ما يختار الحياة فقط في الفصول الجميلة مهاجرا من شمال الدنيا إلى جنوبها بحثا عن الشمس والغذاء…
لكن عباس فاجأني ذات مرة :
- هل يمكنني أن أطير، يا أبي ؟
نـفيت.
- الأجداد فوتوا علينا فرصة الطيران.
لكنه كان يحتج بانفعال بالغ :
- مالي والأجداد، ياأبي ؟ أنا أسأل عن نفسي …
وأضطر لأعقلن الأمر :
- كان على الأجداد أن يجربوا الطيران من أول الزمان حتى يكتسبوا أجنحة وينقلوا لنا قدرتهم على التحليق ولكنهم لم يفعلوا. ولذلك نحن الآن على الأرض، بلا أجنحة.
- سألصق ريشا على ذراعي وأطير ...
أجبته بأن الأجنحة لا تلصق. الأجنحة، مثل ملامح الوجه، تورث.
- أنا لن أبقى مسمرا هنا، أنا أريد أن أطير...
- لن تطير...
- سأطير…
لقد جربت قبله ما كان هو بصدد التفكير فيه. أنا أيضا كنت طفلا مثله وحاولت الطيران من حافة هذا السطح غير مبال بحشد الجيران في الشارع تحتي، ممسكين بالملاءات من أطرفها وهم يناشدونني ألا أنتحر :
- ما تنتحرش، راه ما عندك لا دنيا ولا آخرة !...
- ما غاديش انتحر، أنا غادي انطير ! ...
- وراه ما عندك لا دنيا ولا آخرة ! ...
لكنني ارتميت من حيث تقف أنت الآن. إنما عوض أن أطير، سقطت عليهم بقوة حتى تمزقت الملاءات التي كانوا ينشرونها لي فارتطمت بصلابة الأرض وتكسرت ساقاي. والنتيجة أمامك : أنا لا أطير، أنا أزحف... لكن عباس، أخاك، ازداد ولعا بحياة العصافير ونسلها وتغريدها إلى أن وجدت نفسي مرة أزحف بكرسي المتحرك لأطل على الشارع، أسفل العمارة، حيث احتشد الجيران لتضميد الجمجمة المشطورة للذي حاول الطيران، تهورا..."
سحب الأب المقعد كفه الباردة عن ذراع الصغير لاستخلاص العبرة من التجربة. لكن الطفل سبقه، ووجهه دائما إلى الأفق البعيد :
- لا تخف، يا أبي، لن أفعل مثلك ولا مثل عباس...
ثم جازما :
- سأطير، يا أبي، وسأنجح في ذلك.