دائرة مفرغة

"انظر إلى اليمين و اسعل"
أطاع الشاب الأسمر الذي يقف رافعاً جلبابه كاشفاً عن نصفه الأسفل الأمر الصادر عن أحد زملائي ، في حين مد آخر يده ليمسك بكيس صفنه ليحس انتقال النبضة إليه...
" ما الحالة اليوم؟" يسأل طالب آخر وصل للتو.
أجيبه بالإنجليزية : " دوالي خصية "
أقف في شبه الطابور المتكون حول الشاب المتعري و أنشغل بالتطلع إلى وجهه، والتساؤل حول ما يدور في رأسه بتلك اللحظة..
هل يشعر بالإذلال من طابور الغرباء الذي عليه أن يسمح لهم بتحسس جسده؟ أم أنه ذكوري لا يمانع قيام البلهاء باللهو بخصيتيه ؟ أم أنه - ببساطة - لا يفكر في الأمر و ما في وراءه إلا على أنه واحد من المراحل الروتينية للإقامة في المستشفى (الميري) ، مضايقة صباحية عليه تحملها حتى تمر ، أم أنه يتمتع بنظرة متسامحة من التي تميز المرضى العجائز : " تعلموا علينا لتصبحوا أطباء ناجحين ، و لكن عندها لا تنسوا الغلابة! "
"المهنة؟"
أجيب: " أمن مركزي"
وأتذكر تعليقاً ساخراً لأحد زملائي بأنهم يختارون جنود الأمن المركزي بناء على إصابتهم بدوالي الخصية ! إلا أن الأمر في الحقيقة لا يعدو كونه مرضاً شائعاً في فئة الجنود العمرية (10% من الذكور الشبان) يستغلونه للحصول على إجازة مرضية يقضونها في الإعداد للعملية ثم النقاهة منها . أفكر أن أسأله عن مدى صحة الفكاهة الشهيرة عن طريقة اختيارهم إلا أنني تراجعت في اللحظة الأخيرة ، إذ بدا لي أمرأً شديد السخافة أن أسأله إذا ما كان ظل واقفاً في المنتصف !
" هل حضرت المحاضرة صباح اليوم؟ "
" كلا "
إلا أن ما رغبت حقاً - ودوماً - في سؤال هؤلاء الجنود عنه هو ما يدور في أذهانهم لحظة قيامهم بتكسير عظام متظاهر خارج أسوار الجامعة أو بتفريق اعتصام عمالي في أحد المصانع .
هل هم ملائكيو التفكير خدعهم ضباطهم وأبلغوهم أنهم يهاجمون ( أعداء الوطن؟) أم أنهم ينفذون أوامر عليا من قيادتهم - نفس القيادة التي دربتهم حتى قاربت على نزع آدميتهم منهم إذا صدقنا كلام الجمعيات الحقوقية : ( اشرب ويسكي ، العن أمك .. الخ كما ألقت الصحف الضوء بعد غضبة عام 1986) . كلهم - كمريضنا الشاب - سمر الوجه ، يبدون للمراقب غير المنتبه متشابهين ، " فلاحين" كما يصفهم أهل المدن للدلالة على سكان المحافظات الزراعية ، أراهم كل يوم أثناء دخولي مبنى الجامعة ، اعتدت أن أنظر إلى عربات نقل الجنود والمطافئ ومدرعات مكافحة الشغب كعصا مرفوعة من قبل النظام فوق رؤوس الطلاب حتى لا يندفعون كثيراً أو بذ aيداً وراء حماسهم و شبابهم . إلا إنني عدت لأنظر إليهم نظرة أكثر واقعية فهم - مهما كان - ليسوا عصياً ، فناقلات الجند المرابطة أمام مبنى الجامعة مليئة بالجنود المتراكمين فوق بعضهم والذين عليهم البقاء في هذا الجو - الخانق كما أتصور - من الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً. 
إذا وضعنا هذا في حسباننا أضفنا إليه المعروف عن ظروف إقامة هؤلاء الجنود وكيفية معاملة الضباط لهم لصار مفهوماً لماذا تكون الإقامة في المستشفى الميري البائس مع جراحة في الخصية و (تفعيص) مستمر ترفاً يسعى إليه هذا المريض.
ترى هل يتأملني المريض كما اتأمله الآن ؟ هل يشبه أحدنا أحد الطلاب الذين تلقوا ضربة على الرأس بعصاه ؟ أيكون هذا الجندي هو ذاته من أطلق رصاصات الرش التي اخترقت صدر محمد السقا منذ ما يزيد على العام ؟ كيف يا ترى يبرر هذا الجندي لنفسه أفعاله ؟ نظرية المسؤولية التراتبية hierarchy ؟ فهو لا يزيد عن كونه عبد المأمور…
بصراحة ، هذا الجندي المسكين له الحق - كل الحق - في استخدام هذه النظرية فهو أكثر إقناعاً من ( البهوات ) ضباط الأمن المركزي الشبان - مرتدو النظارات الشمسية التي لا تقل لمعاناً عن شعرهم المدهون بالجل ، بفك ينم عن قوة الشكيمة وحزام يتدلى منه كل المستلزمات العصرية : المسدس والمحول - كل في جرابه - و للاسلكي تقبض عليه اليد في قوة - عندما يحتمون بهذه النظرية التراتبية لتبرير أي فظاعات - فهم حتى لا ننسى أبناء الطبقة الوسطى المتدينة - فهم يرتكبونها لأن الأوامر تأتيهم من الأعلى ، و هم في الوقت ذاته لا يرتكبونها لأن من يقوم بها فعلاً هم الجنود أمثال مريضنا الشاب...
أم أن الجندي يؤمن حقاً بأننا أعداء الوطن ؟ و لكنه يمكنه أن يرانا الآن ، لا أدعي لطفاً خاصاً في هذه المجموعة من الطلاب ولكن أياً منا لا ينقش نجمة داود على ذراعه ! كيف ينظر إلينا يا ترى ؟ مجموعة من الشباب يملكون ترف الاعتناء بمظهرهم ، يرتدون ملابس لا يحلم هو يوماً بارتدائها ، أبواب المستقبل مفتوحة أمامهم : أطباء شبان لامعون ، يرتفع رنين هواتفهم الخلوية فينتحون جانباً لكي يحدثوا - بالطبع - فتياتهم بارعات الجمال ..
طردت هذه الفكرة التي بدت لي محاولة للي عنق الأحداث لكي تصب في مسار ماركسي - طبقي في النهاية ، فأوناسيس لم يكن يوماً من طلاب جامعتنا ، و الكثير من الواقفين هم أيضاً "فلاحون" - إذا استخدمنا الوصف الاستعلائي المدائني- يحملون نفس ملامحه ويتبسطون في حديثهم معه سائلين عن قريته وعن أصوله ، وسواء وافق هو أو لم يوافق ، حقد علينا أو لم يحقد، فهو مضطر ان يكسر عظام الهاتفين لفلسطين إذا حاولوا أن يخرجوا بهتافاتهم خارج أسوار الجامعة....
عندما وصلت هذه النقطة تكشفت أمامي - أو هكذا ظننت - ملامح الصورة ، أمسك أنا بخصيته اليوم وأضغط ويمسك هو غداً بخصيتي ويضغط ، تنفيذاً لأوامر من يمسكون به من ضباط ، يمسك بهم في سلسلة من الخصيات والضغطات قادتهم ، حتى أعلى ضاغط . ولا تقتصر اللعبة على هذا المسار فقط ، فكل المجتمع مقسم إلى متواليات متشابكة شديدة التعقيد يمسك كل منها بخصية الآخر ويضغط توطئة لحدوث العكس ، بل واندمجت في تصوري لأرسم صورة لعالم امتدت فيه سلاسل الإمساك والضغط لتصبح عبر دولية وعبر قارية ( شكراً للعولمة !)...
عندما وصلت بأفكاري هذا الحد ، كان المريض قد تمدد على سرير الكشف في حين رفع طالب آخر كيس صفنه ليشاهد تفريغ الدم من الأوردة ، هنا انتبهت وقلت : " لم أفحصه بعد !" . دمدم المريض متبرماً : " كفاية كده بقى!". قلت له : " معليهش ، خلاص ، آخر واحد يا ..."
ارتسمت على شفتيَّ ابتسامة لأنني لم أهتم بمعرفة اسم المريض في حين أحاول أن أكون في أفكاري انسانوياً humanist ! ترى أي مستقبل ينتظرك يا مجهول الاسم - قلتها باللاتينية anonymous - ؟ تعود إلى أرضك - جنة الفلاح الذي يتمدد على أرض براح - لتزرعها بحبك وحنانك كما يفكر اليساريون الرومانسيون ؟ أم هجرة لتعمل فاعلاً في أحد دول الخليج ؟ أم أنك سترغب أن تواصل طريقك في الأمن المركزي لتصبح بعد ثلاثين عاماً صولاً عظيم الشأن بثلاث نجوم ؟ مهما فعلت فستظل الابن المثالي للبروليتاريا - ماركسياً - ، للمستضعفين - إسلامياً - ، لمحدودي الدخل - حسب رئيس العصابة ....
أمد يدي لأحس بالأوردة الممتلئة بالدماء على الناحية اليسرى - التي شبهها الأطباء الإنجليز يوماً بالديدان - ثم أقترب برأسي من الناحية اليمنى لأتحسس الخصية اليمنى ، إلا إنني اقتربت زيادة عن اللزوم إذ أدارت رائحة العرق والعفونة رأسي فابتعدت مشمئزاً واختطفت قطعة قطن مبللة بالكحول بسرعة و أنا أقول بالإنجليزية : " يا إلهي ، مقزز ".
ابتسم بعض الواقفين و ضحك البعض الآخر في حين هز المريض رأسه هو الآخر وابتسم في عدم فهم .

29 - مايو - 2003