Home
ركن الأدب

البلاد المضيئة فى قاع النهر

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 

قصـــــــة قصيرة بقلم   أحمد ربيع الأسوانى 

من المجموعة القصصية ( أشياء لا تحتمل الإفصاح )

 

عبر الجلباب الأبيض النظيف الذى ألبسوني إياه منذ قليل وفرحت به رحت أتقدم خلف الطبيب متحاملاً على جدار الممر الرطب تارة ومتكئاً على ذراع الممرضة البدينة المتأففة تارة أخرى بينما كيس البول المثبت حول عظمة الساق يتأرجح ويرشح بفعل تكاثف الأملاح فتنساب على ساقى خيوط صفراء لها رائحة الأدوية الكريهة يمتصها الثوب ويبتل 0

أتوجع فى صمت 00 أعض شفتى وأزفر أنينا يلوب عبر حنجرتى فيستحيل إلى حشرجة وشخير 00 أتفصد عرقا وبالكاد تحملنى الساقين وبسهولة تروغ من ذاكرتى المنهكة مسميات الأشياء وتغيم الملامح 00 عقب اجتياز مدخل القاعة توقف الطبيب 00 لوح بيده للحشد المترقب وصولنا 00لاهثا بدوري توقفت وعلى الرغم من تلاشى أهمية الوجوه والأحجام والكلمات والألوان ورغم غشاوة العينين إلا أننى رأيتها أو قد تكون شبيهه لها فأدركت على الفور أنها آخر عطايا الدنيا قبل الرحيل كإحدى آلهة الإغريق منتصبة القامة تقف بين النساء البيض والرجال البيض وكأنها الزمردة الأم فى تاج ملكى والأوشحة الحريرية البيضاء الملتفة بإتقان حول الجسد الابنوسى المصقول تضاعف من طغيان المفاتن المخبوءة لديها وتضفى على صخب الأنوثة المتوهج تفرداً هو مزيج من البساطة والوحشية والتحدى الصارخ 00 لمحتنى كبقية القوم فأشرأب العنق وأفتر الثغر عن ابتسامة مانولوزية غامضة 00

نحوى استدارت بكامل الوجه والشعر خشن ممشط الى جدائل فرعونية صغيرة متراصة بإتقان وعندما إحتوتنى بنظراتها البدائية أدركت أنها فيما لو كانت هى فسوف تبذل جهداً خارقاً كى تستجمع جزيئات ملامحى القديمة 0

هناك فى جنوب الشلالات كانت بيوتنا البيضاء ذات القباب المستديرة التى بنيت بالطول والعرض فسيحة كرحابة قلوب ساكنيها عند سفح الجبل وحتى ضفة النهر ترتفع على مداخلها الصحاف الخزفية اللامعة والزاهية الألوان والرايات البيضاء المخضبة أطرافها بالحناء وعرائس الطين المشرعه أذرعها فى الهواء تتضرع للنخيل والنيل والرب الخالق وكذلك جلود التماسيح والاورال الصغيرة المحشوة بالتبن والنخالة وهى تحتل أكتاف الجدران والتعاويذ المغلفة بجلود الماعز التى تبطل فعل الحسد وتضلل الأرواح الشريرة التى تسكن قمم الجبال وقاع النهر 0

بصعوبة خلف الطبيب اعتليت المنصة مخلوقاً مجهول الجنس والعمر حيث ذهبت الجرعات الكيماوية بكل ما نبت على جلدى من شعر فبدوت كواحد من أولئك الذين نتخيلهم فى أفلامنا من سكان الكواكب الأخرى اختفى العمر والطول والتماسك واللون مع اختفاء الشحم واللحـم وضمـور العضلات وانحناء الظهر ورعونة الخلايا اللعينة التى تعمل نهشاً ولم تشبع منذ سنوات 0

على مربعات الرمال الناعمة البيضاء أمام تلك الدور والتى تجلبها البنات فى جماعات على رؤوسهن من بطن الوادي قبل أن تداهمنا الأعياد وليالي الأعراس المتلاحقة فى الصيف وتمتد بساطاً ذهبياً من أمام الدور وحتى حافة النيل نبدأ اللعب والرقص والغناء الجماعى حالما يبتلع الأفق البعيد قرص الشمس المتوهج ولا نتوقف حتى عندما يأفل القمر مودعاً ويغيب

وتغط أمهاتناً فى النوم على المصاطب الطينية وقد خلعن عنهن مظاهر الأنوثة فى غياب الرجال الذى يطول فى الشمال ولا تزجرنا العقارب أو تثاؤب التماسيح بالقرب منا أو عواء الذئاب عبر الأودية وبين أروقة المعابد القديمة 00 على رأس البنات تأتى فاطم وبلا حرج تقتحـم الدار فإن كنت نائمـاً أيقظتنـي وإن كنت مضجعــاً أنهضتنى وأن كنت واقفاً جذبتنى نحو الخارج

مثل المرات السابقة على الفراش المعد سلفاً فوق المنصة وخلف الطبيب أشارت الممرضة بقرف فأودعت جسدي على مهل وتمددت 00 علقت عيناى بالمصباح المطفأ المدلى من السقف 00 مازحني الطبيب مشجعاً بالنقر بأصابعه على عظام الجمجمة ثم تركنى الرجل وراح يتحدث الى حشد الأطباء ومثل كل المرات السابقة أيضاً سمعته يذكر إسمى ويعلن أننى ذكر أبلغ من العمر قرابة الثلاثين وتوقعت بعدها أن كانت هى أن تقفز من مقعدها وتهرع نحوى ولكنها لم تفعل 0

على مربعات الرمال البيضاء حفاة بقمصاننا البيضاء القصيرة وسراويلنا الطويلة نختار نحن الذكور عرائسنا وتنتقى البنات مواقع البيوت فنقيمها بأكفنا جسوراً صغيرة من الرمال 00

بلهجتنا نظل نغنى ونرقص00 نتلامس ونتعانق فى براءة حتى آخر عرس لزميل وزميله وعندما نفرغ من فصل الزواج نتوجه بغنائنا الى النيل نرجوه أن يذهب بمائه بعيداً عنا كى تتمكن أمهاتنا من زراعة كتفية فنأكل من عرق الجبين طيب الطعام وتسترد الماشية عافيتها وتسمن الطيور والأغنام ونجنى ثمار النخيل فيبارك فينا الغائبون عبر رسائلهم الهمة والصمود

ويتفاخرون بنا عندما يجتمعون ليلاً على أكتاف المقاهى فى القاهرة والإسكندرية كما نرجوه أيضاً ألا يفيض فى الشتاء فيحتل ما بيننا وبينه من مساحات ويغمر البيوت ويقتلع الجدران ويتلف ما فى الصوامع الطينية من مخزون الغلال ونتوسل اليه أن يعيد إلينا الغائبين ونأكل ونحن نرقص البلح الجاف والفشار والترمس والقاشرنقيق ونشرب الماء العكر من الجرار المتراشقة عبر مداخل البيوت ونمازح الكلاب والعجائز وإذا ما صرخ أحدنا فجأة نعرف يقيناً أن عقرباً قد أودع فى شرايينه جمرة الموت فنتقافز هلعاً ونلوذ بالمصاطب ونعتلى الصخور الناتئة وتهرع الامهـات فيجلبن مصابيح الزيت ويستنفـر النجع كل وسائل العلاج من أجل إنقاذ المصاب 0

الأنبوب المطاطى الذى يحتل أحد طرفيه تجويف المثانة يتلوى بين الفخذين كالأفعى والهواء البارد الذى يضخه مكيف الهواء يشيع فى جسدي الخدر ولا يحتمله عودى الهش

تململت وبالكاد أمسكت بالغطاء الصوفى وجذبته نحوى وفى الصف الامامى من بين ساقى الطبيب المعلم رأيتها تجلس وتدون فى الأوراق عندما ترغب وتنصت فى اهتمام عندما تريد ولم يثر لديها اسمى الذى ذكر أدنى إهتمام 0

على مربعات الرمال البيضاء الناعمة كانت فاطم هى دائماً من اختارها عروساً لى من بين البنات ولم يجرؤ أحد من الرفاق على هدم قواعد اللعبة 00 تقف الى جانبى وتحرضنى بنظراتها وهى تعلم أن هذا واقع لا محالة 00 أمسك بكفها المخضب بالحناء وننتحى جانباً نقيم معاً بيت الزوجية الرملى 00 أسمع أمى وأمها على البعد تتهامسان ثم لا يلبث أن ينفجر بينهما الضحك الأفريقي كالصراخ 00 هنا المدخل وهنا غرفة الديوانى وللنوم أكثر من غرفة فهذه للصيف وتلك للشتاء وثالثة للابناء الذكور ورابعة للأبناء الإناث وحظيرة للدواجن وأخرى للاغنام ولا ننسى سقيفة الأبقار وفى نهاية البيت من الجهة الجنوبية نجعل الفرن ومخزن الحطب وصوامع الغلال وبرج الحمام وشونة التبن والأعلاف 00 فى غفلة من الجميع تهمس لى فاطم بأنها سوف تصنع من أجلى كثيراً من الطواقى وأربطة السراويل الملونة والمراوح اليدوية وكذلك ما يكفى من مصليات سعف النخيل كى أتربع عليها وأقرأ القرآن وأعبد الرب كما يجب فتعم البركة وينشأ الأولاد تقاة عارفين 0

منذ فترة طويلة أدرك الطبيب المعلم أن الأمر لم يعد سراً بالنسبة لى لذا أطلق العنان لنفسه شارحاً أبعاد معاناتى والمدى الذى بلغته الخلايا الشرهة نهشاً وعن مساحات التدمير التى خلفتها وراءها قال الكثير وحدد المواقع وسمى الاعضاء وأضاف بأن القلب لدى لم يعد يحتمل المزيد من تلك الجرعات اللعينة 0

على مربعات الرمال البيضاء يدركنا الملل والاحباط الناجم عن التكرار وليس ثمة إرهاقاً ما كنا نشعر به فنستلقى على أجنابنا وبطوننا ونجعل تحت رؤوسنا كومات من الرمال ندفن خلالها أكفنا كى نتقى لسعات البعوض 0 بعدها يصير الهمس بيننا كالأنين 00يسرى بنا الليل 000 يهجع البعوض فنبعثر أطرافنا على الرمال ويغازل النسيم البارد أجسادنا الدافئة وفى إجماع غير معلن ننصت الى المواويل الموجعة للقلب والتى تصل إلينا مشروخة خافته من فوق ظهور المراكب العابرة وقوارب الصيد ومن يشاء منا يستعرض فى ذهنه قبل أن يداهمه النوم وقائع رجوع الآباء والأخوة الكبار المحملين بالهدايا واللكنة الطرية والحكايات التى لا تنضب عن بلاد الشمال البعيدة 0

على جهاز العرض راح الطبيب يشرح تطورات المرض ومراحله وأعضاء من جسدى تمرق متداخلة غامضة على الشاشة المضيئة ولا أتعرف عليها ولم ينس الرجل أن يذكر كعادته فى كل مرة كى يبرز حجم ما يبذله من جهد أننى جئت اليه محمولاً وفى حالة سيئة بعد أن تمكن المرض وأستفحل ونهشت الخلايا القاتلة ما شاء لها النهش 0

كانت الضربة الأولى هى التى تلقيتها فجأة على الجانب الأيسر من العنق وكأنها مدية رشقت بعنف وأنا ألقى بإحدى قصائدى خلال أمسية لم أعثر بين حضورها على واحد من قومى ثم توالت بعدها الضربات وعلى فترات متقاربة أسفل الإبطين ولدى التقاء الفخذين بالبطن وكنت أعزى ما يحدث لى بالجوع الدائم وتواضع المسكن والإسراف فى السهر ولضيق ذات اليد رحت أحتمل الآلام وألوذ بالمسكنات الرخيصة حتى جاءت تلك التى استقرت فى تلافيف الأحشاء فصرخت وأنا أجلس مع الأصدقاء على المقهى كما لم أصرخ من قبل ثم فقدت الوعى ولما أفقت وجدته إلي جوارى متجهم الوجه سبق له من قبل أن مزق دفاترى وصفعنى على وجهى عشرات المرات وأودعنى الغرف الضيقة مع القتلة والحشاشين قال

ـ أنت محظوظ

قلت والمرضى من حولى ينصتون

ـ أو تسخر منى حتى فى المرض !!

قال

ـ كنا على وشك أن نذهب بك إلى مكان آخر

ابتسمت فأبتسم بدوره ابتسامه صفراء وسأل بخبث

ـ هل تعـرفه ؟

ـ وهل هناك سواه يا سيدى 000 وادى النطرون فقد سبقنى إليه لفيف من الصحاب

ـ أخطأت 00 أنت مريض بالجنون فكيف نذهب بك الى هناك !!

 أقشعر بدنى وقد أدركت ما يعنيه 00 همست بضعف

ـ كل هذا لأننى حاولت أن أساعد قومى

نهض الرجل ثم صرخ فى وجه الطبيب المرافق

ـ أعطوه ما يريد من الدفاتر والأقـلام

ثم نظر نحوى وأضاف فى إخلاص

ـ أكتب ما شئت من أشعار فلم يعد أمامك الكثير

ولما سألت الطبيب بفـزع عما يعنيه الرجل قال أنه يهذى ولم يزد وبينهما أحتدم الموقف بالنظــرات 0

عند الضحى وعلى حافة النهر نترك لأغنامنا وأبقارنا حرية الاختلاط والتجوال عبر المراعى السخية ونجلس نلهو بعرائس الطين والخيول ونصطاد الأسماك الصغيرة والتى ليس من بينهما القرموط لان واحدا منها أبتلع جدنا الأكبر ذات يوم كما أن أنثاه تحيض وإن شئنا سبحنا بحرص فى المياه الضحلة ، تقطع فاطم على نفسها عهداً وهى تلقى بشالها الملون علىالحشائش الخضراء ثم تطرح عليه رغيفاَ من خبز الذرة وبعضاً من أعواد الخس أن تغزل لى ثوب الشتاء والشال والبردة من صوف النعاج الناصع البياض وأنها سوف تنجب من أجلنا العشرات من الذكور لنبعث بهم تباعاً الى الشمال عندما يكبرون فيعودون إلينا محملين بالخيرات والمهابة والمعرفة الواسعة بأحوال الدنيا والخلق 00 بدورى أعدها بأن يكون بيتنا الذى سوف أبنيه بنفسى واسعاً وعالياً وبه يضرب المثل بين النجوع فلا يرى ما بداخلة راكب البعير أو متسلق النخيل وسوف أجعل مداخله العديدة تطل على ضفة النيل وأن تكون نهايته حيث تهب الشمس من مخدعها خلف رمسيس العظيم

بدأ الأطباء الصغار يسألون ويستفسرون والطبيب المعلم يجيب ورائحة البول تجذب الذباب نحو الفراش ولا أقوى على طرده بينما طلائع الآلام البشعة تطارد فلول المسكنات أشعر بها تدب فى الأحشاء وتتصاعد وبصري بالكاد يرصد المصباح المدلى من السقف والقئ يداهمنى فأجهضه وأتقلص 0

فى الأعياد والمناسبات الدينية وأثناء عودتنا من زيارة المقابر وتوزيع الصدقات على الرعاة والرحل من سكان الاودية والشعاب كنا نعرج على صاحبنا رمسيس العظيم ولدى أقدامه الضخمة حيث الظل لاينقطع نجلس لنأخذ قسطاً من الراحة 00 تمضغ العجائز السعوط ويقضى من يشاء منا حاجته خلف الأحجار ويتسلل قسم من النسوة والفتيات الى داخل المعبد لينبشن فى التراب بحثاً عن الجعارين الصغيرة والخرز الملون حيث يعتقدن أن اقتناءها يعين على الإنجاب ويزيد من معدل إدرار الحليب فى الصدور 000 تسوى أمى براحة يدها مساحة صغيرة على الرمل تكفى لان تلقى عليها تباعاً بأصدافها السبع التى لا تفارق جيبها إلا نادراً ثم تبدأ فى توزيع التنبؤات على من يلتف حولها من النساء والبنات وكنت لا افتأ أن أرميها همساً فى أذنها بالخداع وعدم الإدراك والخيبة فتضحك وتشدنى من حلمة الأذن فيؤلمنى القرط الفضى الصغير

فى الليلة الماضية سألتني الممرضة البدينة بلا مقدمات أن اذكر إسمى فذكرته ثلاثياً وسألتنى عن اليوم فأجبتها دون تلثم وأنا أدرك ما ترمى إليه وعن أنواع الطعام التى تناولتها فعددتها بالأسماء والأحجام ثم فوجئت بالحمقاء عند آخر الليل تسأل الطبيب المناوب عن المغزى الذى توحى به إجاباتى الخاطئة فنظر إليها الطبيب معاتباً ثم انصرف لحال سبيله وهو يلعن الغباء والأغبياء وعندما غفوت قليلاً حلمت بأمى بوشاحها الأبيض وهى تقف على كتف رمسيس العظيم وقد تأهبت للإقلاع عبر حزمة من الضوء الساطع أمسكتها بيمناها بينما تحاول بيسراها الإمساك بى فأروغ منها وأبتعد 0

فى البداية قالت أمى وكل نساء النجع وقد توقفنا عن اللعب فوق مربعات الرمال البيضاء وقد خيم على رؤوسنا القلق وأحاطت بنا الحيرة وأمسكت بنا الوساوس أن تلك الأخبار التي ترد إلينا تباعاً من الشمال على متن المراكب العابرة ما هى إلا إشاعات مبالغ فيها وأن السد المزمع إقامته لو صدقت تلك الروايات لن يكون فى ضخامة الخزان الذى تم تعليته منذ عشرات السنين وأن معجزة من الرب فقط هى التى ستجعل المياه تغمر كل البيوت وتصل فى علوها الى قمم المآذن وتتجاوزها كما أشيع وطلبن منابثقه من جرب ورأى أن نواصل اللعب والرقص والغناء خلال الأمسيات ولا نكف عن إقامة احتفالات الزواج الوهمية 0

وعندما أصبح الأمر مؤكداً قالت أمى وكل نساء النجع وهن واجفات أن الموت هنا لهو أفضل لهن آلاف المرات من النزوح كالأغنام فى جوف الصنادل الى بلاد لا نعرف عنها شيئاً وبيوت ضيقة أقيمت هناك فى بلاد الصعيد على عجل بعيداً عن النهر يضيق بها القلب وتلفظ من جوفها العيال عندما يكبرون وأراض استصلحت حديثاً اقتطعت من الأودية والجبال تفتقر الى لقاح النيل من الطمي المتجدد بلا نخيل أو حشائش تنبت عندما تنسحب المياه وتغور 00

ستنفق الماشية ويجوع الأطفال وسنظل ما حيينا نندب الحظ العاثر وننحو باللائمة على الأرض البريئة هناك من الإثم الكبير 0

سألتني فاطم إن كان بيتهم هناك سيجاور بيتنا كما هو الحال هنا فقلت لها حتى وإن تجاورت البيوت وحتى لو نقلوا ديارنا معنا كما سيفعلون مع تلك المعابد الضخمة فالأرض هناك غير الأرض والجبال غير الجبال والسماء غير السماء وقالت أمي لأبى الذى جاء من الشمال مع بقية الآباء كى يصطحبونا الى البلاد الجديدة أن الأعزاء جميعهم هنا فى القبور بالقرب منا تحوم أرواحهم حولنا فى الليل ونزورهم فى الإصباح الندية لنوزع الصدقات والكرامات ونطعم عابرى السبل من الأنس وسكان النهر من الجن المؤمن نظلل قبورهم بأشجار الأثل والكافور العملاق ونرمم ما يلم بها من تلف إذا ما تطاول النيل ومسها فى مسعاه الشتوى وسمعت فاطم تقول للبنات أننا سنزرع هناك النخيل والليمون وأشجار المانجو ونركب العربات والقطارات وسنكون بالقرب من آبائنا عشاق السفر والهجرة وأنهم أعدوا من أجلنا الكثير من المدارس والمستوصفات الطبية والطرق المزفتة وأن بيوتنا هناك ستضاء بالكهرباء مثل بيوت الشمال 00 صرخت فى وجهها متسائلاً عن الوقت الذى يستهلكه النخيل حتى يثمر والليمون حتى يزهر فقالت ويبدو أنها قد استوعبت جيداً نصائح الذين تقاطروا على النجوع يهدءون من الروع ويعدون بالمستقبل المشرق بأن أولادنا سوف يأكلون وأولاد أولادنا سوف يشبعون بعدها صارت الأمسيات بلا طعم أو معنى بعد أن أصبح الرقص والغناء دعابة ثقيلة تستحق النهر والسباب نجلس متفرقين أمام الدور التى راحت بدورها تفقد زينتها تباعاً نستمع الى حكايات الآباء عن البلاد الجديدة وننصت الى عواء الذئاب وتثاؤب التماسيح ولا نمل من طرح الأسئلة حول موعد الرحيل صوب المجهول 0

قبل الرحيل بعدة أيام ارتدت أمى السواد وامتنعت عن الحديث والطعام والشراب00

انتحت جانباً بجوار المدخل وراح نحيبها لا ينقطع فى الليل أو النهار وإذا ما توقفت أحياناً عن البكاء تشخص ببصرها بعيداً عبر الفضاء فتغتسل سحنتها بالشحوب وتتخذ تقاطيعها صلابة تمثال من الصوان العتيق 00 أناديها فلا ترد 00 الى جوارها أجلس باكياً فتضمنى الى صدرها وتشهق 00 على رأسها قرأ الشيوخ كثيراً من آيات القرآن أطلقوا البخور ودهن أبى رأسها بالعنبر الخام وجعل فى شعرها جعراناً فرعونياً من العقيق الأخضر ولما سألته عما ألم بها قال يا ولدى أمك شجرة عفية تجتث الآن من جذورها الضاربة فى الأعماق 0

عندما تصاعد الصراخ والعويل وراحت حلبات الأغاني الحزينة تنعقد على الشاطئ ساعة الرحيل بحثوا عن أمى فى كل الصنادل بين الأغنام والأبقار ونادوا بمكبرات الصوت فلم يعثروا لها على أثر 00 تخلف أبى ومعه بعض الرجال وبنا رحلت الصنادل وهى تطلق صفارتها تحية الوداع للديار العزيزة 00 عبر صدرها لأم فاطم دفنت وجهى وأجهشت بالبكاء ولم استطع النظر نحو الشاطئ 00 لمحت فاطم بالقرب منا وهى تجلس صامته وفى عينيها يعتمل بريق راقص لم تحاول إخفاءه00 لم يعثر أبى ومن معه فى البيوت التى انتزعت منها الأبواب والنوافذ والأسقف الخشبية على شئ سوى الكلاب والقطط وبعض من الأغنام الشاردة والحمام الجاثم على الجدران وفى اليوم الخامس من البحث عثروا عليها ميته عند أقدام رمسيس العظيم 00 جاثمة على ركبتيها لم تقربها الذئاب أو الهوام وعيناها مفتوحتان مثل الأحياء تنظر نحو النهر وعبر كفها المضموم عثروا على الأصداف السبع 00 بماء النيل الخصيب غسلها أبى وبثوبه الأبيض وعمامته كفنها وإلى جوار الأعزاء نامت فى سلام 00

فى الغرفة الضيقة فى البيت الضيق فى البلاد الجديدة قال أبى فى رثائها أنها كانت كالدرع المبارك وشواطئ الأغوار التى تلوذ بها المراكب عندما تشتد الرياح ويغضب الرب وقالت أم فاطم أنها كانت نخلة معطاءة وفداناً من الخصوبة وقلت أنا بدورى أنها دون النساء جميعاً أوفت بوعدها الذى قطعته على نفسها فكان قبرها هو آخر القبور فى البلاد القديمة ومأتمها أول المآتم فى البلاد الجديدة 0 وفى الغرفة الضيقة فى البيت الضيق فى البلاد الجديدة وأنا وأبى نعد العدة للرحيل نحو الشمال قلت له أننى لا أرغب فى ارتداء القفطان الأبيض والحزام الأحمر ولا أريد أن أقف مثله على رؤوس الموائد وأننى أرغب فى الذهاب الى المدارس كى أصبح معلماً إذا شاء الرب 0 أما فاطم فقد أعلنت بجرأة أن دراسة علوم الطب هى مقصدها ولما أخبرتها بأن الأطباء جميعهم من حولنا من البيض خمشتنى بأظافرها فى وجهى وراحت لأبي تشكو وقاحتى وتبكى00 فى اليوم التالى ضبطها وقد انتحت جانباً من غرفة الفرن وراحت تجلو وجهها بالرمـاد 0

التفت الطبيب المعلم نحوى وسألنى إن كان فى مقدورى مثل المرات السابقة إهداء جسدى لأصابع الأطباء الصغار فأومأت له برأسى موافقاً وتحفزت لاكتشاف تفاصيل وجه السمراء عن قرب وتشبثت جيداً بحافة جرف اليقظة حتى لا أهوى الى أعماق الغيبوبة 0

السيد الذى يعمل لديه أبى أكثر من ربع قرن جلس ذات مساء الى مائدة الطعام وهو ثمل وما أن وضع أمامه أى وعاء الحساء الساخن حتى قذفه به فى وجهه وهو يضحك الى حد الانتشاء فيما بعد كان لزاماً على أبى وقد صار وجهه أبيضا فى معظمة كى يظل يعمل على موائد السادة الكبار أن يسلخ ما تبقى فى وجهه من سواد أو يعيد إليه ما فقد حيث لا يتفق التشويه ومتطلبات فتح الشهية لذا فقد أثر الرحيل نحو الجنوب حيث الديار الجديدة بلا مدخرات

00 نصحنى على رصيف المحطة أن أدخر قليلاً من المال كى أعرض نفسى على أحد الأطباء قبل أن يستفحل الداء ويستعصى فوعدته أن أفعل00 هناك كما سمعت راح يبيع فى البداية الصحف والمجلات على محطة القطارات ويرشو تلاميذ المدارس بالحلوى وصور المشاهير من الفنانين ولاعبى الكرة كذلك قراءة أشعارى كى يصمدوا أمام وجهه المسلوخ ريثما يحكى لهم عن الابن المعلم والشاعر المعروف الذى ينشر العلم فى الربوع وعن تفاصيل الخطابات التى يبعث بها تباعاً الى القائمين على أمر العباد كى يهتموا بعلاج إبنه الوحيد بعدها صارت حكاياته لتلاميذ المدارس تنحصر فى الخطابات التى يبعث بها الى الدكتورة فاطم ولا يتلقى منها رداً كى تتولى بنفسها علاج رفيق صباها ولما أخبروه أنها تزوجت وسافرت الى بلاد الخليج أمتنع عن الحديث والثرثرة وأقلع عن بيع الصحف وأكتفى بالتسكع نهاراً على محطة القطارات يحمل حقائب القادمين من الشمال وفى المساء يذهب بحصيلته المتواضعة الى المدينة المجاورة ليحتسى الخمور الرديئة وكان يقضى معظم لياليه أسفل عربات الأجرة وفى أركان المدينة المظلمة وهو يهذى بسيرة الباشوات والأكابر وأصناف الطعام التى يجيد إعدادها ويلعن الزمن الدوار ولما استفحل الأمر بدأ يمسك بتلابيب القادمين بدلاً من حمل حقائبهم ويسألهم عنى وعن فاطم فإن انكروا رؤيتهم لنا أو لقاءهم بنا نالهم منه الكثير من الأذى والسباب 0

استيقظت ذات صباح لأجده وقد ألقى بطولة فوق حطامى وراح يجهش بالبكاء ويحاول أن يخفى وجهه المسلوخ بطرف العمامة 000 قلت وأنا أشاطره النشيج 0

ـ أضاعنى الشعر يا أبى وأَضاعتك أنت غواية الشمال

قال وبالكاد أستوضح منه الحروف

ـ لا تظلم الشعر والبلاد يا ولدى

ظل الى جوارى صامتاً شارد الذهن كالمذهول حتى موعد انتهاء الزيارة عندما أنحنى نحوى وهمس

ـ نسيت أن أخبرك 000 لقد أثمر النخيل وأزهرت أشجار الليمون فى البلاد الجديدة

ـ كنت أعرف منذ البداية أن توقعات فاطم سوف تتحقق لا محالة ولكنه الوهم يا أبى

ـ بل هو الخوف من الذوبان فى أرض الصعيد

ـ ربمـا

لدى نهاية الفراش وقفت السمراء بضفائرها الفرعونية المتراصة ووجهها المستدير كالقمر فأختلج الجسد وأعترته رجفة سألتها بضعف عن الاسم فقالت كريمة فعدت أسالها إن كانت تعرف فاطم التى تشبهها كثيراً فسألتنى بدورها وهى تبتسم

ـ ومن هى فاطمة ؟

قلت والحزن يعتصرنى حد الانسحاق

ـ هى فتاة أجادت فيما أجادت تفسير المعطيات وسلمت زمام أمورها للعقل 00 تربعت فى القلب منذ الطفولة وتأبى أن تفارقه 0

رغماً عنى أفلت البصر ورحل نحو الجنوب البعيد وراحت تحتل معظم ساحة العقل مربعات الرمال الناعمة البيضاء وصخب الصغار وضحكات النسوة اللواتى يمارسن الصبر حد الاسطورة0000 بين الرفاق وجدت نفسى محاصراً بقميصى الأبيض القصير وسروالى الطويل وهم يحثونني على الغناء كما هى العادة ويصفقون ويصرخون فى وجهى كى أفتتح سهرة نفض الهموم وترويض الصبر 00 بصعوبة سرعان ما تلاشت ارتفعت عقيرتى بالغناء ووددت لو تنازلت عما تبقى لى من عمر نظير لحظات أٌقف فيها على قدمى وأسلم خلالها جسدى الى الايقاع الصاخب 00 إلى جواري تصاعد صوت الطبيبة الحسناء يصاحبنى فى الغناء بلهجتنا النوبية ولم يكن من الصعب بعد أن اقتربت وأمسكت براحتى أن المح فى عينيها الحشود الهائلة من الدهشة كما لم يكن من الصعب عندما توقفنا معاً لدى نهاية الأغنية أن أسمعها والصوت لديها تخالطـه الحشـرجة وهى تعلن للزملاء من حولها إننا ننتمى الى بلاد النوبة فى كوم أمبـو صرخت

ـ بل الى تلك المضيئة فى قاع النهر

تراجع الجمع من حولى والتزمت هى الصمت لبرهة قبل أن تلوح بيدها وتستدير

سألت الممرضة البدينة وأنا أسير إلى جوارها كطفل يعوقه جرح الختان

ـ أين هـو الآن ؟

ـ من ؟ الطبيب !!

قلت وقد بدأت أستبين كتف رمسيس العظيم

ـ لا بل ذاك المراوغ الذى كنت أخشى قدومه

نظرت نحوى المرأة بحنــو الأمهات ولم ترد

**********************

أول الصفحة


 © 1998-2000 Arab World Books