Home
ركن الأدب

الطين الأحمر

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 


قصة قصيرة بقلم سليمان على السلطان- السعودية

 

كنت عندما استيقظ في كل صباح والضياء يدلف بحياء ليعانق الظلام، اتوضأ مباشرة للصلاة وكنت اتجه إلى الأعلى حيث سطح منزلنا، لأؤدي الصلاة هناك في جو يغمره السكينة والهدوء، يملأ قلبي بالخشوع والتبتل مما يجعلني أشعر بأني جزء من دراما هذا الضياء الذي يتسلل ببطء إلى أرجاء الكون.

قد كنت أسكن مع أمي وأبي وأخي الصغير في منزل يتكون من غرفتين صغيرتين، وفناء كبير فسيح نقضي معظم وقتنا فيه. كان منزلنا كغيره مبنياً من لبنات الطين بناء متواضعا بصورة توحي ببساطة الحياة التي كنا نحياها.

وكنت بعد ان انهي صلاتي، أبقى في السطح، أحدق بالمقبرة المحيطة بنا. لم تكن تلك المقبرة كبيرة كما بدت لي في طفولتي "فقد زرتها قريبا وأدهشتني انها الآن تبدو أصغر"، لكنها من دون شك كانت أكبر من البيت الذي كنت اقطنه. قد كان بيتنا منعزلا عن البيوت الأخرى القريبة منه، ولم يكن يشترك معه في إحدى سوره إلا هذه المقبرة. وكنت اقدر ان انظر إليها من خلف هذا السور الطيني المتهدم في بعض جوانبه التي كانت منخفضة إلى الحد الذي يسمح لي بأن انظر فوقه رغم قصر قامة طفلة في العاشرة من عمرها - طبعا بعد ان اقف على أطراف أصابع قدمي.
كنت مغرمة بأن انظر إليها. ففي الفجر كنت احب ان أشاهد خيوط الصباح تسقط على فنائها، فيكشف بعضا من أسرارها وخباياها التي تقبع في كل بقعة في طياتها... لقد كانت القباء مصفوفة بغير عناية على امتدادها والحصى الأبيض منتشراً عليها، وهو المَعْلم الوحيد الذي يدل على ان هاهنا يقبع جثة إنسان، فتنبه المارة من ان يطئوا جثث الأموات توقيراً للموت والأموات..

خفف الوطأ ما أضن أديم الأرض
إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العهد
هوان الآباء والأجداد

لقد كانت المقبرة تبدو لي غريبة كأنها ليست جزءا من أرضنا، وكأنها قدمت من فضاء وعماء اصمين لا يمتان لهذه الحياة بصلة. فما أغرب ان توجد الحياة والموت في آن معاً. فالحياة نقيضها الموت والموت نقيضه الحياة.

عندما كنت أسأل أمي عن كنه هذه الطقوس المبهمة التي تجري مراسيمها في قلب المقبرة، فقد كانت تجيبني بإبهام مساوٍ لإبهام هذه الطقوس. إلا ان قصصها التي كانت ترويها لكي تفسر لي الأشياء التي تثير اهتمامي أو التي ينبغي لي ان أعرفها تأسر كل مجامعي. فقد قصت لي عن قابيل وهابيل، وكيف قتل هابيل على يد أخيه قابيل من أجل امرأة – توأمته "إقليما" الحسناء ، وحكت لي كيف بدأ يومئذٍ أول عداء بين إغراء جمال المرأة الساحر والموت القاتم ، وأن هذا هو السبب وراء عويل وتلطيم النساء في المأتم تعبيراً عن هذا العداء الأبدي ، وقد حرم عليهن أن يحضرن دفن الموتى أو زيارة القبور سخطاً على عدوهم الموت ، وأصبح هذا حسراً على الرجال فقط.

وقد أخبرتني ان قابيل وقع في الحيرة أول أمره بجثة أخيه، وأراد أن يخفي ما ارتكبه من إثم، كما حاول أبوه من قبله ان يخفي سوءته بأوراق الشجر.. ولكن سرعان من انتشل من حيرته عندما رأى غرابين يقتتلان، ووارى القاتل منهما أخيه المقتول في التراب..

وأصبحت منذئذ عندما أنظر إلى المقبرة كنت اتوجس طائراً أسود على قباب الأجداث وعندما أنظر إلى الرجال زرافات يدخلون المقبرة حاملين نعشاً فوق مناكبهم لا أرى الغراب ولكنني أرى فقط "الأقابيل" يوارون جثة أخيهم خلف في جوف التراب، فيعود التراب إلى التراب تارة أخرى!!!

***

جاء رجل وامرأة إلى منزلنا ذات يوم، وقد كانا محملان بأغراض كثيرة، وقد نزلا ضيوفاً في بيتنا، لقد فهمت مما سمعت انهما صديقان لأبي عندما كان في عمان يطلب الرزق ويزاول التجارة بعد ان جدبت أرض نجد وشح قوتها.

كنت اتعجب من بطن المرأة فلم يكن مثل بطن أمي، بل كان منتفخاً مما يدفعني إلى الضحك.. وقد علمت بعد ذلك ان هذا هو ما يسمى الحمل والولادة – ولادة الإنسان... ويبدو لي انها كانت مريضة، فقد كانت تقضي معظم الوقت في الفراش الذي بسطته أمي في إحدى أركان غرفتنا. وقد كانت أمي لا تدخر ما في وسعها لكي تخدمها في كل ما تحتاج إليه من الرعاية والاهتمام، وطبعاً لم أكن أبخل عليها بهذه الخدمة أيضاً.

رغم ان شكلها كان مضحكاً إلا اني اشعر في بعض الأحيان بالرأفة والشفقة لاسيما عندما انظر إلى عينيها وأرى التعب والنصب قد أخذا منها كل مأخذ.

***

قمت يوما ما كعادتي في الصباح الباكر إبان الفجر، وسمعت أنيناً في ركن الغرفة التي ترقد فيها المرأة مع أمي. وعندما نظرت إلى أمي بخوف ودهشة، أمرتني ان أترك الغرفة بحزم. فما كان مني إلا ان اذعنت بسرعة إلى طلبها وجلست في الفناء. وفاجئني ان أبي وصديقه كانا في الفناء ايضا. لكنهما لم يكونا يتكلمان بل بقيا صامتين كصمت الموت. رغم ذلك تستطيع ان تلمح صراعا من القلق يتعارك في محيا وجهيهما لا سيما صديق أبي الذي ظل طوال الوقت مزموم الشفتين وكأنه مشمئز من شيء كريه وبغيض.

ما أزل اذكر نظراتهما التي يوجهانها إليّ كلما اختلست النظر إليهما، وسرعان ما أشيح عنها، وانظر مجددا إلى "شلخ" في جدار السور متشعب الأطراف، وكأنه أياد تمتد لتعيث فسادا وقتلا في العالم. بقي الأمر على ذلك لوقت طويل لا اذكر بالتحديد طوله، ولكنه كان مؤكداً طويلا جدا حتى ان سنة النوم قد غلبتني، ومجددا استيقظت على صراخ الألم المبرح الذي كان يصدر من المرأة في الغرفة، وأمي لم تزل في الداخل معها تحاول ان تخفف من أعباء الألم.

بغتة أطبق الصمت على المكان، وتوقفت عقارب الساعة. وسرعان ما شق الصمت جهشة بكاء مكتومة صدرت من صديق أبي، وتمتم أبي بكلمات له اعتقد انها كانت كلمات عزاء.

وبعد مضي أشهر على هذا الحادث كاد أن يمحو من ذاكرتي. وأنا لم أزل على سابق عهدي ، اذهب إلى السطوح في كل صباح وانظر إلى المقبرة والشمس تشرق عليها، أو ان اظل انظر إليها لفترة طويلة من شق السور المجاور لها. لا أدري لماذا لم أمل النظر إليها، ربما لأنها كانت هي العالم الغريب والوحيد في نفس الوقت الذي يحيط بي. فلم يكن يسمح لي بالخروج إلا قليلا للجيران عندما نتهادى بعض الطعام.

أمطرت بشدة هذا الشتاء على غير المألوف. وبدأ المطر ينصب انصبابا على البيوت الطينية حتى أخذت تميد من شدة المطر. وأخذت المرازب تتدفق بالماء وتصبها على الشوارع الضيقة والعارية إلا من حصى كان يدمي أقدام العارية عندما أذهب إلى جارتنا ناقلاً لها بعض الطعام من أمي. وظلت لساعات طويلة تهطل بشدة حتى شعرنا بالخوف من أن يسقط المنزل علينا. بقينا في إحدى الغرف التي اعتقدنا انها الأمتن والتي لم يكن الماء يخر من سقفها بشدة.

وتوقف المطر فجأة كما جاء فجأة..

أول شيء فعلناه هو ان خرجنا إلى الفناء.. ورغم ان الخراب الذي أحدثه المطر إلا اننا كنا سعداء به، وكنا نستنشق بشغف شديد الهواء الذي تشبع بذرات الماء العذب. لكن السور الذي كان يجاور المقبرة أصبح مهدما في معظمه، وانجرف التراب بعد ان امتزج بماء المطر المتربص واصبح طينا أحمر اللون مبعثراً في أرجاء الفناء. ورأينا بين هذا الركام جمجمة كبيرة مرمي بجانبها جمجمة صغيرة جدا قد جرفهما المطر من مثواهما الأبدي..


تمت     13/6/2001م

أول الصفحة


 © 1998-2000 Arab World Books