Home
ركن الأدب

نقطة عابرة

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 



قصة قصيرة بقلم  أحمد الخميسي



امتلأت المقاعد في صالة المسرح العريق . ووقف البعض في الممرات متململا يفتش بعين يائسة عن كرسي شاغر بمعجزة في حفلة تحجز مقاعدها ببطاقات محددة الأرقام قبلها بزمن .

تألقت الصالة متوهجة تحت نور المصابيح وسرى في جوها طنين لغط مرتفع.اتجهت نظرات الجالسين إلي ستار المنصة المنسدل من القطيفة القرمزية الداكنة ، وعجوز فاحم السواد برأس أشيب يقود المتأخرين مهرولين إلي كراسيهم بين الصفوف.

لا يوزع برنامج الأغاني في هذه الحفلة . إنه مفاجأة كل مرة . أنت تعلم فحسب أنها ساعة بالحياة وما فيها ، تهب السلطانة فيها المتيمين بصوتها لحظات تنزع الروح من البدن وتعلو بها بعيدا . في حفلاتها كان بعضهم يرتجف باكيا من الانفعال،آخرون يثبون من مقاعدهم طربا وفرحا من نشوة عارمة ، غيرهم يسند ذقنه إلي قبضة يده ويتنهد سارحا .

وهذا أنا هناك ، أجلس في المقعد الثالث من الصف السابع . ناحية الممر . نعم . هل رأيتني ؟ . بجوار ذلك الرجل المنفوخ يتقلقل في كرسيه ينشد أفضل وضعية للجلوس ، بالقرب من شابة تناهز الثلاثين تتطلع إلي مرآة صغيرة أخفتها في يدها . عن يميني شخص قلق ، يتلفت إلي الوراء كل لحظة ويجيل عينيه في الصفوف الخلفية يستوثق من أن الآخرين منفعلون مثله ، تكلمه سيدة وقور ولا يصغي إليها . الآن هل لمحتني ؟ . أصارحك بأن ظروفي لم تكن تبيح لي الحصول على بطاقة في تلك الحفلة لكنها هبطت على بالمصادفة إذ هاجمت أزمة ربو زوج عمتي . كان ضابطا كبيرا في الجيش ، ولم ينجب ، فاعتبرني في محل ولده لأنني كنت أظل واقفا – عند زيارته لنا - خافض الرأس لا أجلس أبدا إلا بعد أن يستريح هو على مقعده ، فيمتدحني : أنت شاب محترم . هكذا بدأت علاقتنا . لهذا حصلت على البطاقة ، وها أنا أرسل بصري إلي المنصة منتظرا أن تخفت أنوار الصالة وتشرق كوكب الغناء .

أخذستار القطيفة القرمزية بشرائط القصب المذهبة اللامعة ينفتح على مهل.تسمرت العيون إلي المنصة وساد الصالة صمت الترقب وسكونه . تعاقب الموسيقيون من الجهة اليمنى . دخل عازف القانون الأصلع البدين ، والعواد بنظارته السوداء ، ثم عازف الناي بملامح وجهه الدقيقة المهذبة ، ثم عازف الشيللو الذي قعد واحتضن آلته الضخمة بصمت ، وتتابع عازفو الكمان ، ومن بعدهم قارعو الدفوف . قاطع ظهورهم تصفيق من هنا وهناك ، ثم اصطف طاقم كورس من نساء ورجال . أشار الرجل القلق عن يميني كأنما يحدث نفسه لمقعد عواد شهير ظل مكانه شاغرا بعد رحيله .

دقيقة وهلت بعدها في فستان وردي فاتح غير محبوك يهبط إلي قدميها ، فتحة صدره مطرزة بحبات ألماس صغيرة تتلألأ . شعرها الأسود ملموم للخلف كعكة مدورة، وقرط من اللؤلؤ يتدلى من أذنيها . تهادت مبتسمة وهي ترفع ذراعيها لأعلى قليلا تحيي الجمهور ، فنهض الحضور كله واقفا للصوت الذي حلق عبر كل الأزمنة . ارتفعت الأيادي تخلخل الهواء بتصفيق مدو ، والسلطانة تسير إلي حيث مسقط الأضواء الكاشفة . هناك أحنترأسها قليلا . وتجدد التصفيق كالرعد حتى شبع الجمهور من علامات الامتنان على وجها فعاد إلي الكراسي وهو يتطلع إليها بشغف مسحور . الآن بوسع كل منهم أن يملأ عينيه بالأسطورة ، وإن كانت بعيدة المنال وعالية . ظلت تختبر صبر محبيها بصمتها برهة ، وحين ساد سكون مطبق في الجو اهتز طرف منديلها المعصور في قبضة يدها اليسرى إشارة للموسيقيين .

يا الله ! بدأ التخت يدندن فاندلعت الأكف بالتصفيق ولمعت العيون وانجرف الجميع مع نمنمات إيقاع الرق والكمان الشجي . رحت من مقعدي في خضم البهجة أحدج إلي وجهها أحاول أن أتبين ملامحه . تلك مرة لن تتكرر،فإذا لم أبصر عينيها الغامضتين الآن ، فلن أشاهدهما أبدا .

دخل الشيللو والقانون والناي ، وتمايلت السلطانة قليلا ، ثم أطلقت آهة محرقة جاوبها الجمهور بآهات . ارتدت للخلف بعنقها ورفعت رأسها بكبريائها المعهودة . غابت نظرتها في الفراغ تحت قبة المسرح .باعدت ما بين ذراعيها المفرودتين في الهواء ، وصمتت كأنها تبتهل تستحضر سرها الخاص من أعلى . ثم اندلع صوتها القوي يقبض على كل نسمة هواء في الجو . أنشدت : " أنا قلبي معك .. مهما جرى .. قلبي معك "من مختلف طبقات صوتها الذي لا يخطئ . تندفع إلي الأمام بصدرها في لحظات الذروة ، وترتد ثانية تهز رأسها بخفة تحت ألق الأضواء ببسمة اعتزاز . تقف الصالة كلها محمومة وأكفها تلتهب ، بينما عم الصمت بين العازفين كأنهم تحجروا في مقاعدهم من ألف عام .

في تلك الأثناء كانت كاميرات التسجيل تتنقل بين المنصة ووجوه بعض الجالسين ونشوة الغيبوبة على ملامحهم . كنت سعيدا ، ومأخوذا،لكن سيطرة الصوت والنغم التي لا تقاوم كانت تبعث في نفسي قلقا خفيفا من سطوة تحلق وحدها بلا نهاية . استعاد الحاضرون السلطانة مرة واثنتين وعشرين مرة بالصفير الملتاع والتصفيق والصيحات المرسلة ، فأغدقت عليهم نعمها مغردة بأريحية وكرم .


***

هذا أنا هناك ، أجلس في المقعد الثالث ناحية الممر . ولكنك لن تتعرف إلي فقد انقضى على تلك الحفلة أربعون عاما ، ولم يبق من الفتي النحيف ابن العشرين ذي النظرة المستقيمة الطاهرة ، سوى كهل بدين مصاب بتمدد في الرئتين ، يلهث وهو يصعد الدرج .ولم يبق من الحفلة المبهجة سوى البطاقة القديمة صفراء خفيفة كالرماد محفوظة ، وذاك التسجيل الأبيض والأسود الذي كانت قنوات التلفزيون تبثه أحيانا بعد انتهاء برامجها المسائية . أجلس وحدي في فسحة الشقة . زوجتي تغط في نومها . أمامي على المنضدة صحن به قطعة جبن بيضاء صغيرة ، وربع رغيف . أفتح التلفزيون وأتنقل بين القنوات . يفاجئني ذلك التسجيل القديم كأنه صورة تترقرق تحت سطح الزمن . يدق قلبي بسرعة ،وتندفع الدماء إلي بدني ، وأحس أني مشحون بالرغبة في القيام بأعمال جليلة ، متأهب لأشياء لا أدري ما هي . أتابع الحفلة وأبحث عن صورتي.لم تتوقف كاميرات التسجيل عند وجهي . أفتش بعيني عن الصف السابع ، أحصي الصفوف وهي تمر وأجده ، وحين تبدو رؤوس الجالسين في الصالة نقاطا صغيرة سوداء وبيضاءأشير لنقطة صغيرة عابرة وأقول لنفسي : هذا أنا .

بعد أن كنت أنام بعمق ، صرت أستيقظ هكذا ما بين الثالثة والرابعة فجرا . أظل قاعدا على سريري في العتمة والسكون وقد شبكت يدي أمامي على البطانية التي غطت ساقيي.أتنفس بهدوء لكي لا اقلق زوجتي . لا أفكر في شيء معين . تتراءى لي في الظلام صالة المسرح متوهجة كالشمعة ، وعيون الجالسين تلمع وهم يتبادلون ابتسامات الحنان وضغطات الأيادي الخفيفة . هل اختفى كل ذلك أم أن الصالة مازالت تعيش حياتها تحت سطح عالم آخر ؟ .لاحقتني صورة التسجيل ، فكنت أذرع فسحة الشقة الصامتة الباردة وحدي . أنظر إلي ساعة الحائط ليلا . أتمهل قليلا عند النافذة على يميني حيث لا يتسرب أي صوت أو ضوء . أتسمع رجع الهواء بين الأشجار العارية ، بوق تنفخ فيه مئات الأصوات بنفس واحد من صالة المسرح القديم .

اليوم ارتديت ملابسي ، وتعطرت . خرجت وأخذت أسير من دون هدف إلي أن وجدتني أمام مبنى المسرح القديم في شارع عماد الدين . توقفت ، ورحت من على الرصيف أتأمل المبنى المهمل . تراجعت للخلف عدة خطوات . رفعت عيني إلي يافطة الإعلان الضخمة المعلقة . تهرأ ورقها من التراب والمطر وتلوت أطرافه في الهواء . قطعت ممرا مستطيلا يفضي إلي مدخل المسرح . توقفت أمام الباب المكسو بجلد بهت لونه الأحمر . دفعته فانفتح على مصراعيه وخر من أعلاه تراب خفيف .دخلت إلي الصالة التي سكنتها رائحة غبار . سرت محاذرا في الممر بين الصفوف . غاصت قدمي في حفر تحت البساط المفرود المنسول . رأيت المصابيح محطمة مغبرة في أماكنها . والأبواب الجانبية انحنت إلي الأمام بعد أن تخلعت مفاصلها . جلود الكراسي تشققت . تطلعت إلي المنصة كان الستار مضموما على الجانبين انطفأت فيه لمعة شرائط القصب.

وهذا أنا أجلس في المقعد الثالث ، أحاول أن أرهف السمع لصوت الذين ينفخون في بوق واحد بين الأشجار العارية . لحظات ثم ظهرت السلطانة من الجهة اليمنى . كانت تدب منهكة وخشبة المسرح تصر تحت وطأة قدميها . خطت بتثاقل إلي أن بلغت وسط المنصة . تجمدت مكاني . انعطفت نحوي ومدت رقبتها . رأيت عينيها المفتوحتين واضحتين تحدقان في عن قرب بعتاب مرير . رفعت ذراعيها لأعلى بجهد كبير.مكثت لحظة صامتة وبصرها مرسل إلي قبة المسرح ثم فتحت فمها دون صوت .قرأت حركة شفتيها همسا ضعيفا : " قلبي معك .. مهما جرى " . مالت بعنقها نحوي .حدجت في وحركت شفتيها بفم خال من الأسنان : " قلبي معك " .

أردت أن أقف لأغادر المكان على وجه السرعة . هممت بالنهوض ، لكني لم أشعر بساقي ، كأن فراغا قد طوى نصفي السفلي كله .

*****

أول الصفحة


 © Arab World Books