Home
ركن الأدب

" أناملى الخشنة "


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث


قصة قصيرة بقلم أشرف غنيم

 
ظللت هائما على وجهى فى هذه الصحراء ، أشعر أنها تضللنى عن سر طرق السير الصحيحة حتى فوجئت بأننى جائع وسأموت من العطش ، أحتاج إلى عرافة الحى لتضرب لى الودع ، حين تنثر بين أناملها الرمال أمام حجرها ، أمرق من صحرائها الشفافة ، ليدوم نبضى الأبدى ، ويدون بقائى على صفحات مقام الصدق ، تحترق البرتقالة الذهبية حينا من الدهر ، وهى تسبح فى جوف الفضاء وتدور بين مشارقها ومغاربها ، بين نهوضها من رقادها وتوهجها ، انقداح ضحاها العالى ، اشتعال لهبها دون أدخنة ، سقوطها فى البحار أو الحقول خلف الديار وناطحات السحاب الشاهقة ، تنطفئ جزوتها بين السحب والغيوم ، يكشط سقف الكون ، تنكدر النجوم ، تطوى السماء كطى الكتاب المفتوح على إتساعه ، زركشت صفحاته بمجرات وأطياف وأقواس قزح ، يأمر الملك ملاك الموت أن يموت فى مشهد تراجيدى يملأ صداه فضاء الكون الميت ... ولا يبق سوى الإله بجبروته… يرج الكون صوته.
لم أضلل الطريق أبدا فى الذى اعتقدته ، كأنه هو ذاته الحقيقة ، وليس غير تلك الشجرة التى ترخى سدول أوراقها ظلا ظليلا علامة متحركة عليها فوق وجهى ورأسى ، فى هذه الصحراء الشاسعة القفر ، هى وحدها من أحبتنى ، لم أتصور يوما وهما أشد من هذه الحقيقة الشاخصة ، لكننى رضيت به ، كم هى عسولة مذاق شهد رضابه فى فمى ..... حاولت الهروب منها ، لم أفلح ، يجوب فرحى أفدنة بورا شاسعة فى أرجائى ، ليبذر نبته ويغرس شتلاته ، فيزداد عشقى لكون طرفه لم يستشف بعد.
أتى صديقى يقرأ عن هذه التخاريف العلوية ، وأنا أوسم بها صفحاتى وتدويناتها اليومية لى ، كم هى الفيوضات التى يختزنها العاطفيون أمثالى فى قلوبهم الطرية ، وتصبح لهم غذاء مثل التين والزيتون ...... قال:-
- أنت ضعيف أمام الأحرف الناعمة الحريرية الملساء ....... وهى تكشف لك عن بضتها ، فتخلب لبك .......
حلقت فى أفق خلايا العسل التى ملأت فمى ، زادت عسولتها وهى تذوب كفنضام فى لعابى المنحدر كسيل لم أستطع إيقافه ..... لم أتوقع لحظة أن مسارات المعاصى يمكنها أن تنفتح أبوابها على بهذا الشوق الدانى ، وتطلب منى قطوفه ، ثم تقذفنى كخطيئة مكبوته لدى مخلوق غرق فى الألحاد بين هذه الأوثان البدائية ...... أشرقت إبتسامة لها ألوان عديدة رشقتها فى عينيه ، تهتز رقبتى كإبرة الحياكة الصدأة .
قررت أن أكشر عن أنيابى وأكسر هذه الكبارى التى مدت داخل قلبى ، وقطعت وجففت الورود التى تفتحت داخلى ، عبر كلا طرفى الكرة الأرضية ، طرفى المسكونة ، النقاط المجازية لخطوط الطول والعرض ، المشارق والمغارب الأنية والمنتهية والمستيقظة لتوها ، وكل أذرعها التى مدت ناحيتى .
ذبلت الشجرة وجفت فروعها ، ليتها تغلفت بقدسية شجرة العذراء ، نمت فى أركانى إغمائة ، أصابتنى مدة طويلة بتباريح الحزن والجوى الدفينين ، أفقت بين جفنى عينى منذ قليل ، لأجد أشواك الأسئلة عن سر الحقيقة تدمى جراحى ، أبحث هنا ، هناك ، عن آثار الشجرة ، لأسقى الفروع التى أستشف إخضرارها يوما يأتى .
لم أجد سوى رزاز فمى المعبأ بالميكروبات واللهاث ، ظللت هائما على وجهى فى هذه الجنة الموحشة ، أناشدها الإخضرار ، والرعب يحاصرنى من داخلى ، ويجبرنى على عدم الحركة والتشبث بمكانى ، وأنا أرفع من ترابها فوق رأسى .
دخلت بيتى ، حيث حجرة نومى ، لإستعادة بعض الوعى الميت والمنتهى أين لا أدرى ، من الممكن أن يكون بين دفء دفتى مخدعى .... المعدوم ..... حيث لا شئ .
- مؤكد أنك صرخت يا سيدى.... فى ماذا ؟ ، أه ، حينما تصبح رميمً ، أشلاءً .....
- أنت لا تدر يا نفسى ، إنها رؤية بعض القمامة التى نويت أن أفتتها ، وأطيح بها من النافذة حينما يتنفس الصبح وليدا جديدا.
كم حلمت هنا على حافة هذه النافذة ، بأننا نستقل الحافلة ، ونمرق بها بين الزروع والمروج ، أو أوزات شراعية ملونة ، أو بساط شيرازى سحرى ، هنا لابد أن يعجز لسانى عن إخراج الأحرف ، ليس غيرها مرج أشجارى الفواحة فى واحتى الصغيرة .... إمتطانى البكاء ، وزلزل كيان إعطائى أذنى لمتفرج لم ير شيئا فى جنة ملاكى المتكسر الأجنحة.
إنتحبت بدموعى الحقيقية على صدرى العارى – كاوية ، مشوهة جلدى - من لون غير واضح ، وعلى أصابعى بدت دموعها فى أطرافى البعيدة اللامرئية ، أقصى الأقاصى ، قسوة عدم الصراحة فى الولوج إلى الدنو والتدلى ......
- نويت الآن فقط أن أنظف حجرتى لعل زائرا يطرق المجئ ..... حين يلاحقنى ، أو تهب رياحه عندى .
- انتظر ، ماذا بيمينك يا سيدى ......
- إنها ورقة مضغوطة ......
- فكها يا سيدى ...... فإذا بها شيئا يعيدك إلى سيرتك الأولى .
توقفت بين طرفى نظرى ، بين أصابعى المتشنجة ، العارية من الأوشحة ، المتسخة بالأتربة .
نفضت عن الورقة الأتربة بإبهامى ، وبتكاتف أصابعى ، نزعتها من تكوماتها ، فتحتها ، بسطها مفلطحة على اتساعها ، أعدل من تكسراتها العشوائية وكرمشاتها المتزايدة وأخاديدها المتتاخمة ، إنها رسومات التاريخ وروعة أحاديث أزمان ونقوش الفن القديم عنها ، إنها منها ، يا لنعومة أناملها ولون مانكير أظافرها ، حين تدب فى الحياة الألوان الطازجة .
بدأت تلتقطنى الأحرف المزروعة هنا وهناك ، ترقبنى من خمائلها ، تغازلنى بطرفها ، نباتات فواحة بالبخور والدفء على أشرعة كالآعلام تجوب البحور فوق صوارى الفلك العتيقة ، شعرت كم يغطس داخلى قاتل ، ضربت رأسى فى حائط القبو حتى إستعصت سيول الدم عن النزول إلى الأرض ، لماذا اجتثثت اليانعة الرائعة ، لما لم أقس بين قسوة السمع وتريث الصبر فى الفتك بحباله المهترئة ، حتى تتم الرؤية ، أه من أولئك الأربعة أصابع .
- لماذا ؟
تعاود أحرفها فى فمى الإشراق والإخضرار ، ما أن تغرب أو ينتابها الإصفرار ، تشعر أركانى بأحتراقى على أحد أعمدة جنتى ، لا أستطع إعادتها ، ما يبرد البكاء الحارق ، لأن ما سيسقط الصواريخ الكيميائية من عينى ، لن يمنع منصتها من إعادة الإطلاق ، تكسرت أنفى بأناملى الخشنة ، بأناملى الخشنة كتبت إليها سطور استحقاق المنع ، لم أستطع تفسير أى من بياض أوراقها فى الماضى ، أحسست الآن أن قلمى إذا هو حية من صدرى تسعى ، لم أجد ما يسلينى عنها سوى إستمرار بكائى بين أناملى الهشة العرجاء .
تمت

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books