Home
ركن الأدب

 احتفاء بموت عصفور..!!


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


قصة قصيرة بقلم تحسين كرمياني


أثيراً لاح المكان،قفار لانهائية وسماء تتوغل صوب متاهات تتشح بغبار يتكاثف،دبابات تتستر بمخادع مموهة،صفائح ماء مركونة بين شقوق ساترة،صناديق لاكت مواقد النار أضلاعها(مسح العصفور ما حوله)ثمت هلع يعصف به،ربما جراء غربة وجد نفسه على مضض فيها،غربة لا تحتاج إلى تفسير على ما أظن،وربما كان يقيني الذي ما خذلني قط،وحدانيته رفضت ركوده،هذا ما دار بذهني في ذلك الفراغ المتحرك،في مكان أينما يولي المرء وجه،رفوف رمال تتناسل،سماء تهرب،وحرارة لا ترحم..!!
***
وقفت بصمتك الوديع ورحت تتفرسني بهدوئك المريب،كأنك يا صاح خضت في تلك السانحة الأثيرة دهاليز رأسي،يقيني أشعرني أنك قرأت ما جال في خلدي من سؤال فاضح بعين بريئة..قلت:أجله ساقه بسوط الرغبة لنحتفل بموته وربما جاء هو ليشهد احتفال موتنا..!!ما زلت أحتفظ بنبرة الأسف الذي غلّف بشيء من الشجن كلامك،وتلك النظرة الغاضبة الغامضة التي كانت تنذر بما سيأتي ونحن جنود مدفونين أحياء في شريحة أرض لا تنفع،ظل المسكين يتقافز بذعر واضح يمسح بعين نائحة ما حوله فوق أنبوب الموت المندلق من دبابتك،كنّا واقفين واجمين بعدما خرجنا من ملجئنا لنتأمل الفضاء ونقرأ كما تعودنا طالعنا قبيل بدأ احتفالات الموت المسائية،قفز قفزتين قبل أن يندفع محلقاً ليرسم خطوط وهمية متعرجة بتحليق بهلواني،سرعان ما عاد ليجد فك دبابتك ثانية كملاذ لابد منه،رغم رفوف الموت الجاثمة في تضاعيفه،مد كف المعروف وأستقبله،آه..بطبيعة الحال،السلاح يشبه حامله،كلام اتفقنا عليه همساً مذ تعارفنا في جبهة الحرب،لقد مر زمن ليس بالقليل على ما حدث،لكن ذاكرتي ترفض نبذ تلك المواقف المؤلمة،توقفت على مواقف واكتفت بتغليفها بأردية من ذهب كي لا تذهب،ومثل كتاب أثير يبهجني أو ينزف همومي كل مساء،تمكنت من قراءة لوح ذهنك،من خلال سحنتك التي بثت على هواء طلق ودون خوف ما كان مخبأ أو ما كان يوافق الذي شلّنا في أصيل آخر من أصائل التناطح الحيواني من أجل ذوات لئيمة تسوق نفوس بريئة لتتسلى بقرع طبول الوهم والتغني البربري دونما استحياء،نفوس تتنفس نتانة القبح وترش بطرق شيطانية من مناخرها أوبئة وجراثيم حاضنتها أجسادنا،قل لي بربك ما الذي أفترسك رغم ما قلته لي،لم أقر أنك كنت تخبأ شيئاً مروعاً،أنت يا من علمتني مفاصل الصبر وسبل تحمل تلك الحياة المجانية في رقعة أرض بائسة لا يتقاتل عليها إلاّ الخرفان البشرية التائهة،حتى الغيوم ألغتها من حساباتها الفلكية وأعطت رقع أخرى ما كانت تستحق من مطر،حالة دعتك أن تطحن براكين لاحت بوادرها من خلل ما ترقرق من دمع وأسئلة في موقيك،آه..يا صاح ليس بوسعي كبح جماح أغواري،يقيناً ستعفيني وتغفر لي هذا التذكار المتواصل لحالة باتت من قرن المآسي،قر عيناً أنت تخلصت من اللئام ونلت جواز سفرك الذي تمنيته قبل أن تلوث يديك بدم إنسان بريء مهما كانت هويته أو موطنه،إنسان يساق رغم أنفه ليجابهنا من أجل إرضاء تيس وحشي،اتفقنا عليه:زائر ودود وصل الحدود لأسعاد الجنود..!!.ألهب أغوارك وحرر بكل عفوية وحنكة تفاصيل طفولة لم تجد في أرض القرارات اليومية استقراراً،بطبيعة الحال العطش هو الذي دفعنا،آه..نسينا أن نشرب الماء طبعاً،كنّا لحظتها نتصبب عرقاً،صيف قاسي وزمن يخاصم بنيه،لم يحصل أن رأينا عصفوراً أو طائراً،حتى الطيور المهاجرة ألغت تلك المسالك،كونها خارجة الحسابات الذهنية لمن يطمع ببلدان الفقراء الغنية بالآلام،فقط هذا ما يعرفه الجميع،جرذان و(جرابيع)،ترافقنا أينما تسوقنا الأوامر،كائنات ذكية تتخذ دباباتنا سفن رحيل،كونها وجدتنا خير أمناء لها لتوفير الغذاء وإذا ما نثرتنا القذائف تحتفل بلحومنا الطرية،عذراً..في تلك الوقفة قطعت صمتك النبيل كي أستدرجك وأحررك مما كان يسكنك..فهت:أتراه أمض به الشوق لصاحبة أفتقدها..؟؟.قلت:كلا..ليس غير الخوف يسكنه..!!.ربما تدرك الطيور أجلها،هذا ما رصدته جراء لحظات متفاوتة،عبر مسيرة عرجاء لحياة تعيسة،آه..كنت تقول:تعاستنا إفرازات ساستنا..!!.ربما كنت في تلك اللحظة على خطأ،لكن ما حصل وما سردت لي قرّب وجهات نظري ورسخها أكثر من ذلك اليقين الذي ظل لا يتزحزح من مفكرة ذهني،قلت:يرقص الطائر قبل حتفه..!!.وأرسلت كفك اليسار لتربت كتفي اليمين،حالة لم تفعلها رغم عشرتنا التي أكلت من السنوات ثلاث،عيناي واجهت بجملة أسئلة عينيك،هززت رأسك وسحبت كفك،وإلى ذلك الزائر نقلت بصرك،لفظت نفساً لم أعهده فيك،عرفت في تلك اللحظة أن أشياء مثيرة تتغربل وتحاول أن تثور كبركان رؤوف يخبر القاطنين في الجوار بما هو عازم عليه من خلال استهلالات تنذيرية،يا صاح..حرام ثم حرام أن ترمى في هكذا مكان كي تنعم جرذان بشرية في عروش صنعها الله من أجل أئمة عدل لا أئمة قتل،أليس من حقي أن أغضب وأثور وألعن كلمن ألقى رداء القتل عليك من أجل احتفالاتهم،آه..كنت تقول:يا فلسفة يا بطيخ،هذا الغامض بن الغامض أتخذنا قطيع لا تنقرض من قرابين ليحتفل كل يوم مع شياطينه على جثثنا..!!.نعم هكذا فعل ودحر كينونة حياتنا لحظة ربط كل جرباء بين جوقة أصحاء،أراد تسيد الشواذ على رؤوس الشرفاء لأن كما أسررت لي:وافق شن طبق..!!.لا بأس إن مضينا نحن لابد أن يأتي ولو بعد حين عنيد مغامر يقطع الحبل وينطح راعينا البليد،آه..يا صاحبي..يأخذني حديث ذو شجون دائماً وأبداً كلما سعيت لشرخ رداء الكآبة،ليس بوسعي التخلص من ثيابنا البالية،كلما أرتق ثقباً زمنياً أكتشف أورام تنفثأ عن قبيح سنوات لا تنفعها الترقيع،عزائي هو إيقاظك من نومك الملائكي وإقامة احتفال يليق بك،حسناً أنت قلت لي:هذا العصفور له رديف في ذاكرتي..!!.استدرت لأقف وجهاً لوجه أمامك،لم يرف لك جفن،بقيت متفرساً مثل نحت تدس فيّ رعباً لمّا يزل يزاملني،كان العصفور يواصل رقصة الموت،لا يبالي ما الذي يجول فينا،يتقافز تارة وطوراً يحلق ويتقهقر،همست:ربما أتخذ من دبابتك ملاذاً وحين أفاق من سباته أكتشف تغيير الحياة،أو هل من الممكن أن له صاحبة زرعت بيضها داخل حاضنة الموت..؟؟.استدرت وأنت تهز رأسك،قلت:في طفولتي ثمة حالة مماثلة حفرت في هذا العذاب المتراكم،عصفور أحتفل بموته وظل احتفاله قاموساً يضيئني بكل ما هو نبيل،رقص رقصة موته وأبقاني المشاهد الوحيد في مسرح العذاب..!!.لقد عذبتني بتلك المكاشفة،صرت مشاهداً على رقصات لا رقصة واحدة،ربما أنبلها رقصة العصفور الذي رقص رقصة موته أو بالأحرى أفتتح مسرح عذابي أمام رقصتك،نعم أنك كنت مثلي،طفولتي مثل طفولات الفقراء،كلنا أثرنا متاعب،كسرنا مصابيح أعمدة الإنارة،لهاثاً وراء العصافير،شيء عادي جداً في زمن رديء جداً في بلد يحتفي بالأغراب ويسمنهم بعرق جبيننا،ليس ثمة تفسير آخر لما جرى،لم يرمونا في متاهات ويحتفلوا كل ليلة بمجد ورقي تتزاحم أكتاف ومناكب وتذوب راحات أكف من أجل نفخ كبش بلادنا مثل بالون..يا صاح..نم قرير العين،لن تحاسب طالما ندمت ودمعك الغالي من أجل عصفور من بلدنا ذرفت،عصفور جاء يحتج وربما أسرّ لنا إحدى أسرار الحياة المنسية،سر أنت بحت لي به،نعم قلت:إياك أن ترمي على من يرمي علينا..!!.من يومها كنا ندفن قذائفنا في طيّات رمال الساتر تحت ذريعة (كذبة رمي)ولكن العتاة يدركون أسرار كل الألعاب الإنسانية،دائماً يسدون المنافذ بوسائل غاية في الشيطانية،لقد جاءنا أمر يطالبنا بتجميع أغلفة المقذوفات،كانت لحظة حرجة،نحن دفنا عشرات القذائف،آه..دائماً الإنسان النبيل يحفل بذكاء مباغت يسنده كلما جابهته أعاصير لا إنسانية،كيف تمكنت ومن غير علمي أن تعمل عملتك الماكرة ـ عذراً لهذا التوصيف ـ كانت طريقة منقذة وساحرة،وحدك تمكنت أن تنقذنا من هلاك عظيم،بين كل صندوقين أغلفة،دسست صندوق مقذوفات وبيلة احتفظت بوبائها..همست:إذا ما عرفوا سيربطوننا على صواريخ أرض..أرض ويرموننا صوب المتاهات..قلت:هيهات أن ينتبهوا هم سلاسل أغبياء متصلة،عدّوا الصناديق وحملناها لهم وذهبوا بعدما تطابقت المواقف اليومية مع الجرد..!!.همست:ليكن ما يكن هو الموت واحد..قلت:كل عمل إنساني الله يكفله..!!.لكم وددت أن لا تسمح لذلك العذاب الطفولي أن يربك خلوتنا،نحن فقراء،لنا خصوصيات مماثلة،نفس اللعب وإن توزعنا على أقطاب الأرض،نفس الحلم يراودنا،عصفور رقص أمامك وصعق جراء رطوبة سلك الكهرباء في زمن قديم لم يبلى،أيستدعي كل هذا الصمت البليغ والعذاب المديد،كنت على يقين انك تحمل في جوفك قلباً رقيقاً رهيفاً،أنك حالم بالحرية وانفتاح الحياة على سلام شامل وعادل..همست:وهل رقص..!!.قلت:رجف بعنف قبل أن يلفظ روحه..!!.هل حقاً يتبدل الإنسان في لحظة مباغتة..؟؟.سؤال يلح،أنت تبدلت كلياً،بدأت تحب الخير وترفض مطاردة العصافير،عصفور مات وصرت فيلسوفاً،أمّا أنا مازلت أبحث عن وسائل تنتشلني من ركام سنوات فاشلة،كلما أصطدم بنهاية لا تسر،أجدني في محرابك لأقلقك قليلاً،عصفور زارنا،عصفور مات،أنت أيضاً مت،أنا المشاهد على ما حدث،هكذا جبلنا مذ ولدنا،مشاهد وشهيد،في تلك اللحظة ما أن قضيت على عذاب طفولي يقظ،أو أديت أمانة كانت ثقيلة على كاهلك،حررت أغوارك من دموع متراكمة وكلام عذب،انهالت علينا قيامة الطرف الآخر،يقيناً لم تكن حظوظنا عادلة،كنا لا نرمي،لكن من يجابهنا يرمي،هذا بالنسبة لنا أمّا بقية القواطع لا علم لنا بما يفعلون،ليتهم يفعلوا مثلما نفعل،ربما تخلصت الحياة من مخالب التماسيح وتحرر العالم من سطوة الأبالسة،لكن من يدري يا صاحبي،ربما هناك من يراقب وينقل ما يحدث أولاً بأوّل،فالوشاة في كل فجوة،دعهم يرمون طالما الله يكفل أصحاب القلوب الرحيمة،وجدتك شامخاً لا تبالي بما يحصل،رفضت أن تستجيب للأوامر بقيت معك،همست:ليكن ما يكن..!!قلت:علينا أن ننقذ ضيفنا من وجع العصف والقصف..!!.مضينا إلى دبابتنا،بدأ السجال المسائي البغيض،انتبهوا لصوم دبابتنا،ناديت عبر اللاسلكي:حشر في حجرة الرمي..!!.من نظرتك عرفت قوة تمردك على أوامر الديناصورات،أليس الرمي العبثي من صفات الأغبياء،كلام متفق عليه،لحظة انتهى وقت الإزعاج،احتفالات الأصيل لحرب بشعة لا رابح ولا مهزوم فيها،فقط أحلامنا اندثرت وغادرت حدائق الوجود،من أجل احتفالات ليلية في غرف قيادة غابية،تجلجل الضحكات وتدار أنخاب الدماء على بيوت المنكوبين من أجل أن لا يزعل الحيوان في عرينه،خرجنا من حاضنة الموت،أوّل ما بحثت عنه،زائرنا،جلت بعينيك،همست:ربما فر مثلما فر نصف جنودنا من أتون الحرب..!!.قلت:لست بمقتنع بما ذهبت إليه..!!.رأيتك تتعثر وأنت تدنو من صفائح الماء،هناك توقف زمني قبل أن تغرس زهرة حياتك،انحنيت،هرعت صوبك،حملته ونثرت مما عليه من رمال،كان فارداً جناحيه،ربما كان يحلق لحظة لفظ أنفاسه،ليتني لم أركز على وجهك،لقد ذرفت كل دموعك،ربما وهذا من عندياتي أن ما حصل كان يشبه لحد ما تلك اللحظة الطفولية الماثلة في ذهنك،لابد أنك ذرفت كل آلامك حينها،مثلما نزفت أمامي دموعك،يا لرقة قلبك،يا لجمال روحك،عصفور مات،كل يوم يموت العشرات من عصافيرنا،كل يوم يفقدن عشرات النساء أزواجهن،أطفال يغدون بلا سبب أيتام،كل ساعة ترتمي عشرات الأحلام في مستنقعات الفساد،لا أدري إن كان مال بلادنا حرام لنحرم منه..؟؟.سؤال ظل يشغلني من بعد رحيلك،أنت مت وأنا مازلت أمزق هذه الشرانق الخانقة من على بدني،عصفور مات يا صاح،عصفور مات يا عالم،لم تموت العصافير بالقنابل،ألم يكن صانع الديناميت غبياً لحظة فرح باكتشافه،لقد كان آخر مساء لنا،مات العصفور الذي هرب من تفاهة الحياة في المدن،ليتهم لم يقتلوه لبقيت،ربما قتلوا طفولتك،لا فرق قتل العصافير هو قتل البراءة،هو قتل الإحساس المتبقي أو المختبئ في أرواح أعداء الطغاة،أنت مت،مات العصفور،أنا المشاهد على نتانة القتلة،هاأنذا أحاورك وأعيد من غير ملل أو كلل هذا الاحتفال السرمدي،عصفور مات يا عالم ودفنه صاحبي،عصفور آخر مات في زمن طفولته هذا ما قاله لي،لا أعرف إن كان دفنه أم لا،ليتني أعرف كي يقر قلبي،آه..يا صاحبي،لم أحضر موتك،ربما احمد الله أنني كنت أتمتع بإجازتي،أتدري لو كنت بين ممن شهد موتك،لكنت متجرداً من هذا الاحتفال اليومي،لا أريد التخلص من هذا العذاب العذب،عذاب جميل يدثرني بمعطف الرفقة الصادقة،ينسيني ما يجري من إقصاء وإلغاء للبشر جملة وتفصيلا،لم نعد نمتلك فرصة واحدة لرد أي اعتبار،كنت واقفاً ربما تستحضر مشهد العصفور لحظة باغتتك قذيفة،هكذا قالوا لي،يا صاحبي ما عادت العصافير ترغب مشاركتنا الموت،كان الموت يمنحنا فرصة الرقص ويكحل ثغرنا ببسمة الوداع،لذلك كانت العصافير تأتي لترقص معنا قبل أن نحتفل برحيلنا،لقد واريته الثرى وأديت طقوسك،أنا المشاهد الوحيد على ذلك،تعانقنا وأقمنا مجلس عزاء وزعت أنت الشاي على بقية الجنود،وفي الصباح..قلت:أجلب لنا عصافير في قفص..!!.أه..يا صاحبي لو تدري لحظة وصلت البيت..قالت أمي:ضجت العصافير على شجرة التوت،قلت لابد أنك آت..!!.تصور كم هي مفيدة العصافير بالنسبة لأمهاتنا أوقات الحروب،كونها تتنبأ أو هي تدرك أسرار الحياة،تعرف أوقات عودتنا وتعرف متى نموت..!!

أول الصفحة


 © Arab World Books