|
|
|
قصة بقلم
محمد عبدالله الهادي
كانت تباهي بدارها الصغيرة التي تقع علي حافة المدينة بعيدة عن الزحام ، وكان
المرج الأخضر المجاور يحمل إليها الهواء المعبأ بأنفاس البرتقال والنعناع
البري ..
لكنهم عندما جاءوا واحتلوا المرج سدُّوا عليها المنافـذ ، نصبوا وحدات
مستوطنتهم ، واقتلعوا شجيرات البرتقال ، وجرفوا أحواض النعناع ، وأحاطوا
أنفسهم بالأسلاك الشائكة . لم يكن بيـدها أو بيـد " أبو مازن " فعـل شئ ..
كانا في وقت العصر يجلسان سوياً أمام الـدار ، يتطلعان للزرقة اللانهائية
التي تأخذهما حتى البحـر ، وكانت البنات علي مرتفع المرج الأخضر يصنعن
لهوهن البريء ، الآن خلتْ الـدار ، تعلقتْ كل بنت برقبة زوج ، وجرتْ سنوات
العـمر ..
عندما أطلُّوا عليها من خلف الأسلاك ، أهالها كم الحقـد والضغينة اللذين سقطا
علي دارها الصغيرة من أعينهم . نثرت نثار بخورها علي الجمرات بالمبخرة ،
وطافت حول الدار سبع مرَّات وهي تتمتم بالمعوذتين . عندما أطالتها أفواههم
بالشتائم والسباب ، لم تفهم شيئاً مما يقولونه ، نظرت لـ " أبو مازن "
وضحكتْ ، وشرعتْ إصبعها في وجوههم وهي تردد : " حـد الله بيني وبينكم ..
حـد الله بيني وبينكم " . لكنهم في توالي الأيام راحوا يتخلصون من نفايات
المستوطنة بإلقائها علي الـدار الصغيرة ، واضطرت مع " أبو مازن " أن يقضيا
وقتاً طويلاً في تنظيف المكان كل يوم . ولم يكن بيـد أي منهما فعـل شئ ـ
فيما بعـد ـ عندما انهالت عليهما قطع الحجارة من وراء الأسلاك ، ولا حتى
الطلقات النارية التي كانت تشق سكون الليل فوق سقف الـدار وتوقظهـما
مفزَّعين في عـز اللـيل . كانا يؤملان بأن أهل الخرافة خلف الأسلاك لابـد
وأن يتعـبوا في يومٍ ما ، وأن يصيبـهم الملل ، ويتركونهما في حالهما ،
وينسون أمـر الـدار ..
لكنهما صبيحة هذا اليوم ، قفـزا من فراشهما مفزعين علي صوت هدير آلة ، ظنا
أنها تمشي فوق رأسيهـما . ولمَّا خرجا فوجئا بشعب الخـرافة وقد اقتلعوا
الأسلاك وأحاطوا بالـدار ، ورأيا الجرَّافة الضخمة تغـرز أسنانها الوحشية
في الحائط ، قفزا سوياً في لحظة واحدة أمامها ، احتضنا متشابكـين ، تكورا
معاً كرةً من اللحـم الحي ، تمتما بالشهادتين اللتين طارتا لأعلى في الزرقة
اللانهائية التي أخذتهما صوب البـحر ، واستنشقا سوياً مرَّة أخـرى أنفـاس
البرتقـال والنعنــاع البرِّي .
**********************
أول الصفحة
© Arab World
Books |