Home
ركن الأدب

قالوا ثلاثة وهو رابعهم 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 



قصة قصيرة بقلم  عزيز التميمي 


(.. قم فانذر …) ، رسالة بعثها الروح لأهل الأرض ، إسرافيل تاه في أرض بابل ، قالت مدينة الملائكة ، مزحة سمجة ، صاروا ثلاثة وهو رابعهم ، أكدت مدينة الملائكة : لم يفق قبل ارتداد الشمس عن اللعب في حضرة القمر والنجوم ، لم يفق قبل ذبول الأجساد وانطفاء سكائر الكاوبوي ، لم يفق قبل تمزق عباءة الراهب بطعنة خنجر مسموم ، تثائب اليعازر ، عزفت موسيقى السماء لحناً جنائزياً، طأطأت الرؤوس لحظة التأبين ، أكّد المتحدث باسم المدينة : مدينة الملائكة نادت أهلها ، كان النداء احتفالاً ، دخلوا قلبها ، تنفسوا هواءها ، تكلموا كلامها، الريح الشتوية برت رؤوس الفِكر وحراشف الأقدام ، فكانت الأشياء معلقة من جذورها ، تصدعت ذاكرة نيوتن ، إسرافيل ظلّ غايته ، سافر مع سيقان تلم عُريها مع شظايا الفجر شاهد صدوراً تتكوم بأثدائها في قارورة عطر سندي ، وهناك ، في رقاب اليتامى تعلق كارتات السمر الموعود ، لحظة الفجر ، تدخل المدينة في أجساد سكانها ، الشوارع تتخفى بالصمت، حاسرة الرأس ، ينغل في ذاكرتها، سكون طفل ، طنين ذبابة منفية يشرخ مخيلة الشاعر المزعوم، ينقطع التيار الكهربائي فيتوقف المتحدث باسم المدينة عن الكلام .

*****

حدث نسيان ، اثنان ، رأسان مقلوبان ، يجوسان المكان ، إلى مقدمهما المدينة تسعى ، إلى قفاهما ، الساحة ابتعاد متواصل. ملاحظة :( في المدينة ساحة كالأنف السائب فوق مساحة الوجه ) في وقت غير هذا ، نزعت الساحة بنطالها ، اختلست من عريها نظرة، انخطف إلى ذهنها هدوء ، هدوء ممزوج برغبة شبقية ، ارتمت بين يديه ، انزلقت الزجاجة الملساء تجر خيبتها بين ساقيه ، بعد سبات الجميع كانت له وحده ، يمرر يده على امتداد قامتها المطروحة ، جلده ينكر دبيب أصابعه المخلوعة من رسخه ، مساماته اغتصبت عطش أنوثتها ، حينما يصحو رجل المرور المخمور يبصق بين فخذيها ، هي الساحة المنسية ، وهو الشاعر المهجور ، يرفع رأسه ، بنظراته يكنس عري الشوارع ، الضوء المتفلّت من قمة عمود يمضي الوقت جمود ، يلسع هامته المفضضة ، تهزه رعشه ، بين فخذيه روائح متعفنة ، بين ساقيه زجاجة ضيقة تتدحرج ببطء مع الريح ، يهمهم بصوته المنطفئ (اعطني حقنة مورفين ) ، الساحة إلى سمعه سكوت ثقيل والأشياء معلقة من جذورها ، فيتجمد داخل صمته المأتمي ، تأمل : ( هناك تمثال يجثم في قلب الساحة مثلما الوشم ) ، إنها حكاية لم تمت ذكراها ، قلب أوراقه ومضى يقول : في الفضاء الممغنط ، هبطت على الأرض مدينة الملائكة الخرساء، ومعها إسرافيل سار حافياً، في الفضاء الممغنط ، رقد اليعازر دون حراك، ثم استلقى شارع ونام ، وانقطع حديث الناطق الرسمي باسم المدينة….بغتة .

*****

السنة تلتحم بأخرى ، إسرافيل يتوسل أهل بابل شربة ماء ، صمت ، سكوت خفيف ، إنها واحدة من تلك الأسفار المرتبطة بالحكاية ، إليكم التفاصيل : ذبابة طنّت قرب أذن المذيع المسائي لتلفاز المدينة ، هز رأسه ، ثم أردف /آسف واستطرد يقول : إنها لحظات ، الوجه صمت وابتهال ، اليعازر دون حراك يقف أمامه رجل راهب وامرأة شعثاء الرأس ، طوقت كتفيها ملاءة سوداء ، وقفة تأبين، اقتربا منه ، تبركا بنظراته الماسية ، أوقدا شمعة ذهبية اللون فأضاءت المكان ، أتاهما صدىً، ليهجركما الشيطان ) ، فكانت لحظة مباركة ، السنة بكر ، الساحة نقطة منسية لم تؤرشف بعد ، الأنظار تمر بالرأس كل يوم ، لحظة مخنوقة ، اليعازر راقد دون حراك ، اثنان من كلاب الحراسة ، اقتربا منه ، علق أحدهما : إنه يفكر ، انه نائم الآن ، بل يتظاهر بالنوم، أجابه الآخر : دعه يفكر .. مجرد تفكير ، كيف ؟ ، ماذا تقول يا هذا ؟ حتى وان كانت أفكار عقيمة لا تثمر ، طلقة دون بارود تصدع ، انفجر الهدوء في هيئة أحدهما، قاطع يديه بعصبية ، تشنجت كلماته ، نظراته طفحت بالغضب، بصق في وجه الساكن ثم ابتعد مسرعاً ، يتبعه الآخر مكتئب الملامح ، دقت الساعة وظهرت إشارة نهاية البث على الشاشة المقابلة للمذيع الذي ابتلع لعابه بصعوبة قال إلى اللقاء.
مــذكرة :
أحد الباحثين في آثار المدينة كتب مذكرة قال فيها : رأس تتكور في دماغه أسئلة مرفوضة ، رجل مخبول ، عاش حياته غلطة ، أراد أن يقول شيئاً ، ساعة ضحىً ، صفق له الجميع فنسي ، وتوقفت أفكاره، السنة بكر، والبرد يسفع الوجوه ، نداء الله اكبر يملأ القلوب رضاً ، تمر به سيارات الموكب ، في وقت كان يرتب أكياس النفايات مثل أعوامه السالفة ، اليوم الخميس ، يلتقي نصفا الدين ، بصق في برميل القمامة ، مسح أنفه بكم قميصه ثم رمى الموكب بنظرة متأملة ، عبر خلالها الوقت والصمت والسكون ، فكان بهيئته تلك حتى صار دمية .  السماء لم تهبط بعد ، سفينة نوح لم ترحل ، مقال وصفي نشرته إحدى صحف المدينة جاء فيه : 
النوم في الرأس بطاقة دعوى ، ثمة صوت ينهر من بعيد ، كانت تلك حكاية ، أقسم لك .. لم أسمع … كذاب .. تتظاهر بالنوم ، حكاية وحسب تمر في ذاكرته ، دون شهود ، لا يفصح عنها لأسباب ذاتية ، على أثرها دخل مراكز الشرطة وثبت اسمه في ملفات القضاء، حكاية كانت، تدور في مخيلته كل ليلة، كل لحظة ، أراد أن يقول شيئاً ، ساعة ضحىً ، فضاع صوته في وهدة عميقة، لملم حطام كلماته وانسحب بعيداً إلى داخله الراكد المتحجر ، المتوقف عن الحياة لسنين خلت ، بعيدا إلى سكونه الطفل المذبوح بشفرة كلمة سباب بذيئة ، ذلك المتأبن بأجراس نورسة أثكلها البحر يوماً ، في ذلك الوقت ، ذكر أن حوذياً انهزم في مشاجرة خاسرة في إحدى ساحات المدينة ، تمتم اليعازر لحظة الفجر ، اهتزت شفتاه ، أراد أن يقول شيئاً ، أحس بالبرد يخذل جسده فارتجف ، أراد أن يحاول ، مازحته الكلمات. ربتت على جدران حنجرته من الداخل ، فحضر الخجل ، وحضرت الساحة المتآكلة ، فانزاحت الكلمات جانباً، طرق صدىً :
( قم فانذر … يا ابن آدم … السنة بكرٌ ) .
لم يعلق ساد هدوء حذر ، بغتة انفجرت طلقة جافة ، فاندثر السكون البرعم، وحضر المشهد ، ويختم المقال بعبارة : إنها مجرد حكاية وحسب ، عذراً للإطالة .

*****

يوميات الوقائع الرسمية ، ملاحظات ، لمحات نقدية ، إشاعات ، احتمالات، حضر المشهد ، أقدام تدوس الساحة ، موكب رسمي ، احتمال ، دورية حراسة ، احتمال آخر ، لصوص ، احتمالات واحتمالات ، في غفلة تصرخ براعم العشب تحت سنابك الخطى المشدوهة أبداً ، لم يقفوا ، لم ينتظروا، يطاردون لعاب العملة الصعبة، بين جلودهم والعظام يرقد أرق عجوز ، إنفرش جسد الساحة ، آخر ما تبقى من عيون الليل ، ثلاثة ، أربعة موكب صغير ، أقداح تغسل ، طاولات تستبسل حتى آخر السمر ، الشاي بالحليب يفاوض معدة خاوية كل ليلة ، تمر بالساحة ، دورية حراسة ويبقى الرأس وحده في الخواء ، دون فكرة تجر بقايا الخدر ، يجوسه البرد فيرتجف ، في لحظة ، ينفض رأسه ويباغت الأشياء بنظرة شبقة ، ثم يبتلع مسافة صمته ويمضي ، يمارس اغماضة جديدة ، يرى نعليه ، جروح راحتيه ، يلوح بعباءته دون أن يراه أحد .

*****

في وقت غير معلوم ، تأتيه كلاب الحراسة ، تمازحه ، تتنفس روائحه ، تتفرس في ضباب عينيه الغائمتين ، ترتب شاربيه الكثين ، بحراب البنادق تمشط شعره الأشعث ، تفتش جيوبه ، جلده المخربش بمخالب العناكب ، تدس في بطانة سترته إصبع بارود أحمر، كل يوم ، تحتفل الساحة ، ساعة ضحىً ، يحتسي إسرافيل قهوته في السماء السادسة ، الرأس مثخن بالصور، حينما استحضرته الأخيلة نهض والت دزني من على كرسيه وانحنى بقبعته امتناناً، مرّ به متسول، دس كفه في جيبه فالتوت أصابعه في فراغ رطب ، فملأ الغضب شدقيه واحتشد في تجويف فمه لعاب لزج ، انقذف ، رشقة أمطرت الوجه الجامد الملامح ، انساب اللعاب ، مثلما الوقت قطرات تمسح الزجاج.

*****

نداء خفي تردد في سماء المدينة ، اخترق سكون المساءات الهادئة ، ( قم فانذر ..قم … ) ، تتمات الأعمدة الناقصة ، ذكرت الصحف ، المكان / ساحة نصف عارية ، المجلس / قنفة، مقصلة باردة ، الكلمة الأخيرة /ضوضاء حذرة ، عندما تنفجر طلقة تمطر السماء صمتاً، وفي الوقت الذي أتى وجد إسرافيل نعليه.

تقرير الشؤون النفسية :
وحده يتمنطق بكسله حد الرقبة المنخورة ، يتمترس بصمت مزيف، لاتراه يدخن ، إلاّ أن بطانة ملابسه محشوة بالسجائر ، لا تشعر أن له رئة تعمل ، النوم في رأسه بطاقة دعوى ، عيناه إلى الأفق انشغال دائم، يحتسي خمرته في الظل ، يناقش من موقعه مسألة فلكية ، ينام مع النساء العاريات دون ترخيص قانوني ، وفي آخر الليل يصلي ، يبكي ، يتذكر، يعبر بنظراته حاضر الأجساد، يتراجع بين سطور المعاجم ، يتأرشف بين أدراج المكتبة القديمة ، في لحظة يقهقه ، يسخر ، ربما يلعن لحظة تتمسح بقامته بائعة هوىً منبوذة ، انه باريس الزمن الآخر ، ثم يلعنها في نفس اللحظة ، سامد في تجهمه ، يتبادل الرسائل والطرود البريدية ، يستلم برقيات الفاكس بلباقة خاصة ، يعقد برنامجه ، بالشمع الأحمر يختم مراسلاته، لم يغمض يوماً عينيه ، يرى العالم بين رموشه ، فقاعة ساخنة تصارع لحظات النهاية ، يتحدث مع أجساد غير مرئية، تهمش الهواء بحركتها ، خاطفة تمرق في سكون ثمل ، تتابع شرود ظلالها الهاربة ، وقبل أن يختفي يركل الساحة بكعبه، ملاسة جلدها تدهس راحتيه، برودتها تندغم في مساماته الثائرة فيتأفف ويمضي .

*****

يوميات المدينة الملائكية :
تجوال ، مشاهد يومية ، في الظلام الرطب تهجع البيوت ، في صحوة الليل البارد ، ينمو المشهد اليومي ، تنام المدينة ، إسرافيل يتذكر بوقه ، الحاويات عند الأبواب ، ماركات مسجلة ، تستر قبح الحضارة ، الكلاب البوليسية كلاب حراسة ، ترتشف الشاي بالحليب ، نساء ملونات ، يتحسسن ملاسة سيقان غضة ، تبتلعهن في المساء محفظة ثري أعور ، اللافتات تطرز واجهات الأبنية ، المحلات تتزين بتاج الشرفات، كارتات السمر الليلي مختومة بالشمع الأحمر ، يرن الجرس، تتقيا النوافذ نوراً هشاً ، قندس يتكور في هيئة بواب ناحل ، يتهدل لسانه ، تسيل منه نتف لعاب كثيفة ، يرن الجرس ، إشارة البدء ، ترتجف أطراف ، تحك أفخاذ ، هو/ يرفس الباب بكعبه ، القندس يتابع من الثقب ، يتأفف اليعازر ، يختض بدنه، مارد يشق صدره ، ينفلت كالسيل، يلوث الستائر المخضبة ، باندثار حبيبات ضوء خافت ، يرى، يحترق ، يتبول في صندوق الشكاوي القريب من مكانه ، يرى جلجلة رحيل المدينة إلى مخدعها ، باتت الشوارع عارية الا من بقعة ظله المتأرجحة هنا وهناك ، يتابع اختناقات النور في الزوايا ، تستقبله البراميل حبلى بالأشياء ، في صندوقه دفقة أنفاس مضطهدة ، هكذا يشعر بها ، وصرح أكثر من مرة بها ، السماء لم تهبط بعد ، إسرافيل نفخ بوقه ، رفع اليعازر رأسه ، دون كلام ، اغتالت صمته حكمة المسيح ، صفقت أصداء الخطى الذاهبة إلى مكائن تقليص العمر، قرب أذنيه ، عبث فتح عينيه ، فرأى السماء لم تهبط بعد ، والأشياء معلقة من جذورها ، تذكر نيوتن ، سمد في تجهمه ، من وراء ملامحه الضبابية ، مارس إغماضة جديدة ، لملم المذيع أوراقه وودع الناس بابتسامة يافعة .

*****

أول الصفحة


 © Arab World Books