Home
ركن الأدب

رسائل و أحلام  

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
لوحة الرسائل
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


قصة قصيرة بقلم محمد العشري

أتكون أنت الحرارة التي نقت المعدن من الشوائب 
أتكون أنت الحرارة التي تسرى في دمى
ما عدت أشك في ذلك

***** 


هل تذكرين حين كنا صغاراً ، نلعب على ضفاف النهر ، ولا شئ حولنا سوى كوخنا ، والقمر في السماء ينـزل لنا حباله ، فنصعد والضحك يحملنا حتى نصل إلي النجوم ، فنتمشى في ممرات الملائكة ، والأحلام تتجسد في كائنات بيضاء لا تتركنا حتى ننام في فرح لا ينتهي .

*****

وقبل أن نعود أخبرتك أن الناس في قريتي سيلتفون حولي ، وينتظرون أن أحكي لهم عن الأميرة التي أحبتني فأذابتنى ، وأنهم بعد أن يسمعونني ، سيمشون في الطرقات يحكون لبعضهم البعض ، والنساء العجائز سيجمعن الأطفال حولهن و يحكين عنا بلا توقف ، والأمهات سيحلمن لأبنائهن بأميرة مثلك ، وأمي ستعلم أن الله استجاب لدعواتها لي دفعة واحدة ، وسوف تخاف علىَّ كثيراً ، ربما لأنني سأصبح موضع حسد العيون ، وربما لأن الأباء سيوبخون أولادهم لأنهم لم يصبحوا مثلى.
ولأن الجنيات التي تعيش في الحكايات سوف تُهمل بعيداً عن آذان الناس ، فربما يستيقظن فجأة ويدبرن المكائد لنا ، أو تتوقف الدنيا لأنني استطعت أن أحقق أقصى حلم في الحياة .

*****

ما زلنا في السماء والعيون ساهرة ، تنتظر عودتنا ، تناقلت الحكايات عنا ، تبارت في الدهشة ، بررت الحب بالسحر ، رأت صفحات المحبين لم تزل ناقصة وأهم ما فيها نكتبه نحن .
شبَّكنا أصابعنا معاً ومشينا في غابات أشجارها متعانقة ، والشمس من فوقها تنساب في ضفائر من الطيف .. نسينا عودتنا وغمرنا الضحك ، فتعلقنا بالضفائر ، تأرجحنا والفراشات تلحق بنا .. توحدنا مع الطيف ، حملتنا روحانا في قلب واحد وخفقة منا عبرت ملايين السنين في عمر البشر . 

*****

كنا قد توغلنا في ممرات الغابة دون انتباه منا ، والسواد انكب فجأة من كل صوب ، وحين اقتربت منا الذئاب انطبقت عليها الأشجار ، ففرت مذعورة من الصدمة ، وظهر في السماء حارس الليل ، الذي صاحبنا حتى وصلنا إلي كوخنا في نهاية الغابة ، فدخلنا وبقى زوج الحمام يتهدل ويزوم أمام الكوخ .

*****

كنا قد غرقنا في الأحلام والكون يصحو على دقات ساعة كبيرة ، والدفء يسرى في أوردتنا ، أخذ كل منا يدقق النظر في عين الآخر .. لم تكن غير صورة واحدة ، تنعكس من بريق عيوننا ، وتجسد الأحلام من حولنا .
ولم أزل أذكر حين غنيت :
كل السيوف قواطع إن جردت .. 
وحسام لحظك نافذ في غمده
إن شئت تقتلني فأنت محكم .. 
فمن ذا يطالب سيداً في عبده 
فأضحك منتشياً ، وقد أصبحنا عبدين وسيدين في آن واحد . 

*****

في الطريق رأيت الصحراء تحوطني من كل جانب ، والإبل شاردة تفتش عن قطرة ماء فلم تجد ، ظلت تزحف في الرمل إلي أن نفقت في موضعها ، فقمت أعملت السكين في رقابها ، كي أريحها وأجد الماء فوجدتها متصلبة كالصخر على غير العادة ، فمشيت أجرجر حياتي خلفي حتى سقطت. ومن حينه لم أدرى بشيء ، حتى فتحت عينيَّ فوجدت الصحراء قد امتلأت بالأشجار ، والسحاب في السماء يمر برفق ، والأرض مكسوة بالحرير .. ووجدتني منتشياً برائحة عطر تخرج من أيدي ناعمة ، فأيقنت أنني في عالم آخر ، وحياة لم أرها من قبل ، فحاولت جاهداً أن أتماسك، وأنا أتطلع إلي وجه يظللني فلم أقدر ، وسقطت مغشياً علىَّ من فرط بهاء وجهك . 

*****

استقبلتنا رائحة الأفران في قريتي ، فكان للشتاء نكهة أخرى .. متدثران نرقب حبات المطر وهي تنفرط خلف زجاج نافذتنا ، وثمة وقع إزعاج يتواري في ابتساماتنا لمن يأتوا إلينا في زيارات عائلية، وللهدير الأتي من القنوات المائية دلالة أخرى ..كل ذلك يختلط بأصوات كثيرة ، فتقولين: 
- لا .. لا يضحك الماء هكذا .
ولليل في قريتنا واجهة لم يرها بعد النائمون في القرى المجاورة ، وللحقول و المتنـزهات العامة فائدة أخرى لا يعرفها غير المحبين ، أيضاً كثير من الأغلاط في أدمغة الناس ما زالت حاضرة وهم يدقون عيونهم في أيدينا المتشابكة ، فيطلقون خيالاتهم لتمشى خلفنا ، يبصون علينا ، فيجدوننا نتدفأ خلف النافذة بدثار الدهشة ، ونتغذى برائحة الأفران قبل أن تطير. 

*****

وهناك قلت لأبى أن طيور الحب حين تهبط من السماء لا تبحث عن الذهب ، لكنها تبحث عن الدفء والأمن في العيون ، بعد ذلك تستكين وتبنى أعشاشها في صدور الطيبين ، ويكفيها حبة أرز ، وقطرة ماء ، وعش دافئ .
وقلت : 
- ألا ترى كل ذلك في وجهينا .
فسكت برهة وأطلق ابتسامة .. وعيناه فرحانتان ، قال :
- كلما نظرت إليكما يخيل إلىَّ أنني أرى البجعات وهي تنقل أقدامها من مكان لآخر في رقة متناهية ، ومن خلفها راقصات الباليه يمشين على أظافرهن ، ويفتحن عيونهن على صوت أجنحة الفراشات ، ومن بعيد تأتى الموسيقى خافتة ، تمتزج بالسكون ، وحركة الموج الناعم في منتصف النهر تلمس أوتار قلبي ، ولا تتركني حتى أستلقي من النشوة ، فيالها من أحاسيس رائعة تندفع في وجهي بمجرد أن أراكما . 

*****

عبرنا النهر إلي الفرع الآخر تجاه رشيد ، والجدة نجلاء تصحبنا إلي داخل القصر ، والتفاصيل على الجدران تنبئ بأن كل شئ يمر ولم يبق سوى وقع عربات الجياد معلقاً في الآذان ، وتنورات نساء من القرن التاسع عشر مشجبة في الدواليب ، و بعض النياشين مصلوبة على الجدران .. 

كل شئ يمر وتتحرر الغادة من البراويز المذهبة ، دافئة وهائمة تلتقين بي ، فننطلق ولا شئ يمنعنا ، لا شئ يوقف النهر ، فنمر خلسة من نافذة القصر ، و ننفض الغبار العالق بالتاريخ . 

وحدنا تحت أشعة الشمس ، نعود إلي طفولتنا ، ننصهر ونذوب ، نجرى خلف عربة الجياد ، وحين تقف ينـزل الجد وقد ترك كل الملامح الصارمة ليستريح بين ذراعيَّ الجدة نجلاء وأصبح لا شئ باتساع صدريهما ، فكل شئ يمر ، و تبقى العيون المستريحة بالحب والهواء الطلق .. ونهر من الحب ينهمر في قلبينا ، و الشمس في السماء تعلمنا أن نمر علانية ، فألف عام وعام ليست كافية لعمرنا .

*****

بينما الدنيا تحتفل بأعياد الميلاد ، كنت نائماً على ضفة النهر ، بينما الماء ينحسر عنى رأيتك طالعة من قاع النهر ، لمستني بأصابعك فتلألأت النجوم أكثر وابتسم القمر .
كنت أبحث عنك في الزمن القديم ، ولم أكن أعلم أنك ستخرجين لي من داخلي .. فما أجمل الدهشة التي تنعقد وتتسامر حولي وأنا غارق في حكاياتك .. 
فهل ما زلت تسرحين على المائدة ، وتتركين العيون تخمن أن وراء ذلك أمراً ما .. هل ما زلت تنسقين آنية الزهور ، وتتنفسين بعمق حين أمر بخاطرك فيضبطك جدك ويبتسم بطفولة لذيذة .. هل تنامين وتتركين النافذة مفتوحة كي أطل عليك .. هل تسارعين إليَّ فتجدينني في انتظارك أقرض أظافري .. هل أصبح حبنا ظاهراً إلي هذه الدرجة ولا نكتفي ، فما زلنا نحلم والشمس في منتصف السماء .

*****

بالأمس جذبتني ربة السحر ألقتنى في بئر عميق ، وما زلت أتدحرج نازلاً ، و أسراب من الأحلام التفت حولي وانطلقت بي بعيداً ، في بلاد لا أعرفها ، ولم يكن فيها إلا أنت والفراشات وصيفاتك يحملنك من بلد إلي أخرى .. تلك مبان عتيقة ، وبوابات عملاقة ، وأقبية بيض ، ومآذن عالية ، والناس متخفية خلف أقنعة يبحثون عن ملكة لهم .
وتلك مروج خضراء ، وسهول منبسطة ، وأنهار جارية ، والزهور تنشر رائحتها كي تغريك بالبقاء .. وأخرى صحراء قاحلة ، وأودية جافة ، وشمس حارقة ، ومن بعيد خلف السراب خيمة من البلّور ، مشبعة بالندى والريحان ، وحارسان عملاقان يفرشان الأرض تحت قدميك باللؤلؤ كي تدخلين قليلاً فتضربين جناحيك في الهواء وتبتعدين . 
ومدينة فوق السحاب ، أعمدتها من الضوء ، وسقوفها مطر قرمزي ، وأرضها جنة فيروز ، وملائكة تقيد المردة ، وتفتح خزائن سليمان ، فتشيحين بوجهك ولا تنظرين حتى لمجرد الفضول ، وساحرات شريرات من خلفي يحاولن بخبث أن يجعلن رموشي تنغلق لثانية واحدة عن رؤيتك والكون يترقب حركتك ..
كنت ترين كل ذلك فتضحكين وتأتين إليَّ تكشفين صدري ، وتدخلين قلبي برقة ، والنحل قابع في ركن الكوخ ، تسقط منه قطرات تروى الأرض وتنبت الزهور .. ويذوب كل منا في الآخر .. معاً نرسم فضاءً بعيداً عنهم ، فكثيرون يحاولون خدش أحلامنا .. كثيرون ولا يدركوا أننا نفوق الماس صلابة بحبنا ، فعذراً لهم فهم لا يشعرون .

*****

خمسة وعشرون عاماً مرت وتحققت النبؤة ، فها أنت كنت تعيشين واهبة نفسك للنهر ، وطلاسم الكاهن منعقدة حولك ، فلا يقدر أحد أن يقترب منك أو أن يحرك ما بصدرك ، فيتواري خلف انكساره ، مصاباً بلعنة الآلهة .
خمسة وعشرون عاماً وتحررت من رداء نجمة الصباح ، ودخلت البحيرة خلسة من الآلهة فرأيت حية سوداء تلتف في دائرة ، وتمسك بقدم عصفور بين أنيابها ، وعيناها تدمعان ، تستعطفه أن ينـزع ريشه ويبقى على الأرض بجانبها ، وحين رأتك ارتعبت وانكمشت على نفسها ، فرت مذعورة إلي الغابة ، والعصفور طار محلقاً ، حطَّ على كتفك ومنقاره يمسح رقبتك ، وعيناه مغمضتان أخرج حروفاً وطلاسم من شعرك برجليه ، دار حولك واختفى خلف شجرة ضخمة فجريت إليه .. رأيته وهو يسرج حصانه .. مد إليك يده وأركبك خلفه وطار عالياً . 

*****

وهاهم ، ترينهم من فوق يؤدون صلاة النهر ، وقد احترق الكاهن حين فك الفارس طلاسمه ، وعاد من هيئة العصفور .. وأنت في السماء تحتضنين جذع الفارس بقوة ، وتكتشفين أشياء تغرقك في نهر الأحلام .. وأصبحنا بعد كل عام نلقى للنهر زهرة فيهدأ ، ويفيض على الضفتين .. 
وحين نرى الماء يُشبع الأرض والناس تبتسم .. أشير إليك ، فتركبين خلفي على حصاننا الأبيض ، نجوب معاً في ردهات السماء . 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books