Home
ركن الأدب

عش العصفور

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


قصة بقلم سلوى الحمامصى


تراءت لها الأشجار الكثيفة وهى تجرى من خلف زجاج النافذة،كانت سيارة الأجرة تنطلق بسرعة، بدت لها معالم المدينة الإيطالية كما تركتها، فلا زالت تلك المدينة السياحية تحتفظ بطابعها الارستقراتى الكلاسيكي ، تسع سنوات ليست مدة قليلة لان تظل كما هي،إلا أنها لم تتغير كثيرا .
كانت هناك بعض الحوانيت والمتاجر الجديدة وبعض الترميمات للمباني الأثرية القديمة والتماثيل الضخمة مما زادها جمالا وروعة وبهاءا اكثر مما كانت عليه من ذي قبل.

سريعا وصلت السيارة إلى المكان المنشود، تنبهت على صوت الفرملة الهادئة وصوت السائق وهو يحدثها ويشير بإصبعه إلى العداد ،اعتدلت في جلستها وناولته الأجرة وبيد مرتعشة أطبقت على مقبض الباب وجذبته لاسفل فانفتح ،خطت بإحدى قدميها لتلمس إسفلت الرصيف وبتردد أنزلت قدمها الأخرى أغلقت الباب ،لم تغلقه جيدا فمد السائق يده ليغلقه بشدة وينطلق ليتركها في مزيج من الارتباك والاضطراب والترقب.
خطت بضعة خطوات ،فإذا بها أمام فيلا صغيرة، كانت على وشك الدخول لولا أنها تنبهت لصيحة أطلقتها طفلة صغيرة من داخل الفيلابالانجليزية:سألعب بالحديقة.
بدت لها الصغيرة وهى تلهو فىالحديقة فتركب الأرجوحة الصغيرة ،ابتعدت بسرعة كيلا يراها أحد، كيف تدخل؟ فليس من حقها الدخول الآن. هرولت مبتعدة، عبرت نهر الطريق
شعرت بالامتنان لوجود مقعد خشبي بإمكانها التمتع الآن بمشاهدة الفيلا بدون أن تثير التساؤل بشان وجودها في هذا المكان ،أين هذه الطفلة الصغيرة من طفلة أخرى تعرفها جيدا كانت تجيد التأرجح على ذات الأرجوحة دون توقف ،
–كفى عن اللعب يا ملك؟! إنه وقت الغذاء . 
- دقيقة واحدة واحضر يا أمي .
هبت واقفة بعد أن تنبهت لصرخة و بكاء الفتاة الصغيرة نتيجة سقوطها على الأرض، و دون أن تدرى عبرت الطريق وهرعت لنجدة الطفلة فحملتها وأخذت تهدأ من روعها.ويفتح باب الفيلا ليخرج منه شاب وهو يسرع نحو الفتاة متحدثا بالإنجليزية، ماذا حدث؟
- آسفة لاقتحامي المكان على هذا النحو، لقد سقطت الطفلة فدخلت لمساعدتها.
وعلى الرغم من أن الحوار كان بالإنجليزية، إلا أنها لاحظت أن ملامح الفتى تبدو مصرية فسألته عن ذلك فأجابها بأنه مصري بالفعل،
كان ذلك هو اللقاء الأول ،ولم يكن الأخير، وتوالت اللقاءات بعد ذلك ،فعرفت انه يعيش مع أخته وزوجها لفترة مؤقتة لحين انتهائه من رسالة الدكتوراه التي بدأها منذ شهور واوشكت على الانتهاء وانه ينوى العودة إلى مصر بعد ذلك لعمل مشروع هندسي هناك وأنه يحب مصر كثيرا ، أما هي فذكرت له أنها كانت تعيش هنا في روما اجمل سنوات الطفولة، وإنها كانت تتمنى العودة إلى هذا المكان بأية طريقة بعد ان انتهى فترة عمل والدها الأستاذ الجامعي، وكيف سعت لاقتناص فرصة وجود منحة دراسية للمتفوقين الأوائل في كليتها فىهذا البلد، وكيف إن ذلك كان هو الحافز الأول لها للاستذكار والتفوق ،وكيف بذلت الوقت والجهد وساقت القريب والبعيد لاقناع والديها بان يسمحا لها بالسفر لتلقى هذه المنحة خوفا منهما عليها، وتحسبا لما قد تفعله عندما تعود إلى مسقط رأسها إيطاليا ، فقد كانا يخشيان أن تظل هناك إذا أمكنها ذلك لتبنى مستقبلها كما كانت دائما تردد .
وعدت الشهور عدوا لم تشعر بالوقت وهو يمر،كانت تبدا يومها بمحاضرات الفن ،وتنهيها بلقاء معه،لم تستطع أن تمنع نفسها من لقائه رغم أنها كانت تعرف انه سيأتي يوما ويعود إلى مصر.
في يوم دعاها للشاي في الفيلا ليعرفها على أخته، كانت سعيدة جدا في ذلك اليوم ،فقد نجحت فىمقابلة عمل – كانت قد والت البحث عنه منذ مجيئها،فتارة تلقى رفضا ،وتارة تشعر أنه عمل لا يليق بها – كان العمل هو، مصممة رسومات في إحدى مكاتب الدعاية، كانت سعيدة جدا لان هذا يعنى إنها ببعض الإجراءات التي لا يهم أن تطول أو تقصر ،سيمكنها الحياة فىروما مرة أخري.

أما سبب سعادتها الأكبر ،أنها ستدخل "الفيلا" ،لا تعرف كيف ستتمالك نفسها في هذا المكان الحبيب إلى قلبها، فعلى الرغم من كونها فيلا قديمة صغيرة إلا أنها تلقى في نفسها كل الحب والتمنى،ترى هل كانت الفيلا وراء انجذابها له وحبها ؟ ابتسمت من فورها، أيعقل هذا؟ ! كما أن الفيلا ليست له، بل لأخته !
وحان موعد الزيارة،تأهبت لها، بدت في أوج جمالها ،لم تكن في حاجة إلى أية مساحيق ،فقد اعتلى وجنتيها احمرار و كان كافيا .
لم تدر كيف وصلت إلى هذا المكان،لاحت لها الفيلا اجمل واجمل عما رأتها في الماضي، أنها تكاد تسمع قهقهات أخيها وهو يجرى منها سارقا عروسها وهى تتبعه مغتاظة باكية وتتوعده بإخفاء لعبته المفضلة المرة التالية لولا تدخلت مربيتها السوداء وأعادتها لها، مربيتها! ترى أين هي الآن؟
همت بالضغط على زر الجرس،عندما لمحت مربية عجوز محنية الظهر من خلال النافذة الأرضية وهى تقترب لتفتح الباب، رحبت بها بعربية ركيكة ،دعت ملك للدخول، دلفت للداخل،راقبتها وهى تبتعد إنها تشبه مربيتها السوداء القديمة، ملامحها،هدوءها ، أطلقت تنهيدة ، ثم وقفت في رهبة تتأمل المكان،بدا لها المكان متغيرا ،كانت الجدران مكسوة باللون الفستقي ، ويغلب الطابع الأمريكي على الأثاث ، حيث تتمازج زهوره زاهية اللون معا،والستائر من نفس لونه ،كل شئ مختلف ، تسمرت مقلتاها على جسم ضخم اسود! سمحت لنفسها أن تقترب لتتحسس البيانو الأسود القديم ،تركته صاحبة الفيلا عندما رجاها والدها بتركه لولعه بالعزف عليه ،يا لها من مفاجأة !إنها تذكره جيدا ،تتحرق شوقا للعزف علي أصابعه ضمت يديها وبتثاقل شديد أبعدتهما عن البيانو.
أحيانا تصف نفسها بالبلهاء ،تسع سنوات كافية تماما لان تغير المكان وعلى الرغم من ذلك فإن رائحة المكان لم تتغير! نعم! فلازالت شجرة الياسمين الرقيقة العتيقة ترسل عبيرها المميز فتعبق المكان بشذا مسكر يدغدغ الأعصاب .

لم تستوعب نصف الحديث الذي دار بينها وبين احمد وأخته ،كانت مأخوذة تماما بالبيت الذي طالما حلمت بالعودة إليه .
وانتهت الجلسة الدافئة،عرض أحمد توصيلها ، وفى الطريق بادرها :
عرفت انك وجدت عملا.ألن يكون مرهقا لك مع الدراسة؟
ضحكت ملك بعذوبة:
-من أين تأتى بهذه الأخبار؟
- لدى مصادري الخاصة، ولدى خبر جديد !فرصة عمل جديدة في مصر؟
اعتراها الانزعاج :
-لم اعتقد انك جاد فعلا في العودة؟
أشاحت بوجهها بعيدا ،لم تتصور انه سيعود فعلا إلى مصر فبإمكانه إيجاد فرصة هائلة للعمل هنا.
-ملك ،هل ستعودى معي؟ أم ستبقين ؟
لم تستطع أن تنبس ببنت شفة ،لقد عزف ببراعة على أوتار قلبها والان وصلا إلى مفترق طرق ،فهل بإمكانها التراجع عن حلم راودها طويلا.

مضت بضعة شهور تحاشت فيها لقاءه ولو بالمصادفة خاصة بعد أن انتقلت للعيش مع أسرة صديقة إيطالية قديمة لها وكان من الصعب عليه الوصول إليها،و لم يكن يسيرا عليها الفراق بعد أن ارتبطت و أحبت لاول مرة ،و كان كلما اقترب موعد سفره دفنت نفسها في العمل الجديد وإجراءات الإقامة التي لم تكن لتنجح لولا مساعدة أحد تلاميذ والدها -الذي أوصاها أن تلجا إليه إذا احتاجت شيئا .

تواصل العمل ،يمضى الوقت ،لايهم ما تلقاه من تعب وإجهاد ،لا تأبه بمشاكل العمل ،تلميحات رئيسها فىالعمل لا تعيرها انتباها ،توقعت كل ذلك ،تصرفت بحكمة وذكاء عندما استوقفته ذات يوم بكل بهدوء وأقنعته بأنها ليست له .

أرهقتها الوحدة على الرغم من وجود صديقة طفولتها الإيطالية ونزهاتهما معا ،لقد ترك ورائه فراغا كبيرا ،شعرت ذات يوم بحنين إلى رؤية بيتها القديم،استقلت سيارة أجرة ،كانت ستكتفي بطلة من خلال نافذة سيارة الأجرة ألا أنها لمحت لافتة معلقة بالباب الحديدي للفيلا الصغيرة ،استوقفت السائق كي تتمكن من قراءتها،" للإيجار" ،فركت عينيها جيدا لتتأكد مما قرأت ،غير معقول!هل سافرت أخته أيضا؟ أم ماذا حدث؟لا يهم ما حدث الآن ،لقد واتتها فرصة استرداد بيتها العزيز مرة أخرى ، لا تصدق،ترى هل سيكون بمقدورها توفير قيمة الإيجار؟ ربما! طلبت من السائق –الذي أوشك صبره على النفاذ من تلك التي تحملق في شئ لا يفهمه-الاتجاه إلى العنوان المدون في اللافتة ، عنوان صاحبة الفيلا.

لا تعرف من أين جاءت بكل هذه اللباقة والحكمة اللتين أقنعت بهما صاحبة الفيلا العجوز بان تخفض في قيمة الإيجار قليلا ،وذكرتها بان والدها كان مستأجرا لها من قبل لمدة تسع سنوات .
باتت الحياة تبتسم لها ،بدأت تشعر بالراحة ،بأنها في المكان الصحيح ،اضطرت للعمل ساعات إضافية حتى تتمكن من مواجهة الأعباء المالية المطلوبة منها، فهي تريد أن تعيد تجهيز المنزل ليصير كما كان عليه من قبل أو اقرب ما يكون إلى ذلك .

و بعد شهور،وقد انتهت أعمال الدهانات والصيانة وشراء أثاث جديد ،أخذت تتأمل في المكان ،نجحت في جعل المكان مشابها لما كان عليه في الماضي ،فانطلت الجدران باللون الأبيض المتشرب بالحمرة، نفس ترتيب وضع الأثاث الذي يتماشى مع لون الجدران ،الكرسي الهزاز الذي اعتاد والدها الجلوس عليه بالقرب من المدفأة،منضدة الهاتف ليست ببعيدة عنه، البيانو اسود عتيق،لكن أوتاره صارت مشدودة قوية .

هذا هو مكانها الصحيح ،هنا بيتها، أحلامها، مستقبلها،هي الآن سعيدة،يملاها الفرح ،شعرت بحبات دافئة تجرى على خديها الذابلين من شدة التعب والإجهاد، تذكرته! لقد خيرها، وقد اختارت! جففت دمعها سريعا ،لقد حققت حلمها ، ولابد له من ثمن.

احتضنت بعينيها كل شئ ، الجدران والأثاث وشجرة الياسمين التي زرعتها مع أبيها منذ سنوات وفروعها الرقيقة ترسلها متدلية متراخية فتداعب حافة النافذة وهى تهتز في نشوة بالغة كأنها تحتفل بملك ، تبدى حفاوتها وترقص على نغمات أنشودة قديمة تعلمتها ملك وهى صغيرة وجلست تعزفها على البيانو. 

  **********************

أول الصفحة


 © Arab World Books